1960
كما حدثنا محمد بن خزيمة، قال: حدثنا حجاج، قال: أخبرنا حماد بن سلمة، قال: أخبرنا يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب، " أن سلمة بن صخر جعل امرأته عليه كظهر أمه في رمضان، فلما كان ذات ليلة أعجبته فوقع بها، فأنزل الله عز وجل كفارة الظهار " وهذا عندنا، والله أعلم، محال، والصحيح أن تظاهر سلمة من امرأته كان بعد نزول الآية، لا قبل
ذلك، لأن حكم الظهار كان قبل نزول هذه الآية لم يكن الحكم المذكور فيها، وإنما كان التحريم فيها للزوجة المظاهر منها كتحريمها بالطلاق، ولأن الظهار كان قبل نزول هذه الآية طلاق أهل الجاهلية، وطلاق الناس بعد ذلك في الإسلام حتى أنزل الله عز وجل هذه الآية بنسخ ذلك، ورد حكم الظهار إلى ما أمر به أوس على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحال أن يكون سلمة مع صحبته لرسول الله صلى الله عليه
وسلم تظاهر وقتا معلوما، والظهار طلاق، إذ كان الطلاق لا تحصره الأوقات في قول أحد من أهل العلم، ألا ترى أن رجلا لو جعل امرأته طالقا اليوم، إنها تكون طالقا فيما بعد اليوم وسلمة فإنما كان ظاهر من امرأته شهر رمضان فتكون حراما عليه في ذلك الشهر خاصة، لا فيما بعده، ففي قصده إلى ذلك ما دل على أن الظهار كان حينئذ غير الطلاق، ولم يكن الطلاق قط غير الظهار حتى نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية، فثبت بما وصفها أن نزولها كان قبل تظاهر سلمة الذي ذكرنا ثم اختلف أهل العلم بعد هذا في تأويل قول الله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} ، وفي ذلك العود ما هو فقال قوم، فيما ذكروا، بظاهر الآية، وجعلوا من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، غير مظاهر منها حتى يعود لذلك القول مرة أخرى فيكون حينئذ متظاهرا، وتجب عليه الكفارة المذكورة في الآية وقال آخرون: إذا
قال لها: أنت علي كظهر أمي، صار بذلك مظاهرا، وحرمت به عليه حرمة الظهار التي ذكر الله عز وجل، ولم يحل له جماعها حتى يكفر بالكفارة التي أمره الله عز وجل وقالوا: قوله لها: أنت علي كظهر أمي، عود إلى ما قد قيل في الجاهلية مما قد نهى الله عز وجل عنه وسماه: {منكرا من القول وزورا} ، وتأولوا قول الله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا} ، على معنى: ويعودون لما قالوا، لأن العرب قد تجعل مكان الواو: ثم، كما قال الله عز وجل: {وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون} ، في معنى: والله شهيد على ما يفعلون، وجعلوا نفس القول عودا، كما قال الله عز وجل: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} ، في معنى: حتى صار كالعرجون القديم، لأنه لم يكن في بدنه كما عاد، وإنما صار كما عاد إليه وكما قال أبو ربيعة الثقفي في أبياته
التي يمدح بها الفرس لما غلبوا على اليمن، كما حدثنا فهد، قال: حدثنا يوسف بن بهلول الكوفي، عن عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق: تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا أي: فصارا بعد أبوالا، لا لأنهما كانا في البدو أبوالا فصارا غير أبوال ثم عادا بعد أبوالا بعد ذلك وهذا القول قد
قال به غير واحد من أصحابنا وقال آخرون: العود في أن يتظاهر الرجل من امرأته، ثم يجمع على إمساكها وإصابتها، فإن أجمع على ذلك فقد وجبت عليه الكفارة، وإن طلقها بعد تظاهره، ولم يجمع على إمساكها وإصابتها، فلا كفارة عليه، فإن تزوجها بعد ذلك لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار قبل أن يطأها وممن قال ذلك منهم مالك كما حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، أن مالكا قال ذلك ففي هذا ما يدل على أنه لا تجب الكفارة على المظاهر بالقول الذي كان فيه حتى يكون مع القول العزم على الإمساك والإصابة، وأنه إن طلق قبل العزم على الإمساك والإصابة فلا كفارة عليه، وأنه متى عاد عاد وجوب المعنى الذي كان في حكم الثدي في التظاهر، ونحي على قياس هذا القول أن تكون الكفارة إذا وجبت بالوجه الذي يوجبها في قول القائلين به أنه لا يبطلها عن المتظاهر ثبوت المرأة، لا زوال النكاح، ولا حرمتها على المتظاهر منها بأي معنى حرمت عليه من وجوه الحرمات، إذ كان الذي يوجب الكفارة عندهم هو العزم على الإمساك والإصابة الذي قد تقدم قبل ذلك من المتظاهر وهذا خلاف مذهب محمد الذي لم يحك فيه خلافا بينه وبين أحد من أصحابه، لأنه كان يقول: إذا ماتت المرأة المتظاهر منها سقطت الكفارة عن المتظاهر، وكذلك إذا طلقت عليه أو حرمت عليه بمعنى غير الطلاق، سقطت عنه الكفارة في تظاهره منها لأن الكفارة عنده إنما تطلق له مسيسها الذي كان حراما عليه قبلها بالتظاهر الذي كان
منه قبلها، ولأن الله عز وجل قال: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا} ، أي حتى يعودا بعد تحرير الرقبة إلى حكم حل المماسة لهما الذي كانا امتنعا منه بالتظاهر الذي كان طرأ عليهما
وأما الشافعي رحمه الله فذكر لنا المزني، أنه قال في قوله عز وجل: {ثم يعودون لما قالوا} ، قال: فالذي عقلت مما سمعت في: {يعودون لما قالوا} ، أنه إذا أتت على المتظاهر مدة بعد القول بالظهار، لم يحرمها بالطلاق الذي تحرم به، وجبت عليه الكفارة، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسك ما حرم على نفسه فقد عاد لما قال مخالفة، فأحل ما حرم قال الشافعي: لا أعلم له معنى أولى به من هذا، فالكفارة عليه بعد ذلك ولو ماتا أو مات أحدهما، وكان هذا، والله أعلم، عقوبة مكفرة لقول الزور ولو تظاهر فأتبع الظهار طلاقا تحريما عليه، ثم راجعها، فعليه الكفارة، ولو طلقها ساعة نكحها، لأن مراجعته إياها أكثر من حبسها بعد الظهار قال المزني: هذا خلاف لأصله، كل نكاح جديد لا يعمل فيه طلاق ولا ظهار إلا جديد ولما اختلفوا في ذلك نظرنا فيما قاله من تقدمهم فيه، فلم نجد في ذلك منصوصا غير ما