سورة البقرة
vol. 1 · p. 183
القذف لوجب أن يوقف ويعلم أنه حرام، فكذلك مجاز إعلام الملكين الناس
وأمرهما باجتنابه بعد الإعلام يدل على ما وصفنا، فهذا مستقيم بين، ولا
يكون على هذا التأويل تعلم السحر كفرا، إنما يكون العمل به كفرا، كما أن من عرف الزنا لم يأثم بأنه عرفه، وإنما يأثم بالعمل به.
وفيه قول آخر، جائز أن يكون الله عز وجل امتحن بالملكين الناس في ذلك الوقت، وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلم السحر، فيكون بتعلمه كافرا، وبترك تعلمه مؤمنا، لأن السحر قد كان كثر وكان في كل أمة، والدليل على ذلك أن فرعون فزع في أمر موسى - صلى الله عليه وسلم - إلى السحر - فقال: (ائتوني بكل ساحر عليم)
وهذا ممكن أن يمتحن الله به كما امتحن بالنهر في قوله
(إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده).
وقد قيل إن السحر ما أنزل على الملكين، ولا أمرا به ولا أتى به
سليمان عليه السلام. فقال قوم: (وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين)، فيكون " ما " جحدا، ويكون هاروت وماروت من صفة الشياطين، على تأويل هؤلاء، كان التأويل عندهم على مذهب هؤلاء: كان الشياطين هاروت وماروت، ويكون معنى قولهما على مذهب هؤلاء (إنما نحن فتنة فلا تكفر) كقول الغاوي والخليع: أنا في ضلال فلا ترد ما أنا فيه.
فهذه ثلاثة أوجه، والوجهان الأولان أشبه بالتأويل وأشبه بالحق عند كثير
من أهل اللغة، والقول الثالث له وجه، إلا أن الحديث وما جاء في قصة
الملكين أشبه وأولى أن يؤخذ به