[الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه]
vol. 2 · p. 245
وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من حضر معصية فكرهها، فكأنه غاب عنها، ومن غاب عنها، فأحبها، فكأنه حضرها» وهذا مثل الذي قبله.
فتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرض على كل مسلم. في كل حال، وأما الإنكار باليد واللسان فبحسب القدرة، كما في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا، إلا يوشك الله أن يعمهم بعقاب» خرجه أبو داود بهذا اللفظ، وقال: قال شعبة فيه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله» .
وخرج أيضا من حديث جرير سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يغيروا عليه فلا يغيرون، إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا» .
وخرجه الإمام أحمد ولفظه: «ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز وأكثر ممن يعمله، فلم يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب» .
وخرج أيضا من حديث عدي بن عميرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم
vol. 2 · p. 246
قادرون على أن ينكروه فلا ينكرونه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» .
وخرج أيضا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى يقول: ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره، فإذا لقن الله عبدا حجته، قال: يا رب رجوتك وفرقت الناس» .
فأما ما أخرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبته: «ألا لا يمنعن رجلا هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه» ، وبكى أبو سعيد، وقال: قد والله رأينا أشياء فهبنا. وخرجه الإمام أحمد وزاد فيه: «فإنه لا يقرب من أجل، ولا يباعد من رزق أن يقال بحق أو يذكر بعظيم» .
وكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يحقر أحدكم نفسه قالوا: يا رسول الله، كيف يحقر أحدنا نفسه؟ قال: يرى أمر الله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا؟ فيقول: خشيت الناس، فيقول الله: إياي كنت أحق أن تخشى» .