Skip to content

Books to be read, not browsed

29 — دلائل الإعجاز في علم المعاني

From ⁧دلائل الإعجاز في علم المعاني⁩ by ⁧أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد الفارسي الأصل، الجرجاني الدار⁩ — leaf 89 of 670.

29

vol. 1 · p. 90

انظر إلى قوله: "قد كنت أحسب" وإلى مكان هذا الاستئناف.

ومثل قول أبي داود:

ولقد أغتدي يدافع ركني ... أحوذي ذو ميعة إضريج

سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج1

انظر إلى التنكير في قوله "كأن رماحا".

ومثل قول ابن البواب:

أتيتك عائذا بك من ... ك لما ضاقت الحيل

وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل

فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل

وإن قتل الهوى رجلا ... فإني ذلك الرجل2

أنظر إلى الإشارة والتعريف في قوله: "فإني ذلك الرجل".

ومثل قول عبد الصمد:

مكتئب ذو كبد حرى ... تبكي عليه مقلة عبرى

يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى3

vol. 1 · p. 91

انظر إلى لفظة: "يدعو" وإلى موقعها.

ومثل قول جرير:

لمن الديار ببرقة الروحان ... إذ لا نبيع زماننا بزمان

صدع الغواني إذ رمين، فؤاده ... صدع الزجاجة مالذاك تدان1

أنظر إلى قوله: "ما لذاك تدان"، وتأمل حال هذا الاستئناف.

ليس من بصير عارف بجوهر الكلام، حساس متفهم لسر هذا الشأن، ينشد أو يقرأ هذه الأبيات، إلا لم يلبث أن يضع يده في كل بيت منها على الموضع الذي أشرت إليه، يعجب ويعجب ويكبر شأن المزية فيه والفضل.

30

vol. 1 · p. 92

فصل: "في النظم يتحد في الوضع، ويدق فيه الصنع" 1

شواهد أخرى على دقة النظم:

واعلم أن مما هو أصل في أن يدق النظر، ويغمض المسلك، في توخي المعاني التي عرفت: أن تتحد أجزاء الكلام ويدخل بعضها في بعض، ويشتد ارتباط ثان منها بأول، وأن تحتاج في الجملة إلى أن تضعها في النفس وضعا واحد ا، وأن يكون حالك فيها حال الباني يضع بيمينه ههنا في حال ما يضع بيساره هناك. نعم، وفي حال ما يبصر مكان ثالث ورابع يضعهما بعد الأولين. وليس لما شأنه أن يجيء على هذا الوصف حد يحصره، وقانون يحيط به، فإنه يجيء على وجوه شتى، وأنحاء مختلفة.

فمن ذلك أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معا، كقول البحتري:

إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى، ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر2

وقوله:

إذا احتريت يوما ففاضت دماؤها، ... تذكره القرى ففاضت دموعها

فهذا نوع.

ونوع منه آخر، قول سليمان بن داود القضاعي:

Ed. Mahmud Muhammad Shakir, Abu Fihr — Matba'at al-Madani, Cairo - Dar al-Madani, Jeddah — 3rd ed., 1413 AH - 1992 CE