سورة الأنعام
vol. 2 · p. 240
كل ما جاء فجاءة فقد بغت، يقال قد بغته الأمر يبغته بغتا وبغتة، إذا أتاه
فجاءة.
قال الشاعر:
ولكنهم ماتوا ولم أخش بغتة. . . وأفظع شيء حين يفجؤك البغت
وقوله: (يا حسرتنا على مافرطنا فيها).
إن قال قائل: ما معنى دعاء الحسرة، وهي لا تعقل ولا تجيب؟
فالجواب عن ذلك أن العرب إذا اجتهدت في الإخبار عن عظيم تقع فيه
جعلته نداء، فلفظه لفظ ما ينبه، والمنبه غيره.
مثل قوله عز وجل: (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله).
وقوله: (يا ويلتى أألد وأنا عجوز)
وقوله: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا). .
فهذا أبلغ من أن تقول: أنا حسر على العباد، وأبلغ من أن تقول: الحسرة علينا في تفريطنا.
قال سيبويه: " إنك إذا قلت يا عجباه، فكأنك قلت احضر وتعال يا
عجب فإنه من أزمانك، وتأويل " يا حسرتاه " انتبهوا على أننا قد خسرنا " وهذا مثله في الكلام في أنك أدخلت عليه يا للتنبيه، وأنت تريد الناس قولك: لا أرينك ههنا، فلفظك لفظ الناهي نفسه، ولكنه لما علم أن الإنسان لا يحتاج أن يلفظ بنهي نفسه دخل المخاطب في النهي فصار المعنى: لا تكونن ههنا،
vol. 2 · p. 241
فإنك إذا كنت رأيتك، وكذلك يا حسرتنا، قد علم أن الحسرة لا تدعى، فوقع التنبيه للمخاطبين.
ومعنى: (فرطنا فيها) قدمنا العجز.
وقوله: (وهم يحملون أوزارهم).
أي يحملون ثقل ذنوبهم، وهذا مثل. جائز أن يكون جعل ما ينالهم
من العذاب بمنزلة أثقل ما يحمل، لأن الثقل قد يستعمل في الوزر، وفي
الحال، فتقول في الحال قد ثقل على خطاب فلان، تأويله قد كرهت خطابه
كراهة اشتدت علي، فتأويل الوزر الثقل من هذه الجهة، واشتقاقه من الوزر، وهو الجبل الذي يعتصم به الملك والنبي، أي يعينه.
ومنه قوله تعالى: (وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا).
سأل موسى ربه أن يجعل أخاه وزيرا له.
وكذلك قوله تعالى: (ألا ساء ما يزرون).
أي بئس الشيء شيئا أي يحملونه، وقد فسرنا عمل نعم وبئس فيما
مضى من الكتاب، وكذلك (ساء مثلا القوم) أي: مثل القوم.
* * *
وقوله: (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33)
(لا يكذبونك) ولا يكذبونك، ومعنى كذبته قلت له كذبت، ومعنى أكذبته ادعيت أن ما أتى به كذب، وتفسير قوله: (لا يكذبونك)، أي لا يقدرون أن يقولوا لك فيما أنبات به مما في كتبهم كذبت.
ووجه آخر: إنهم لا يكذبونك بقلوبهم، أي يعلمون أنك صادق.