Skip to content

Books to be read, not browsed

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] — جامع العلوم والحكم

From ⁧جامع العلوم والحكم⁩ by ⁧عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي⁩ — leaf 398 of 999.

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]

vol. 1 · p. 450

فيجترئ عليه الفساق، فالمؤمن إذا بغي عليه، يظهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك، وقد جرى مثل هذا لكثير من السلف، منهم قتادة وغيره. فهذه الآيات تتضمن جميع ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لمعاذ، فإنها تضمنت حصول خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو، ولازم هذا أنهم إن وقع منهم شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش، يكون مغمورا بخصال التقوى المقتضية لتكفيرها ومحوها. وأما الآيات التي في سورة آل عمران، فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك، وهذا هو الأكمل، وهو إحداث التوبة، والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرا كان أو كبيرا، كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصى بذلك معاذا، وقد ذكرناه فيما سبق. وإنما بسطنا القول في هذا، لأن حاجة الخلق إليه شديدة، وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه، والله الموفق والمعين. فقوله صلى الله عليه وسلم: «أتبع السيئة الحسنة تمحها» ظاهره أن السيئات تمحى بالحسنات، وقد تقدم ذكر الآثار التي فيها أن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها. قال عطية العوفي: بلغني أنه من بكى على خطيئة محيت عنه، وكتبت له حسنة. وعن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها، فوجل قلبه منها، فاستغفر الله عز وجل لم يحبسها شيء حتى يمحوها

vol. 1 · p. 451

عنه الرحمن. وقال بشر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاء النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاء الليل يمحو ذنوب السر. وقد ذكرنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» الحديث. وقالت طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأعمال بتوبة ولا غيرها، بل لابد أن يوقف عليها صاحبها ويقرأها يوم القيامة، واستدلوا بقوله تعالى: {ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها} [الكهف: 49] [الكهف: 49] ، وفي الاستدلال بهذه الآية نظر، لأنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أو المغمورة ذنوبهم بحسناتهم. وأظهر من هذا الاستدلال بقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره - ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 - 8] [الزلزلة: 7 - 8] ، وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين، وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي، قال الحسن: فالعبد يذنب، ثم يتوب، ويستغفر: يغفر له، ولكن لا يمحاه من كتابه دون أن يقفه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسن بكاء شديدا، وقال: ولو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام، لكان ينبغي لنا أن نبكي. وقال بلال بن سعد: إن الله يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب. وقال أبو هريرة: يدني الله العبد يوم القيامة، فيضع عليه كنفه، فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر، فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك، فيقرأ، فيمر بالحسنة فيبيض لها وجهه، ويسر بها قلبه، فيقول الله: أتعرف يا

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت