سورة المائدة
vol. 2 · p. 147
معناه الآن يئس الذين كفروا من دينكم، وهذا كما تقول أنا اليوم قد كبرت.
وهذا الشأن لا يصلح في اليوم. تريد أنا الآن، وفي هذا الزمان ومعناه: أن قد حول الله الخوف الذي كاد يلحقكم منهم اليوم ويئسوا من بطلان الإسلام
وجاءكم ما كنتم توعدون من قوله: (ليظهره على الدين كله).
والدين اسم لجميع ما تعبد الله خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، والذي به يجزون، والذي أمرهم أن يكون عادتهم.
وقد بينا ذلك في قوله: (مالك يوم الدين).
وقوله: (فلا تخشوهم واخشون).
أي فليكن خوفكم لله وحده، فقد أمنتم أن يظهر دين على الإسلام
وكذلك - والله أعلم -.
قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم).
أي الآن أكملت لكم الدين بأن كفيتكم خوف عدوكم وأظهرتكم
عليهم، كما تقول: الآن كمل لنا الملك وكمل لنا ما نريد، بأن كفينا من كنا نخافه.
وقد قيل أيضا: (اليوم أكملت لكم دينكم) أي أكملت لكم فرض ما
تحتاجون إليه في دينكم. وذلك جائز حسن، فأما أن يكون دين الله في وقت من الأوقات غير كامل فلا.
* * *
وقوله عز وجل: (فمن اضطر في مخمصة).
أي فمن دعته الضرورة في مجاعة، لأن المخمصة شدة ضمور
البطن.
(غير متجانف لإثم).
vol. 2 · p. 148
أي غير مائل إلى إثم.
(فإن الله غفور رحيم).
أي فإن الله أباحه ذلك رحمة منه وتسهيلا على خلقه، وكذلك فمن
اضطر غير باغ ولا عاد، أي غير آكل لها على جهة الاستحلال ولا عاد: أي مجاوز لقدر الحاجة، وغير آكل لها على جهة التلذذ فإن الله غفور رحيم.
* * *
وقوله: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب (4)
(يسألونك ماذا أحل لهم)
موضع " ما " رفع، إن شئت جعلتها وحدها اسما، ويكون خبرها قوله:
(ذا). ويكون أحل من صلة ما، والتأويل: يسألونك أي شيء أحل لهم.
وجائز أن تكون " ما "، و " ذا "، اسما واحدا، وهي أيضا رفع بالابتداء والتأويل على هذا: يسألونك أي شيء أحل لهم، وأحل لهم خبر الابتداء.
(قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح).
فالطيبات كل شيء لم يأت تحريمه في كتاب ولا سنة، والكلام يدل
على أنهم سألوا عن الصيد فيما سألوا عنه، ولكن حذف ذكر صيد " ما
علمتم). . لأن في الكلام دليلا عليه، كما قال: (واسأل القرية).
المعنى واسأل أهل القرية.
" وقوله: (مكلبين).
أي في هذه الحال يقال رجل مكلب، وكلاب، أي صاحب صيد
بالكلاب، وفي هذا دليل أن لحم صيد الكلب الذي لم يعلم حرام إذا لم
تدرك ذكاته، فإذا أرسل المرسل كلب الصيد فصاد فقتل صيده، وقد ذكر الصائد اسم الله على الصيد فهوحلال بلا اختلاف بين الناس في ذلك.