[الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]
vol. 2 · p. 450
بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها؟ وكرهه طاوس، وعكرمة وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يبيعوها، فيأكلون أثمانها. وأما إذا دبغت، فمن قال بطهارتها بالدبغ، أجاز بيعها، ومن لم ير طهارتها بذلك، لم يجز بيعها، ونص أحمد على منع بيع القمح إذا كان فيه بول الحمار حتى يغسل، ولعله أراد بيعه ممن لا يعلم بحاله، خشية أن يأكله ولا يعلم نجاسته.
وأما الكلب، فقد ثبت في " الصحيحين " عن أبي مسعود الأنصاري «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب» . وفي " صحيح مسلم " عن رافع بن خديج سمع النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: «شر الكسب مهر البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام» . وفيه عن معقل الجزري «عن أبي الزبير، قال: سألت جابرا عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك» . وهذا مما يعرف عن ابن لهيعة عن أبي الزبير. وقد استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديث ابن لهيعة، وقد تتبع ذلك، فوجد كما قاله أحمد رحمه الله. وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فأكثرهم حرموه، منهم الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وغيرهم وقال أبو
vol. 2 · p. 451
هريرة: هو سحت، وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير. وهؤلاء لهم مآخذ: أحدها: أنه إنما نهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس العين، وهذا قول الشافعي، وابن جرير، ووافقهم جماعة من أصحابنا، كابن عقيل " في نظرياته " وغيره، والتزموا أن البغل والحمار إنما نجيز بيعهما إذا لم نقل بنجاستهما، وهذا مخالف للإجماع. والثاني: أن الكلب لم يبح الانتفاع به واقتناؤه مطلقا كالبغل والحمار، وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة، وذلك لا يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما، وهذا مأخذ طائفة من أصحابنا وغيرهم. والثالث: أنه إنما نهي عن بيعه لخسته ومهانته، فإنه لا قيمة له إلا عند ذوي الشح والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهي عن أخذ ثمنه ترغيبا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة، وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره من السلف، وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور. ورخصت طائفة في بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب، ككلب الصيد، وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وقالوا: إنما نهي عن بيع ما يحرم اقتناؤه منها. وروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد» ، خرجه النسائي،