Skip to content

Books to be read, not browsed

قضاء الصحابة في المسألة — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 191 of 553.

قضاء الصحابة في المسألة

موضع ، وهذا من كمال فهمهم وعلمهم بالجامع والفارق والحكم والمناسبات، ولم يرتضوا لأنفسهم عبارات المتأخرين واصطلاحاتهم وتكلفاتهم، فهم كانوا أعمق الأمة علما، وأقلهم تكلفا، والمتأخرون عكسهم في الأمرين.

فعثمان بن عفان قال لابن عمر: "احلف بالله لقد بعت العبد وما به داء علمته" ، فأبى، فحكم عليه بالنكول، ولم يرد اليمين في هذه الصورة على المدعي، ويقول له: احلف أنت أنه كان عالما بالعيب؛ لأن هذا مما لا يمكن أن يعلمه المدعي، ويمكن المدعى عليه معرفته، فإذا لم يحلف المدعى عليه لم يكلف المدعي اليمين، فإن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان قد باعه بالبراءة من العيوب، وهو إنما يبرأ إذا لم يعلم بالعيب، فقال له: "احلف أنك بعته وما به عيب تعلمه"، وهذا مما يمكن أن يحلف عليه دون المدعي، فإنه قد تتعذر عليه اليمين أنه كان عالما بالعيب، وأنه كتمه مع علمه به.

وأما أثر عمر بن الخطاب - وقول المقداد: "احلف أنها سبعة آلاف"، فأبى أن يحلف، فلم يحكم له بنكول عثمان - فوجهه: أن

مناقشة احتجاج ابن حزم

المقرض إن كان عالما بصدق نفسه وصحة دعواه حلف وأخذه، وإن لم يعلم ذلك لم تحل له الدعوى بما لا يعلم صحته، فإذا نكل عن اليمين لم يقض له بمجرد نكول خصمه؛ إذ خصمه قد لا يكون عالما بصحة دعواه، فإذا قال للمدعي: إن كنت عالما بصحة دعواك فاحلف وخذ، فقد أنصفه جد الإنصاف.

فلا أحسن مما قضى به الصحابة - رضي الله عنهم -، وهذا التفصيل في المسألة هو الحق، وهو اختيار شيخنا - قدس الله روحه - والله أعلم .

قال أبو محمد ابن حزم ، محتجا لمذهبه: ونحن نقول: إن نكول الناكل عن اليمين في كل موضع وجب عليه، يوجب أيضا عليه حكما، وهو الأدب الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على كل من أتى منكرا يوجب تغييره باليد .

فيقال له: قد يكون معذورا في نكوله، غير آثم به، بأن يدعي أنه # أقرضه ويكون قد وفاه، ولا يرضى منه إلا بالجواب على وفق الدعوى. وقد يتحرج من الحلف، مخافة موافقة قضاء وقدر، كما روي عن جماعة من السلف ، فلا يجوز أن يحبس حتى يحلف.

وقولهم: "إن هذا منكر يجب تغييره باليد" كلام باطل، فإن تورعه عن اليمين ليس بمنكر، بل قد يكون واجبا أو مستحبا أو جائزا، وقد يكون معصية.

وقولهم: "إن الحلف حق قد وجب عليه، فإذا أبى أن يقوم به ضرب حتى يؤديه" . فيقال: إن في اليمين حقا له وحقا عليه، فإن الشارع مكنه من التخلص من الدعوى باليمين، وهي واجبة عليه للمدعي، فإذا امتنع من اليمين فقد امتنع من الحق الذي وجب عليه لغيره، وامتنع من تخليص نفسه من خصمه باليمين، فقيل: يحبس أو يضرب حتى يقر أو يحلف. وقيل: يقضى عليه بنكوله، ويصير كأنه مقر بالمدعى . وقيل: ترد اليمين على المدعي. والأقوال الثلاثة في مذهب أحمد . وقول رابع بالتفصيل كما تقدم، وهو اختيار

Ed. Nayif ibn Ahmad al-Hamad — Dar 'Alam al-Fawa'id, Makka