سورة النساء
vol. 2 · p. 74
والثبات الجماعات المتفرقة، واحدها ثبة.
قال زهير ابن أبي سلمى:
وقد أغدو على ثبة كرام. . . نشاوى واجدين لما نشاء
قال سيبويه ثبة تجمع ثبون وثبين، في الرفع والنصب والجر وإنما
جمعت بالواو والنون - وكذلك عزة وعضة -
كقوله عز وجل (الذين جعلوا القرآن عضين) - لأن الواو والنون جعلتا عوضا من حذف آخر الكلمة.
وثبة التي هي الجماعة محذوف آخرها؛ تصغر ثبية، وثبة الحوض وسطه حيث
يثوب الماء إليه تصغر ثوبية، لأن هذا محذوفة منه عين الفعل، وإنما اشتقت
ثبة الجماعة من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته، وتأويله أنك
جمعت ذكر محاسنه، فأما الثبة الجماعة من فرقة. فتأويله انفروا جماعات
متفرقة أو انفروا بعضكم إلى بعض.
* * *
وقال: (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (72)
أي ممن أظهر الإيمان لمن يبطى عن القتال، يقال قد ابطا الرجل
وبطوء بمعنى، أبطأ تأخر، ومعنى بطوء ثقل، إبطاء، وبطئا.
واللام الأولى التي في " لمن " لام إن، واللام التي في ليبطئن لام
القسم، ومن موصولة بالجالب للقسم، كان هذا لو كان كلاما لقلت إن
منكم لمن أحلف والله ليبطئن.
والنحويون يجمعون على أن من وما والذي
vol. 2 · p. 75
لا يوصلن بالأمر والنهي إلا بما يضمر معها من ذكر الخبر، وأن لام القسم إذا جاءت مع هذه الحروف فلفظ القسم وما أشبه لفظه مضمر معها.
وقوله: (فإن أصابتكم مصيبة قال) هذا المبطئ:
(قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا).
أي لم أشركهم في مصيبتهم.
(ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (73)
أي ظفرتم وغنمتم.
(ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم).
(كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) جائز أن يكون وقع ههنا معترضا:
المعنى: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن.
(يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما)
ويكون: (إن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا)
(كأن لم تكن بينكم وبينه مودة).
ومعنى المودة ههنا، أي كأنه لم يعاقدكم على الإيمان أي كأنه لم يظهر
لكم المودة، وجائز أن يكون - والله أعلم - ليقولن يا ليتني كنت معهم كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم. فلا يكون في العربية فيه عيب ولا ينقص معنى. . والله أعلم.
(فأفوز فوزا عظيما).
(فأفوز) منصوب على جواب التمني بالفاء.
وقوله: (فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74)