[فصل حكمة عدة الطلاق]
vol. 2 · p. 171
الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما منهم؛ فإن الاقتداء بهم يحرم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل، كما كان عليه القوم - رضي الله عنهم -، وحينئذ فالحديث من أقوى الحجج عليكم، وبالله التوفيق.
[الصحابة هم الذين أمرنا بالاستنان بهم]
الوجه السادس والأربعون: قولكم: قال عبد الله بن مسعود من كان مستنا منكم فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد، فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه: فإنه نهى عن الاستنان بالأحياء، وأنتم تقلدون الأحياء والأموات.
الثاني: أنه عين المستن بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم، وهم الصحابة - رضي الله عنهم -، وأنتم - معاشر المقلدين - لا ترون تقليدهم ولا الاستنان بهم، وإنما ترون تقليد فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير.
الثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة عليه.
الرابع: أن ابن مسعود قد صح عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا بصيرة له؛ فعلم أن الاستنان عنده غير التقليد.
الوجه السابع والأربعون: قولكم قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» فهذا من أكبر حججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سنتهم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدا منهم لم يكن يدع السنة إذا ظهرت لقول غيره كائنا من كان، ولم يكن له معها قول ألبتة، وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك.
يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن سنتهم بسنته في وجوب الاتباع، والأخذ بسنتهم ليس تقليدا لهم، بل اتباع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدا لمن رآه في المنام.
والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدا لمعاذ، بل اتباعا لما أمرنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟ يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد صرح بعض غلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجكم بشيء أنتم أشد الناس خلافا له، وبالله التوفيق.
يوضحه الوجه الخمسون: أن الحديث بجملته حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر