سورة البقرة
vol. 1 · p. 189
ليس أنه على طريق السلب للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا أوتيه من الحكمة وقيل في (أو ننسها) قول آخر وهو خطأ أيضا، قالوا أو نتركها " وهذا يقال فيه نسيت إذا تركت، ولا يقال أنسيت أي تركت، وإنما معنى (أو ننسها) أو نتركها أي نأمر بتركها، فإن قال قائل ما معنى تركها غير النسخ وما الفرق بين الترك والنسخ؟
فالجواب في ذلك أن النسخ يأتي في الكتاب في نسخ الآية
بآية فتبطل الثانية العمل بالأولى.
ومعنى الترك أن تأتي الآية بضرب من العمل
فيؤمر المسلمون بترك ذلك بغير آية تأتي ناسخة للتي قبلها، نحو
(إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن)
ثم أمر المسلمون بعد ذلك بترك المحنة.
فهذا معنى الترك، ومعنى النسخ قد بيناه فهذا هو الحق.
ومن قرأ " أو ننسؤها " أراد نؤخرها. والنسء في اللغة التأخير، يقال: نسأ
الله في أجله وأنسأ الله أجله أي أخر أجله.
وقوله: (نأت بخير منها).
المعنى بخير منها لكم، (أو مثلها) فأما ما يؤتى فيه بخير من المنسوخ
فتمام الصيام الذي نسخ الإباحة في الإفطار لمن استطاع الصيام.
ودليل ذلك قوله: (ولتكملوا العدة) فهذا هو خير لنا كما قال الله
عز وجل.
وأما قوله (أو مثلها) أي نأتي بآية ثوابها كثواب التي قبلها، والفائدة في
vol. 1 · p. 190
ذلك أن يكون الناسخ اشهل في المأخذ من المنسوخ، والإيمان به أسوغ.
والناس إليه أسرع.
نحو القبلة التي كانت على جهة ثم أمر الله النبي - صلى الله عليه وسلم -
بجعل البيت قبلة المسلمين وعدل بها عن القصد لبيت المقدس، فهذا - وإن
كان السجود إلى سائر النواحي متساويا في العمل والثواب، فالذي أمر الله به في ذلك الوقت كان الأصلح، والأدعى للعرب وغيرهم إلى الإسلام.
* * *
وقوله عز وجل: (ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير (107)
لفظ (ألم) ههنا لفظ استفهام ومعناه التوقيف، وجزم (ألم) ههنا كجزم
" لم " لأن حرف الاستفهام لا يغير العامل عن عمله، ومعنى الملك في اللغة
تمام القدرة واستحكامها فما كان مما يقال فيه ملك سمي الملك، وما نالته
القدرة مما يقال فيه مالك فهو ملك، تقول: ملكت الشيء أملكه ملكا.
وكقوله تعالى، (على ملك سليمان) أي في سلطانه وقدرته.
وأصل هذا من - قولهم ملكت العجين أملكه إذا بالغت في عجنه، ومن هذا قيل في التزويج شهدنا " إملاك " فلان، أي شهدنا عقد أمر نكاحه وتشديده.
ومعنى الآية إن الله يملك السماوات والأرض ومن فيهن فهو أعلم بوجه
الصلاح فيما يتعبدهم به، من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغيره.
* * *
وقوله عز وجل: (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير).
هذا خطاب للمسلمين يخبرون فيه أن من خالفهم فهو عليهم، وأن الله
جل وعز ناصرهم، والفائدة فيه أنه بنصره إياهم يغلبون من سواهم.