1931
حدثنا محمد بن النعمان، قال: حدثنا الحميدي، قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عروة، عن عائشة، أن أم حبيبة ابنة جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحيضت حتى لا تطهر، فذكرت شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ليست
بالحيضة ولكنها ركضة من الرحم، لتنظر قدر قرئها الذي كانت تحيض له فلتترك، ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي " فهذه أحاديث كثيرة متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما في حديث حبيب عن عروة بما ذكرنا، ولا نعلم وجها يجب أن ينكر به هذا الحديث فإن احتج محتج ممن يقول: الأقراء الأطهار، بما احتج به الشافعي، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر لما أخبره أن عبد الله طلق زوجته حائضا: " مره فليراجعها ثم يتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن تطلق لها النساء "، وقد ذكرنا ذلك بأسانيده فيما تقدم قال: ففي ذلك ما دل على أن العدة هي الطهر، إذ كان الطهر هو الوقت الذي ينبغي أن يوقع الطلاق للسنة فيه، لا الحيض الذي يتصل عند إيقاع الطلاق للسنة فيه قيل له: العدة اسم جامع يقع على أشياء مختلفة، فمن ذلك العدة التي تطلق لها النساء، هي الأطهار، ومن
ذلك العدة التي يعتددن بها من وفاة أزواجهن عنهن، وهي أربعة أشهر وعشر إذا لم يكن حوامل، ومن ذلك العدة التي يعتددن بها إذ كن حوامل في طلاق الأزواج، وفي موتهن جميعا، ومن ذلك العدة التي يعتددن بها من الطلاق إن لم يكن حوامل، وهي الأقراء التي اختلفنا فيها فكل هذا يسمى عدة، وكل واحدة منها غير ما سواه منها وإذا كانت هذه الأجناس المختلفة يقع عليها هذا الاسم احتمل أن يكون هذا الاسم أيضا يقع على الطلاق للعدة، وهو غير ما سواه من العدد، وهذا عمر الذي خاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الذي احتججت به قد قال: " إن الأقراء الحيض "، ومذهبك أن من روى حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أولى بتأويله، فقد وجب عليك أن يكون عمر في هذا الحديث أولى ممن خالفه في الأقراء فإن قلت: إن عبد الله بن عمر قد روى هذا الحديث، ووقف على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روينا عنه في الأقراء أنها الأطهار؟ قيل لك: قد روينا عن ابن عمر خلاف ذلك فيما ذكرنا في هذا الباب، وهو
أولى به لموافقة ما كان عمر عليه ولما وجدنا الله عز وجل جعل الأقراء مضمنة بالعدد، فقال: {ثلاثة قروء} ، وكان من قول من زعم أنها الأطهار: أنه إذا طلقها في طهر قد مضى أكثره، أنها تعتد بما بقي منه قرءا مع قرءين كاملين سواه، فعاد ذلك على
مذهبه إلى قرءين وبعض ثالث وهذا بغير ما نصه الكتاب لأنه قد نص جل وعز عددا، فلا يجوز أن يكون أقل منه فإن قال: فقد رأيناه عز وجل قال: {الحج أشهر معلومات} ، وكان ذلك في الحقيقة على شوال وذي القعدة وبعض ذي الحجة، وكما قال عز وجل: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ، فجعل ذلك أكثر أهل العلم على أخوين فصاعدا، كان كذلك هذا أيضا في الأقراء قيل له: لا يشبه هذا الأقراء، لأنه ما جاء بغير عدد كما قال: {أشهر} ، وكما قال عز وجل: {إخوة} ، جاز في ذلك أن يكون على اثنين فصاعدا وإن كان دون الثلاثة وأما ما وكد بالعدد فقيل فيه: ثلاثة، أو أربعة، أو غير ذلك، فلا يجوز أن ينقص عن ذلك كما قال عز وجل: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن} ، فلم يجز أن يقع ذلك على أقل من ثلاثة أشهر، كما قال عز وجل: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} ، فلم يجز في ذلك أقل من أربعة أشهر وعشر، وكما قال عز وجل: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} ، فلم يجز أن يكون ذلك على أقل من أربعة أشهر، وكما قال عز وجل: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم سورة
البقرة آية، فلم يجز أن ينقص عن شيء مما سماه عز وجل من العدد وكذلك قوله عز وجل: شهرين متتابعين
كفارة الظهار والقتل، وصيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين، لا يجزئ في شيء من ذلك التقصير عن العدد المذكور فيه وكذلك: ثلاثة قروء سورة البقرة آية، لا يجوز أن يكون على أقل من ثلاثة من الأقراء فإن قال قائل: فإن في الآية ما يدل على أن المراد هو الطهر، وذلك الطهر مذكر، والهاء في جمعه ثابتة كما تقول: ثلاثة أطهار، وثلاثة رجال، وثلاثة أثواب والحيضة مؤنثة، وتسقط الهاء من جمعها كما يقال: ثلاث نسوة، وكما يقال: ثلاث حيض وقال الله عز وجل: ثلاثة قروء سورة البقرة آية، فكان إدخاله الهاء في الثلاثة دليلا على أنه أراد مذكرا وهو الطهر قيل له: ليس في ذلك دليل على ما ذكرت، لأن الشيء قد يسمى باسمين أحدهما مذكر، والآخر مؤنث، فإذا جمع باللفظ الذي هو مذكر منهما استعمل فيه حكم التذكير، فأثبتت الهاء فيه، وإذا جمع باللفظ الذي هو مؤنث منهما استعمل فيه حكم التأنيث، فأسقط الهاء منه، من ذلك " الدار " تسمى دارا وتسمى منزلا، فإذا جمعت بلفظ الدار قيل: ثلاث آدر، وإذا جمع بلفظ المنزل قيل: ثلاثة منازل ومن ذلك الرمح، يقال له: رمح، ويقال له: قناة، ثم يجمع كل واحد منهما بمثل ما يجمع به مثل لفظه وكذلك الثوب والملحفة
وهو شيء واحد، يجمع بالثوب على التذكير، وبالملحفة على التأنيث وكذلك القرء والحيض، هو شيء واحد، إن جمع بلفظ القرء جمع على التذكير، وإن جمع بلفظة الحيضة جمع على التأنيث فأما وجه النظر في ذلك فإنا رأينا الأمة التي يجعل عليها نصف ما على الحرة، قد جعلت عدتها حيضتين، من ذلك أن الحيضة لا تتبعض، ولو أمكن أن تتبعض لقيل: حيضة ونصف حيضة، كما قيل في الشهر: شهر ونصف شهر لما أمكن التبعيض في ذلك، وكما قال عمر بن الخطاب فيما