(ذو القرنين)
vol. 2 · p. 491
وقوله: (مقرنين دعوا هنالك ثبورا) .
أي يا ثبوراه، كقول القائل: يا حسرتي، يا أسفي.
حقيقة التوسم النظر إلى السمة، وهي العلامة
التي يعرف بها المرء، ومعناها الفراسة، قال - صلى الله عليه وسلم -: "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله".
(مخلصين) : المخلص: هو الذي يغويه إبليس بالتزين، ولا يسمع منه، أو يزين له ولا يغويه.
فإن قلت: هل التزين والإغواء بمعنى واحد؟
فالجواب أن الإغواء يستلزم الفعل، والتزين لا يستلزمه، فقوله تعالى: (إلا
عبادك منهم المخلصين) ، مسبب عن الإغواء، لا عن التزين.
فالمخلصين يزين لهم ولا يغويهم، ولا يقدر عليهم بوجه.
(مقيم) : أي ثابت يراه الناس.
والضمير للمدينة المهلكة التي أخذتها الصيحة.
(مشرقين) :
أي داخلون في الشروق، وهو وقت بزوغ الشمس.
(مبين) : أي واضح.
وضمير التثنية في (إنهما) . قيل لمدينة قوم لوط أو قوم شعيب، (فالإمام) على هذا الطريق.
وقيل للوط ولشعيب، أي أنهما على طريق من الشرع واضح.
(مستهزئين) :
كانوا خمسة: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة.
كانوا يستهزئون برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكفى الله نبيه أمرهم، وأهلكهم بمكة.
وقيل: كأبي جهل وأصحابه، أهلكهم الله ببدر.
ويحتمل الجميع.
(منكرة) .
نعت للقلوب، يعني أنهم أنكروا وحدانية الله،
vol. 2 · p. 492
واستكبروا عنها.
والفاء للتسبيب، وليس هو من باب ذكر اللازم عقب الملزوم.
وإنما هو من باب ذكر الشيء عقب نقيضه، لأن لازم كونه إلها واحدا التصديق لا الإنكار والكفر.
وظاهر كلام الزمخشري أن الوحدانية ثابتة بالعقل، لأنه قال: قد ثبت بما
تقدم إبطال أن تكون الإلهية لغيره، فكان من نتيجة ثبات الوحدانية ووضوح
دليلها استمرارهم على شركهم.
وظاهر كلام ابن عطية أنها ثابتة بالسمع، لأنه قال: لما تقدم وصف الأصنام
جاء الخبر الحق بالوحدانية، وهذه مخاطبة لجميع الناس معلمة بأن الله متحد
وحدة تامة، لا يحتاج لكمالها إلى منضاف إليها.
والصحيح أنها مستفادة منهما معا.
ابن عرفة: القضية على ثلاثة أقسام:
عقلية، كقولك الواحد نصف الاثنين، والجوهر متحيز أو مفتقر إلى
العرض.
وشرعية، كقولك: الميت يبعث.
ومركبة منهما، كقولك: الله سميع بصير.
واختلفوا في قولك: الله إله واحد، فذهب الفخر إلى صحة إثباته بالسمع.
ونقل ابن التلمساني في شرح المعالم الدينية عن بعضهم أنه لا يصح إثباته بالسمع.
وقال في شرح المعالم الفقهية: إن ما تتوقف دلالة المعجزة عليه لا يصح إثباته
بالسمع، كوجود الإله، لئلا يلزم عليه الدور.
وما لا يتوقف عليه يصح إثباته بالسمع، ككونه واحدا، ذكره في أول الباب السابع في الإجماع.
وعندي أن الآية تدل على صحة إثبات الوحدانية بالسمع والعقل، لقوله:
(فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة) ، كأنه يقول: فالمكذبون بالآخرة
قلوبهم منكرة، ولو كانت لا تتوقف على السمع لقال: فالصم العمي، أو