سورة البقرة
vol. 1 · p. 211
إن قال قائل كيف ينهاهم عن الموت، وهم إنما يماتون، فإنما وقع
هذا جملى سعة الكلام، وما تكثر استعماله " العرب " نحو قولهم: " لا أرينك
ههنا "، فلفظ النهي إنما هو للمتكلم، وهو في الحقيقة للمكلم.
المعنى: لا تكونن ههنا فإن من كان ههنا - رأيته - والمعنى في الآية: ألزموا الإسلام، فإذا أدرككم الموت صادفكم مسلمين.
* * *
وقوله عز وجل: (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون (133)
المعنى: بل أكنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه "
فقولك: (إذ) الثانية، موضعها نصب كموضع الأولى، وهذا بدل مؤكد.
وقوله: (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك).
القراءة على الجمع، وقال بعضهم: (وإله أبيك) كأنه كره أن يجعل
العم أباه، وجعل إبراهيم بدلا من أبيك مبينا عنه، وبخفض إسماعيل
وإسحاق، كان المعنى إلهك وإله أبيك وإله إسماعيل، كما تقول: رأيت غلام
زيد وعمرو أي غلامهما، ومن قال: (وإله آبائك) فجمع وهو المجتمع عليه، جعل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق بدلا، وكان موضعهم خفضا على البدل
المبين عن آبائك.
وقوله عز وجل: (إلها واحدا).
منصوب على ضربين: إن شئت على الحال، كأنهم قالوا نعبد: إلهك
في حال وحدانيته، وإن شئت على البدل.
وتكون الفائدة من هذا البدل ذكر التوحيد، فيكون المعنى نعبد إلها واحدا.
vol. 1 · p. 212
وقوله عز وجل: (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون (134)
معنى (خلت) مضت، كما تقول لثلاث خلون من الشهر أي مضين.
وقوله عز وجل: (ولا تسألون عما كانوا يعملون).
المعنى: إنما تسألون عن أعمالكم.
* * *
وقوله عز وجل: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (135)
المعنى: قالت إليهود: كونوا هودا، وقالت النصارى: كونوا نصارى.
وجزم تهتدوا على الجواب للأمر، وإنما معنى الشرط قائم في الكلمة.
المعنى إن تكونوا على هذه الملة تهتدوا، فجزم تهتدوا على الحقيقة جواب
الجزاء.
* * *
وقوله عز وجل: (بل ملة إبراهيم حنيفا).
تنصب الملة على تقدير بل نتبع ملة إبراهيم ويجوز أن تنصب على
معنى: بل نكون أهل ملة إبراهيم، وتحذف " الأهل " كما قال الله عز وجل: (واسأل القرية التي كنا فيها) لأن القرية لا تسأل ولا تجيب.
ويجوز الرفع (بل ملة إبراهيم حنيفا).
والأجود والأكثر: النصب. ومجاز الرفع على معنى: قل ملتنا وديننا ملة إبراهيم، ونصب (حنيفا) على الحال.
المعنى: بل نتبع ملة إبراهيم في حال حنيفته، ومعنى الحنيفة في اللغة الميل.
فالمعنى: أن إبراهيم حنيف إلى دين الله، دين الإسلام.
كما قال عز وجل: (إن الدين عند الله الإسلام) فلم يبعث نبي إلا به.
وإن اختلفت شرائعهم، فالعقد توحيد الله عز وجل والإيمان برسله وإن اختلفت الشرائع،