: وقد تتبعت الأحكام التي وقعت في آخر الآي مراعاة للمناسبة فعثرت
vol. 1 · p. 30
تأخير الوصف غير الأبلغ عن الأبلغ.
ومنه: الرحمن الرحيم.
رؤوف رحيم، لأن الرأفة أبلغ من الرحمة.
حذف الفاعل ونيابة المفعول نحو: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى (19) .
إثبات هاء السكت، نحو: ماليه. سلطاييه. ما هيه.
الجمع بين المجرورات، نحو: (ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا)
، فإن الأحسن الفصل بينهما، إلا أن مراعاة الفاصلة اقتضت
عدمه.
العدول عن صيغة المضي إلى صيغة الاستقبال، نحو: (ففريقا كذبتم
وفريقا تقتلون) ، الأصل قتلتم.
تغيير بنية الكلمة، نحو: (وطور سينين) التين: 2.
والأصل طور سيناء.
قال ابن الصائغ: لا يمتنع في توجيه الخروج عن الأصل في الآيات المذكورة
أمور أخرى مع وجه المناسبة، فإن القرآن العظيم - كما جاء في الأثر - لا تنقضي عجائبه.
وقال ابن أبي الإصبع: لا تخرج فواصل القرآن عن أحد أربعة أشياء:
التمكين، والتصدير، والتوشيح، والإيغال.
والتمكين - ويسمى ائتلاف القافية: أن يمهد الناثر للقرينة أو الشاعر للقافية
تمهيدا تأتي به القافية أو القرينة متمكنة في أماكنها مستقرة في قرارها، مطمئنة
في مواضعها، غير نافرة ولا قلقة، ومتعلقا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما، بحيث لو طرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم، وبحيث لو سكت عنها كمله السامع بطبعه.
ومن أمثلة ذلك قوله: (يا شعيب أصلاتك تأمرك) .
1
vol. 1 · p. 31
لما تقدم في الآية ذكر العبادة وتلاه ذكر التصرف في الأموال اقتضى ذلك ذكر الحلم والرشد على الزتيب، لأن الحلم يناسب العبادات، والرشد يناسب الأموال.
وقوله: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم) ... إلى قوله: (أفلا يبصرون) السجدة: 26، 27) .
فأتى في الآية الأولى ب يهد لهم، وختمها ب "يسمعون "، لأن الموعظة فيها مسموعة وهي أخبار القرون.
وفي الثانية ب يروا، وختمها ب "يبصرون" لأنها مرئية.
وقوله: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير (103) .
فإن اللطيف يناسب ما لا يدرك بالبصر، والخبير يناسب ما يدركه.
وقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ...
إلى قوله: (فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ، فإن في هذه الفاصلة التمكين التام المناسب لما قبلها.
وقد بادر بعض الصحابة حين نزل أول الآية إلى ختمها بها قبل أن يسمع
آخرها، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق الشعبي عن زيد بن ثابت، قال: أملى
علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية: ((ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12) ... إلى قوله: خلقا آخر - قال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله، قال: بها ختمت.
وحكي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: " فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات
فاعلموا أن الله غفور رحيم ".
ولم يكن يقرأ القرآن، فقال: إن هذا ليس بكلام الله، لأن الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل، لأنه إغراء عليه.
الأول - قد تجتمع فواصل في موضع واحد، ويخالف بينها، كأوائل النحل.
فإنه تعالى تبدأ بذكر الأفلاك، فقال: (خلق السماوات والأرض بالحق)