[الحديث السادس والأربعون كل مسكر حرام]
vol. 2 · p. 457
أعظم نعم الله على عباده، فإذا نام المؤمن بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته ودعائه، كان نومه عونا له على الصلاة والذكر، ولهذا قال من قال من الصحابة: إني أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. وكذلك الميسر يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن صاحبه يعكف بقلبه عليه، ويشتغل به عن جميع مصالحه ومهماته حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه، ولهذا قال علي لما مر على قوم يلعبون بالشطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فشبههم بالعاكفين على التماثيل. وجاء في الحديث: «إن مدمن الخمر كعابد وثن» ، فإنه يتعلق قلبه بها، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته. وهذا كله مضاد لما خلق الله العباد لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته، ومحبته، وخشيته، وذكره، ومناجاته، ودعائه، والابتهال إليه، فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد إليه ضرورة، بل كان ضررا محضا عليه، كان محرما، وقد روي عن علي أنه قال لمن رآهم يلعبون بالشطرنج: ما لهذا خلقتم. ومن هنا يعلم أن الميسر محرم، سواء كان بعوض أو بغير عوض، وإن الشطرنج كالنرد أو شر منه، لأنها تشغل أصحابها عن ذكر الله وعن
vol. 2 · p. 458
الصلاة أكثر من النرد. والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر حرام، وكل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام» . وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فخرجا في " الصحيحين " عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر حرام» ولفظ مسلم: «وكل مسكر حرام» . وخرج أيضا من حديث عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البتع، فقال: كل شراب أسكر فهو حرام» وفي رواية لمسلم: «كل شراب مسكر حرام» وقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجا به، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكر. وأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه، فلا يثبت ذلك عنه. وخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل