[فصل مثل من القياس التمثيلي]
vol. 1 · p. 182
يكون أقرب إلى تعقله وفهمه وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره؛ فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير؛ ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد، ولا ينكره، وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورا ووضوحا، فالأمثال شواهد المعنى المراد، ومزكية له، فهي {كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه} [الفتح: 29] ، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته.
[فرق بين الأمثال المضروبة من الله ورسوله وبين القياس]
ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع فيه السارق؟ هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم، كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع، فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربع من قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196] ، وأن الآية تدل على ذلك، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم - في صدقة الفطر: «صاع من تمر أو صاع من شعير، أو صاع من أقط، أو صاع من بر، أو صاع من زبيب» ، يفهم منه أنه لو أعطى صاعا من إهليلج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الولد للفراش» ، يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال له الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي - وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب - فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر أنه ابنه، وقد صارت فراشا بمجرد قوله: " قبلت هذا التزويج " ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده.
وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل» ، أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودا، وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة» ، أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه، وأن هذا مفهوم من قوله: «ادرءوا الحدود