[الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
vol. 1 · p. 471
أن يعلم العبد أن الله معه حيث كان» " وقد سبق.
وروي عن بنان الحمال أنه دخل البرية وحده على طريق تبوك، فاستوحش، فهتف به هاتف: لم تستوحش؟ أليس حبيبك معك؟ وقيل لبعضهم: ألا تستوحش وحدك؟ فقال: كيف أستوحش، وهو يقول: " أنا جليس من ذكرني " وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: من يكن الله معه، كيف يكون وحده؟ وقيل لآخر: أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أين هو؟ قال: أمامي، ومعي، وخلفي، وعن يميني، وعن شمالي، وفوقي وكان الشبلي ينشد:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بذكرك هاديا
قوله صلى الله عليه وسلم: " «تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة» " يعني أن العبد إذا
vol. 1 · p. 472
اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، ورعى له تعرفه إليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة، وهذه معرفة خاصة تقتضي قرب العبد من ربه، ومحبته له، وإجابته لدعائه.
فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما: المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرار به والتصديق والإيمان، وهذه عامة للمؤمنين.
والثاني: معرفة خاصة تقتضي ميل القلب إلى الله بالكلية، والانقطاع إليه، والأنس به، والطمأنينة بذكره، والحياء منه، والهيبة له، وهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل له: وما هو؟ قال: معرفة الله عز وجل.
وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أحب أن لا أموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرار به، ولكن المعرفة إذا عرفته استحييت منه.
ومعرفة الله أيضا لعبده نوعان: معرفة عامة، وهي علمه سبحانه بعباده، واطلاعه على ما أسروه وما أعلنوه، كما قال: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه} [ق: 16] [ق: 16] ، قال: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} [النجم: 32] [النجم: 32] .
والثاني: معرفة خاصة، وهي تقتضي محبته لعبده، وتقريبه إليه، وإجابة دعائه، وإنجاءه من الشدائد، وهي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه " «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي