سورة النساء
vol. 2 · p. 98
الجناح الإثم، وتأويله من جنحت إذا عدلت عن المكان أي أخذت جانبا
عن القصد، فتأويل لا جناح عليكم أي لا تعدلون عن الحق إن وضعتم
أسلحتكم.
(إن كان بكم أذى من مطر).
و (أذى) مقصورة، تقول أذى يأذى أذى، مثل فزع يفزع فزعا.
وموضع (أن تضعوا) نصب. أي لا إثم عليكم في أن تضعوا، فلما سقطت " في " عمل ما قبل (أن) فيها، ويجوز أن يكون موضعها جرا بمعنى في.
* * *
وقوله: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (103)
يعني به صلاة الخوف هذه.
(فاذكروا الله قياما وقعودا).
أي أذكروه بتوحيده وشكره وتسبيحه، وكل ما يمكن أن يتقرب به منه.
* * *
وقوله جل وعز: (فإذا اطمأننتم).
أي إذا سكنت قلوبكم، ويقال اطمأن الشيء إذا سكن وطامنته وطمأنته
إذا سكنته، وقد روي " اطبان " بالباء ولكن لا تقرأ بها لأن المصحف لا يخالف ألبتة.
وقوله: (فأقيموا الصلاة).
أي فأتموا، لأنهم جعل لهم في الخوف قصرها، وأمروا في الأمن
بإتمامها.
وقوله: (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا)
أي مفروضا مؤقتا فرضه:
vol. 2 · p. 99
وقوله: (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (104)
هذا خطاب للمؤمنين، والقوم ههنا الكفار الذين هم حرب المؤمنين.
وتأويل: (لا تهنوا) في اللغة لا تضعفوا، يقال وهن الرجل يهن إذا ضعف
فهو وهن. ومعنى (ابتغاء القوم): طلب القوم بالحرب.
وقوله: (إن تكونوا تألمون فإنهم).
أي إن تكونوا توجعون فإنهم يجدون من الوجع بما ينالهم من الجراح
والتعب كما تجدون، وأنتم مع ذلك (ترجون من الله ما لا يرجون).
أي أنتم ترجون النصر الذي وعدكم الله به، وإظهار دينكم على سائر
أديان أهل الملل المخالفة لأهل الإسلام وترجون مع ذلك الجنة، وهم - أعني
المشركين - لايرجون الجنة لأنهم كانوا غير مقرين بالبعث فأنتم ترجون من الله ما لا يرجون.
قال بعض أهل التفسير: معنى " ترجون " ههنا تخافون، وأجمع أهل اللغة
الموثوق بعلمهم: أن الرجاء ههنا على معنى الأمل لا على تصريح الخوف.
وقال بعضهم: الرجاء لا يكون بمعنى الخوف إلا مع الجحد.
قال الشاعر.
لا ترتجى حين تلاقي الذائدا. . . أسبعة لاقت معا أم واحدا
معناه لا تخاف.
وكذلك قوله عز وجل: (ما لكم لا ترجون لله وقارا (13).
أي لا تخافون لله عظمة ولا عظة.
وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف لأن الرجاء أمل قد يخاف ألا
يتم.