(تثريب) ،
vol. 2 · p. 373
(من يعبد الله على حرف) .
نزلت - في قوم من الأعراب كان أحدهم إذا أسلم فاتفق له ما يعجبه في ماله وولده قال: هذا دين حسن، وإذا اتفق له خلاف ذلك تشاءم به وارتد عن الإسلام، فالحرف هنا كناية عن القلق والاضطراب.
وأصله من الانحراف عن الشيء، أو من الحرف بمعنى الطرف.
أي أنه في طرف من الدين لا في وسطه.
يعني الأصنام، و (يدعو) بمعنى يعبد في الموضعين.
فإن قلت: قد وصف الأصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، ثم وصفها بأن ضرها
أقرب من نفعها، فنفى الضر ثم أثبته؟
والجواب أن الضر المنفي أولا يراد به ما يكون من فعلها، وهي لا تفعل
شيئا.
والضر الثاني يراد به ما كان يكون بسببها من العذاب وغيره.
فإن قلت: ما بال اللام دخلت على (من) في قوله: (لمن ضره) ، وهي
في الظاهر مفعول، واللام لا تدخل على المفعول؟
وأجاب الناس عن ذلك بثلاثة أوجه:
أحدها أن اللام مقدمة على موضعها، كأن الأصل أن يقول: يدعو لمن ضره أقرب من نفعه، فموضعها الدخول على المبتدأ.
وثانيها أن (يدعو) هنا كرر تأكيدا ليدعو الأول، وتم الكلام، ثم ابتدأ
قوله: لمن مبتدأ وخبره لبئس المولى.
وثالثها أن معنى يدعو: يقول يوم القيامة إذا رأى مضرة الأصنام، فدخلت
اللام على مبتدأ في أول الكلام.
(ما يغيظ) :
يعني إذا خنق نفسه فلينظر هل يذهب به ما يغيظه من الأمر، أو ليس يذهب،
vol. 2 · p. 374
دخل في هذا من في السموات من الملائكة ومن في الأرض من الملائكة والجن، ولم يدخل الناس في ذلك، لأنه ذكرهم في آخرها على وجه التحديد.
وليس المراد بالسجود في هذه الآية السجود المعروف، لأنه لا يصح في حق الشمس والقمر وما ذكر بعدهما، وإنما المراد به الانقياد.
ثم إن الانقياد يكون على وجهين:
أحدهما: الانقياد لطاعة الله طوعا، والآخر الانقياد لما يجري الله على المخلوقات من أفعاله وتدبيره شاءوا أو أبوا.
(من يهن الله فما له من مكرم) ، لأنه المعز المذل الذي يفعل
الأشياء لغير غرض، فلو اجتمع الثقلان على رفع عبد أراد الله وضعه لم
يقدروا، وبالعكس، والعيان يشهد لذلك.
(مكان البيت) : موضعه، وذلك أن الله درس البيت الحرام
في الطوفان، فدل الله إبراهيم على مكانه، وأمره ببنائه، كما قدمنا.
(منافع لهم) : التجارة.
وقيل أعمال الحج وثوابه، واللفظ أعم من ذلك.
(ما يتلى عليكم) :
يعني ما حرمه في غير هذا الموضع، كالميتة.
من قال إن شعائر الله هي الهدايا، فالمنافع بها
شرب لبنها، وركوبها لمن اضطر إليها، والأجل المسمى نحرها، ومن قال إن
شعائر الله مواضع الحج فالمنافع التجارة فيها أو الأجر، والأجل المسمى الرجوع إلى مكة لطواف الإفاضة.
(محلها إلى البيت العتيق) :
من قال إن الشعائر الهدايا فمحلها موضع نحرها وهو منى، ومكة، وخص البيت بالذكر، لأنه أشرف الحرم، وهو المقصود بالهدي، و (ثم) على هذا القول ليست للترتيب في الزمان، لأن محلها قبل نحرها، وإنما هي لترتيب الجمل.