[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]
vol. 1 · p. 449
وإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها، فلابد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش، وقال الله عز وجل: {وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون - والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون - والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون - والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون - وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين} [الشورى: 36 - 40] [الشورى: 36 - 40] . فهذه الآيات تضمنت وصف المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل، وإقام الصلاة، والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش، فهذا هو تحقيق التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح. وأما قوله: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} [الشورى: 39] فليس منافيا للعفو، فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ذلك، فيكون أتم وأكمل. قال النخعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أن يستذلوا، فإذا قدروا عفوا. وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أن يذل نفسه،
vol. 1 · p. 450
فيجترئ عليه الفساق، فالمؤمن إذا بغي عليه، يظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف، منهم قتادة وغيره. فهذه الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ، فإنها تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو، ولازم هذا أنهم إن وقع منهم شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش، يكون مغمورا بخصال التقوى المقتضية لتكفيرها ومحوها. وأما الآيات التي في سورة آل عمران، فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك، وهذا هو الأكمل، وهو إحداث التوبة، والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرا كان أو كبيرا، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا، وقد ذكرناه فيما سبق. وإنما بسطنا القول في هذا، لأن حاجة الخلق إليه شديدة، وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفق والمعين. فقوله صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» ظاهره أن السيئات تمحى بالحسنات، وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطية العوفي: بلغني أنه من بكى على خطيئة محيت عنه، وكتبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها