Skip to content

Books to be read, not browsed

[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق] — جامع العلوم والحكم

From ⁧جامع العلوم والحكم⁩ by ⁧عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي⁩ — leaf 570 of 999.

[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]

vol. 2 · p. 101

وقوله في حديث وابصة وأبي ثعلبة: «وإن أفتاك المفتون» يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأنه ليس، بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكرا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثما، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره بالإيمان، وكان المفتي يفتي له بمجرد ظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي، فأما ما كان مع المفتي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخصة الشرعية، مثل: الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال، فهذا لا عبرة به.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يأمر أصحابه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة، فكرهه من كرهه منهم، وكما أمرهم بنحر هديهم، والتحلل من عمرة الحديبية، فكرهوه، وكرهوا مقاضاته لقريش على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم.

وفي الجملة، فما ورد النص به، فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله، كما قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] [الأحزاب: 36] .

vol. 2 · p. 102

وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به، والتسليم له، كما قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65] [النساء: 65] .

وأما ما ليس فيه نص من الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان، المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين منه شيء، وحك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعلمه وبدينه، بل هو معروف باتباع الهوى، فهنا يرجع المؤمن إلى ما حك في صدره، وإن أفتاه هؤلاء المفتون.

وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا، أيضا قال المروزي في " كتاب الورع " قلت: لأبي عبد الله إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيء، فقال: أمرها أمر قذر متلوث، قلت: فتكره العمل فيها؟ قال: دع ذا عنك إن كان لا يقع في قلبك شيء، قلت: قد وقع في قلبي منها، فقال: قال: ابن مسعود: الإثم حواز القلوب. قلت: إنما هذا على المشاورة؟ قال: أي شيء يقع في قلبك؟ قلت: قد اضطرب علي قلبي، قال: الإثم هو حواز القلوب.

وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير: «الحلال بين والحرام بين» ، وفي شرح حديث الحسن بن علي: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ، وشرح حديث: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة هاهنا.

وقد ذكر طوائف من فقهاء الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه

Ed. Shu'ayb al-Arna'ut and Ibrahim Bajis — Mu'assasat al-Risala, Beirut