سورة البقرة
vol. 1 · p. 132
ترونهم يغرقون ويجوز أن يكون: (وأنتم تنظرون) أي وأنتم مشاهدون
تعلمون ذلك، وإن شغلهم عن أن يروه في ذلك الوقت شاغل يقال من
ذلك: دور آل فلان تنظر إلى دور بني فلان، أي هي بإزائها والدور يعلم أنها لا تبصر شيئا.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون (51)
ويقرأ: (وإذ واعدنا موسى) وكلاهما جائز (حسن) واختار جماعة من
أهل اللغة، وإذ وعدنا بغير ألف:
وقالوا: إنما اخترنا هذا لأن المواعدة إنما تكون لغير الآدميين، فاختاروا
(وعدنا) وقالوا دليلنا قوله عز وجل (إن الله وعدكم وعد الحق) وما أشبه
هذا وهذا الذي ذكروه ليس مثل هذا وواعدنا هنا جيد بالغ، لأن الطاعة في
القبول بمنزلة المواعدة، فهو من الله عز وجل وعد ومن موسى قبول واتباع
فجرى مجرى المواعدة.
* * *
وقوله عز وجل: (ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون).
ذكرهم بكفر آبائهم مع هذه الآيات العظام، وأعلمهم أن كفرهم
بالنبي ي مع وضوح أمره وما وقفوا عليه من خبره في كتبهم ككفر آبائهم.
وكان في ذكر هذه الأقاصيص دلالة على تثبيت نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن هذه الأقاصيص ليست من علوم العرب، وإنما هى من علوم أهل الكتاب، فأنبأهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بما في كتبهم، وقد علموا أنه من العرب الذين لم يقرأوا كتبهم،
vol. 1 · p. 133
فعلموا إنه لم يعلم هذه الأقاصيص إلا من جهة الوحي، ففي هذه الآيات.
إذكارهم بالنعمة عليهم في أسلافهم، وتثبيت أمر الرسالة كما وصفنا.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون (53)
آتينا بمعنى أعطينا، و (الكتاب) مفعول به، (والفرقان) عطف عليه.
ويجوز أن يكون الفرقان الكتاب بعينه إلا إنه أعيد ذكره، وعنى به أنه يفرق بين الحق والباطل.
وقد قال بعض النحويين وهو قطرب: المعنى: وآتينا محمدا الفرقان، ودليله قوله عز وجل (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) يعني به القرآن.
والقول الأول هو القول لأن الفرقان قد ذكر لموسى في غير هذا
الموضع - قال الله عز وجل: (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين (48).
* * *
وقوله عز وجل: (لعلكم تهتدون).
" لعل " إنما ذكرت هنا - والله يعلم أيهتدون أم لا يهتدون - على ما يفعل
العباد ويتخاطبون به، أي إن هذا يرجى به الهداية، فخوطبوا على رجائهم.
ومثله قوله: (لعله يتذكر أو يخشى): إنما المعنى اذهبا على
رجائكما، والله عز وجل عالم بما يكون وهو من ورائه.
* * *
وقوله عز وجل: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم (54)
والقراءة (يا قوم) بكسر الميم، وهو نداء مضاف، والاختيار فيه حذف
الياء، لأن الياء حرف واحد، والنداء باب حذف، وهي شي آخر الاسم، كما