Skip to content

Books to be read, not browsed

صعوبة اليمين وثقلها على كثير من الناس — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 122 of 553.

صعوبة اليمين وثقلها على كثير من الناس

عنه -، وعمر بن عبد العزيز ، وعن فقهاء المدينة السبعة .

قال: والدليل على صحته: أنه قد ثبت وتقرر أن الإقدام على اليمين يصعب ويثقل على كثير من الناس، سيما على أهل الدين وذوي المراتب والأقدار، وهذا أمر معتاد بين الناس على ممر الأعصار، لا يمكن جحده.

وكذلك روي عن جماعة من الصحابة: أنهم افتدوا أيمانهم، منهم: عثمان ، وابن مسعود وغيرهما - رضي الله عنهما -، وإنما فعلوا ذلك لمروءتهم، ولئلا يسبق الظلمة إليهم إذا حلفوا، فمن # يعادي الحالف، ويحب الطعن عليه، يجد طريقا إلى ذلك، لعظم شأن اليمين وعظم خطرها، ولذا جعلت بالمدينة عند المنبر ، وأن يكون ما يحلف عليه عنده مما له حرمة، كربع دينار فصاعدا ، فلو مكن كل مدع أن يحلف المدعى عليه بمجرد دعواه لكان ذلك ذريعة إلى امتهان أهل المروءات وذوي الأقدار والأخطار والديانات لمن يريد التشفي منهم؛ لأنه لا يجد أقرب ولا أخف كلفة من أن يقدم الواحد منهم من يعاديه من أهل الدين والفضل إلى مجلس الحاكم ليدعي عليه ما يعلم أنه لا ينهض به، أو لا يعترف ، ليتشفى منه بتبذله وإحلافه ، وأن يراه الناس بصورة من أقدم على اليمين عند الحاكم ، ومن يريد أن يأخذ من أحد من هؤلاء شيئا على طريق الظلم والعدوان وجد إليه سبيلا، لعله أن يفتدي يمينه منه، لئلا ينقص # قدره في أعين الناس، وكلا الأمرين موجود في الناس اليوم .

قال: وقد شاهدنا من ذلك كثيرا، وحضرناه، وأصابنا بعضه، فكان ما ذهب إليه مالك ومن تقدمه من الصحابة والتابعين حراسة لمروءات الناس، وحفظا لها من الضرر اللاحق بهم، والأذى المتطرق إليهم. فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة، وقوي في النفس أن مقصوده غير ذلك، فأحلف له، ولهذا لم نعتبر ذلك في الغريبين؛ لأن الغربة لا تكاد تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن.

فإن قيل: فيجب ألا يحضره مجلس الحاكم أيضا؛ لأن في ذلك امتهانا له وابتذالا.

قيل له: حضوره مجلس الحاكم لا عار فيه، ولا نقص يلحق من # حضوره؛ لأن الناس يحضرونه ابتداء في حوائج لهم ومهمات، وإنما العار الإقدام على اليمين، لما ذكرناه.

وأيضا؛ فإنه يمكن المدعي من إحضاره، لعله يقيم عليه البينة، ولا يقطعه عن حقه.

فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها، وقد حلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وغيره من السلف، وقال لعثمان بن عفان - رضي الله عنه - لما بلغه أنه افتدى يمينه: "ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقا؟ " .

قيل: مكابرة العادات لا معنى لها، وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم، وألا تتطرق إليهم تهمة، وما روي عن عمر إنما هو لتقوية نفس عثمان، وأنه إذا حلف صادقا فهو مصيب في الشرع؛ ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات، ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال؛ ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم.

وأيضا: فإن أرادوا أن اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى فصحيح، ولكن ليس كل ما لم يكن عارا عند الله تعالى لم يكن عارا في # العادة، وهم يعللون منع إنكاح الابن أمه بأن عليه عارا في ذلك ، ونحن نعلم أن المباح لا عار فيه عند الله تعالى، هذا إذا علم كون اليمين صدقا، وكلامنا في يمين مطلقة لا يعلم باطنها.

قال: ودليل آخر، وهو أن الأخذ بالعرف واجب، لقوله تعالى: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199]. ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها العرف، فإن الظن سبق إليه في دعواه بالبطلان، كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه، أو تطرق تلك الدعوى عليه .

قلت: ومما يشهد لذلك ويقويه قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره - وهو ثابت عنه -: "إن الله نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعده، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحا فهو عند الله قبيح" .

ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح أن تسمع دعوى البقال على الخليفة الأمير أنه باعه بمائة ألف دينار أو نحوها ولم يوفه إياها، أو أنه اقترض منه ألف دينار أو نحوها ، أو أنه تزوج ابنته الشوهاء، ودخل بها، ولم يعطها مهرها. أو تدعي امرأة مكثت مع الزوج ستين سنة أو نحوها: أنه لم ينفق عليها يوما واحدا، ولا كساها خيطا، وهو يشاهد داخلا وخارجا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها، ويحبس على ذلك كله. أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة، وعلى رأسه عمامة، وخلفه عالم مكشوف الرأس، فيدعي الذاعر أن العمامة له، فتسمع دعواه، ويحكم له بها بحكم اليد. أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح أنه نقب بيته وسرق متاعه، فتسمع دعواه ويستحلف له، فإن نكل قضي عليه. أو يدعي رجل على رجل مشهور بالخير والدين أنه تعرض لزوجته أو ولده أو لقريبه بكلام قبيح أو فعل، فلا تسمع دعواه ويعزر المدعي بذلك . أو يدعي رجل

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة