[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]
vol. 2 · p. 96
وحرجا، ونفورا وكراهة.
فهذه الأحاديث مشتملة على تفسير البر والإثم، وبعضها في تفسير الحلال والحرام، فحديث النواس بن سمعان فسر النبي صلى الله عليه وسلم فيه البر بحسن الخلق، وفسره في حديث وابصة وغيره بما اطمأن إليه القلب والنفس، كما فسر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة. وإنما اختلف تفسيره للبر، لأن البر يطلق باعتبارين معينين: أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإحسان إليهم، وربما خص بالإحسان إلى الوالدين، فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرا على الإحسان إلى الخلق عموما، وقد صنف ابن المبارك كتابا سماه " كتاب البر والصلة "، وكذلك في " صحيح البخاري " و " جامع الترمذي ": " كتاب البر والصلة "، ويتضمن هذا الكتاب الإحسان إلى الخلق عموما، ويقدم فيه بر الوالدين على غيرهما. وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه، عن جده، أنه قال: «يا رسول الله من أبر؟ قال: أمك قال: ثم من؟ قال: ثم أباك، قال: ثم من؟ قال: ثم الأقرب فالأقرب» .
ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» . وفي " المسند " «أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن بر الحج، فقال: إطعام الطعام،
vol. 2 · p. 97
وإفشاء السلام» وفي رواية أخرى: وطيب الكلام.
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: البر شيء هين: وجه طليق وكلام لين.
وإذا قرن البر بالتقوى، كما في قوله عز وجل: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] [المائدة: 2] ، فقد يكون المراد بالبر معاملة الخلق بالإحسان، وبالتقوى: معاملة الحق بفعل طاعته، واجتناب محرماته، وقد يكون أريد بالبر فعل الواجبات، وبالتقوى: اجتناب المحرمات، وقوله تعالى: {ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} [المائدة: 2] [المائدة: 2] قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم: ما هو محرم في نفسه كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وبالعدوان: تجاوز ما أذن فيه إلى ما نهي عنه مما جنسه مأذون فيه، كقتل ما أبيح قتله لقصاص ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الجلد في الذي أمر به في الحدود ونحو ذلك.
والمعنى الثاني من معنى البر: أن يراد به فعل جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177] [البقرة: 177] ، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الإيمان، فتلا هذه الآية.