سورة المائدة
vol. 2 · p. 176
قيل لهم في الدنيا فضيحة بما أظهر الله من كذبهم، وقيل لهم في
الدنيا خزي بأخذ الجزية منهم، وضرب الذلة والمسكنة عليهم، ثم عاد
عز وجل في وصفهم فقال:
(سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42)
(سماعون للكذب أكالون للسحت)
ويقرأ (للسحت) جميعا، تأويله أن الرشا التي يأكلونها يعاقبهم الله بها أن
يسحتهم بعذاب، كما قال جل وعز: (لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب).
ومثل هذا قوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا). أي يأكلون ما عاقبته
النار، يقال سحته وأسحته إذا استأصله، وقال بعضهم سحته: اذهبه قليلا قليلا إلى أن استأصله ومثل أسحته قول الفرزدق.
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع. . . من المال إلا مسحتا أو مجلف
ويجوز أن يكون سحته وأسحته إذا استأصله، كان ذلك شيئا بعد شيء.
أو كان دفعة واحدة.
وقوله (فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم).
أجمعت العلماء على أن هذه الآية تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مخير بها في الحكم بين أهل الذمة.
وقيل في بعض الأقاويل: إن التخيير نسخ بقوله:
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله).
وقوله: (فاحكم بينهم بالقسط). أي العدل.
vol. 2 · p. 177
وقوله: (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (44)
أي فيها نور أي بيان أن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حق، وفيها بيان الحكم الذي جاءوا يستفتون فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير، على معنى: إنا
أنزلنا التوراة فيها هدى ونور للذين هادوا، يحكم بها النبيون الذين أسلموا
والربانيون، ويجوز أن يكون " يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا.
أي يحكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما سألوه بما في التوراة.
ويجوز أن يكون للذين هادوا للذين تابوا، أي النبيون والربانيون هم العلماء والأحبار وهم العلماء الخيار يحكمون للتائبين من الكفر.
(بما استحفظوا من كتاب الله).
أي استوعوا.
وقوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)
أي من زعم أن حكما من أحكام الله التي أتت بها الأنبياء عليهم
السلام باطل فهو كافر، أجمعت الفقهاء أن من قال إن المحصنين لا يجب أن
يرجما إذا زنيا وكانا حرين - كافر، وإنما كفر من رد حكما من أحكام النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه مكذب له، ومن كذب النبي فهو كافر.
* * *
وقوله: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (45)
أي في التوراة.
(أن النفس بالنفس والعين بالعين).
وروي أن النبي قرأ والعين بالعين والقراءة والعين بالعين
(والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص).