Skip to content

Books to be read, not browsed

[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق] — جامع العلوم والحكم

From ⁧جامع العلوم والحكم⁩ by ⁧عبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي⁩ — leaf 572 of 999.

[الحديث السابع والعشرون البر حسن الخلق]

vol. 2 · p. 103

مسألة الإلهام: هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافا بينهم، وذكر طائفة من أصحابنا أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبو يعلى من كلام أحمد في ذم المتكلمين في الوساوس والخطرات، وخالفهم طائفة من أصحابنا في ذلك، وقد ذكرنا نص أحمد هاهنا بالرجوع إلى حواز القلوب، وإنما ذم أحمد وغيره المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الرأي من غير دليل شرعي.

فأما الرجوع إلى الأمور المشتبهة إلى حواز القلوب، فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد نص على الرجوع إليه موافقة لهم. وقد سبق حديث: «إن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» ، فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، ومعرفته، وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خثيم: إن للحديث ضوءا كضوء النهار تعرفه، وظلمة كظلمة الليل تنكره.

وخرج الإمام أحمد من حديث ربيعة، عن عبد الملك بن سعيد بن سويد، وأبي أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب، فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم، وتنفر عنه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه» . وإسناده قد قيل: إنه على

vol. 2 · p. 104

شرط مسلم، لأنه خرج بهذا الإسناد بعينه حديثا، لكن هذا الحديث معلول، فإنه رواه بكير بن الأشج، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبي بن كعب من قوله، قال البخاري: وهو أصح.

وروى يحيى بن آدم عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إذا حدثتم عني حديثا تعرفونه، ولا تنكرونه، فصدقوا به، فإني أقول ما يعرف ولا ينكر، وإذا حدثتم عني حديثا تنكرونه ولا تعرفونه، فلا تصدقوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرف» ، وهذا الحديث معلول أيضا، وقد اختلف في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه عن سعيد مرسلا، والمرسل أصح عند أئمة الحفاظ، منهم ابن معين والبخاري، وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة، وقال: ما رأيت أحدا من علماء الحديث يثبت وصله.

وإنما تحمل مثل هذه الأحاديث - على تقدير صحتها - على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقاد، الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونقلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وحفظهم وضبطهم، فإن هؤلاء لهم نقد خاص في الحديث يختصون بمعرفته، كما يختص الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود جيدها ورديئها، وخالصها

Ed. Shu'ayb al-Arna'ut and Ibrahim Bajis — Mu'assasat al-Risala, Beirut