حكاية الخلاف في المسألة
فصل
الطريق الرابع والخامس: الحكم بالنكول وحده، أو به مع رد اليمين.
قال الإمام أحمد : قدم عبد الله بن عمر إلى عثمان - رضي الله عنهم - في عبد له فقال له عثمان : احلف أنك ما بعته وبه عيب علمته، فأبى ابن عمر أن يحلف، فرد عليه العبد .
فيقول له الحاكم: إن لم تحلف وإلا قضيت عليك - ثلاثا -، فإن لم يحلف قضى عليه، وهذا اختيار أصحاب أحمد ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه .
وقال الأوزاعي وشريح وابن سيرين والنخعي: إذا نكل ردت # اليمين على المدعي فإن حلف قضي له ، وهذا مذهب الشافعي ومالك وقد صوبه الإمام أحمد ، واختاره أبو الخطاب وشيخنا - رحمهما الله تعالى - في صورة الحكم بمجرد النكول في صورة، كما سنذكره.
وهذا قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - .
وقد روى الدارقطني من حديث نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد اليمين على طالب الحق" .
واحتج لهذا القول بأن الشارع شرع اليمين مع الشاهد الواحد كما سيأتي، فلم يكتف في جانب المدعي بالشاهد وحده ، حتى يأتي باليمين تقوية لشاهده.
قالوا: ونكول المدعى عليه أضعف من شاهد المدعي، فهو أولى أن يقوى بيمين الطالب، فإن النكول ليس ببينة ولا إقرار، وهو حجة ضعيفة، فلم يقو على الاستقلال بالحكم، فإذا حلف معها المدعي قوي جانبه، فاجتمع النكول من المدعى عليه واليمين من المدعي، فقاما مقام الشاهدين أو الشاهد واليمين.
قالوا: ولهذا لم يحكم على المرأة في اللعان بمجرد نكولها دون يمين الزوج، فإذا حلف الزوج، ونكلت عن اليمين، حكم عليها: إما بالحبس حتى تقر أو تلاعن كما يقول أحمد وأبو حنيفة ، وإما # بالحد كما يقول الشافعي ومالك - رضي الله عنهما -، وهو الراجح ؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - إنما درأ عنها العذاب بشهادتها أربع شهادات. والعذاب المدروء عنها بالتعانها هو العذاب المذكور في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] وهو عذاب الحد . ولهذا ذكره - سبحانه وتعالى - معرفا بلام العهد، فعلم أن العذاب هو العذاب المعهود ذكره أولا. ولهذا بدئ أولا بأيمان الزوج لقوة جانبه، ومكنت المرأة من أن تعارض أيمانه بأيمانها، # فإذا نكلت لم يكن لأيمانه ما يعارضها، فعملت عملها، وقواها نكول المرأة، فحكم عليها بأيمانه ونكولها.
فإن قيل: فكان من الممكن أن يبدأ بأيمانها، فإن نكلت حلف الزوج وحدت، كما إذا ادعي عليه حقا، فنكل عن اليمين، فإنها ترد على المدعي، ويقضي له، فهلا شرع اللعان كذلك والمرأة هي المدعى عليها؟ بل شرعت اليمين في جانب المدعي أولا، وهذا لا نظير له في الدعاوى.
قيل: لما كان الزوج قاذفا لها كان موجب قذفه أن يحد لها، فمكن أن يدفع الحد عن نفسه بالتعانه، ثم طولبت هي بعد ذلك بأن تقر أو تلاعن. فإن أقرت حدت، وإن أنكرت والتعنت درأت عنها الحد بلعانها، كما له أن يدرأ الحد عن نفسه بلعانه.
وكانت البداءة به أولى؛ لأنه مدع، وأيمانه قائمة مقام البينة. ولكن لما كانت دون الشهود الأربعة في القوة مكنت من دفعها بأيمانها. فإذا أبت أن تدفعها ترجح جانبه، فوجب عليها الحد، فلم تحد بمجرد التعانه ، ولا بمجرد نكولها، بل بمجموع الأمرين. وأكدت أيمانهما بكونها أربعا، كما أكدت أيمان المدعين في القسامة بكونها خمسين، ولتقوم الأيمان مقام الشهود.
وفي المسألة قول ثالث، وهو أنه لا يقضى بالنكول، ولا بالرد، ولكن يحبس المدعى عليه حتى يجيب بإقرار أو إنكار يحلف معه. وهذا قول في مذهب أحمد ، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي ، وهذا قول ابن أبي ليلى، فإنه قال: لا أدعه حتى يقر أو يحلف .
واحتج لهذا القول بأن المدعى عليه قد أوجب عليه أحد الأمرين: إما الإقرار، وإما الإنكار، فإذا امتنع من أداء الواجب عليه عوقب بالحبس ونحوه حتى يؤديه .
قالوا: وكل من عليه حق، فامتنع من أدائه، فهذا سبيله.
والآخرون فرقوا بين الموضعين، وقالوا: لو ترك ونكوله لأفضى إلى ضياع حقوق الناس بالصبر على الحبس. فإذا نكل عن اليمين