Skip to content

Books to be read, not browsed

احتجاج من قال بالقرعة وجوابهم عن كلام المخالفين — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 496 of 553.

احتجاج من قال بالقرعة وجوابهم عن كلام المخالفين

ترده أصول الشرع وأدلته.

الثالث: أنه لا يقع الطلاق بواحدة منهن ؛ لأن النكاح ثابت بيقين، وكل واحدة منهن مشكوك فيها: هل هي المطلقة أم لا؟ فلا تطلق بالشك، ولا يمكن إيقاع الطلاق بواحدة غير معينة، وليس البعض أولى بأن يوقع عليها الطلاق من البعض، والقرعة قد تخرج غير المطلقة ، فإنها كما يجوز أن تقع على المطلقة يجوز أن تقع على غيرها، فإذا أخطأت المطلقة وأصابت غيرها أفضى ذلك إلى تحريم من هي زوجة، وحل من هي أجنبية.

وإذا بطلت هذه الأقسام كلها تعين هذا التقرير، وهو بقاء النكاح في حق كل واحدة منهن حتى يتبين أنها المطلقة، وإذا كان النكاح باقيا فيها فأحكامه مترتبة عليه، وأما أن يبقى النكاح ويحرم الوطء دائما فلا وجه له.

فهذا القول والقول بوقوع الطلاق على الجميع متقابلان، وأدلتهما تكاد أن تتكافأ، ولا احتياط في إيقاع الطلاق بالجميع؛ فإنه يتضمن تحريم الفرج على الزوج بالشك، وإباحته لغيره.

قال المقرعون : قد جعل الله سبحانه القرعة طريقا إلى الحكم الشرعي في كتابه ، وفعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر # بها ، وحكم بها علي بن أبي طالب في هذه المسألة بعينها، وكل قول غير القول بها فإن أصول الشرع وقواعده ترده.

أما وقوع الطلاق على الجميع مع العلم بأنه إنما أوقعه على واحدة، فتطليق لغير المطلقة، وهو نظير ما لو طلق طلقة واحدة فألزمناه بثلاث طلقات، فإن هذا في عدد المطلقات كمسألتنا في عدد الطلاق، ولا يشبه ذلك ما لو طلق وشك هل طلق واحدة أو ثلاثا، حيث يجوز أن يجعل ثلاثا، فإنه يجوز أن يكون قد استوفى عدد الطلاق ، وفي مسألتنا: هو جازم بأنه لم يستوف عدد المطلقات ، بل كل واحدة منهن قد شك، هل طلقها أم لا؟ وغايته: أنه قد تيقن تحريما في واحدة لا بعينها، فكيف يحرم عليه غيرها؟

فإن قيل: قد اشتبهت المحللة بالمحرمة، فحرمتا معا، كما لو اشتبهت أخته بأجنبية، وميتة بمذكاة .

قيل: ها هنا معنا أصل يرجع إليه، وهو التحريم الأصلي، وقد وقع الشك في سبب الحل، فلا يرفع التحريم الأصلي بالشك، وفي # مسألتنا قد ثبت الحل وزال التحريم الأصلي بالنكاح، ثم وقع في عين غير معينة، ومعنا أصل الحل المستصحب، فلا يمكن تعميم التحريم، ولا إلغاؤه بالكلية، ولم يبق طريق إلى تعيين محله إلا بالقرعة، فتعينت طريقا.

قالوا: وأيضا؛ فإن الطلاق قد وقع على واحدة منهن معينة؛ لامتناع وقوعه في غير معين، فلم يملك المطلق صرفه إلى أيتهن شاء، لكن التعيين غير معلوم لنا، وهو معلوم عند الله، وليس لنا طريق إلى معرفته، فتعينت القرعة.

يوضحه: أن التعيين من المطلق ليس إنشاء للطلاق في المعينة، فإنه لو كان إنشاء لم يكن المتقدم طلاقا، ولكان الجميع حلالا له ، ولما أمر بأن ينشئ الطلاق ولا افتقر إلى لفظ يقع به، وإذا لم يكن إنشاء فهو إخبار منه بأن هذه المعينة هي التي أوقعت عليها الطلاق، وهذا خبر غير مطابق، بل هو خلاف الواقع.

وحاصله: أن التعيين إما أن يكون إنشاء للطلاق، أو إخبارا، ولا يصلح لواحد منهما .

فإن قيل: بل هو إنشاء عندنا في المبهمة، وأما في المنسية فهو # واقع من حين طلق.

قيل: لا يصح جعله إنشاء للطلاق؛ لأن الطلاق إما أن يكون قد وقع بإحداهن أو لا، فإن لم يقع لم يلزمه أن ينشئه، وإن كان قد وقع استحال إنشاؤه أيضا؛ لأنه تحصيل للحاصل.

فإن قيل: فهذا يلزمكم أيضا؛ لأنكم تقولون: إن الطلاق يقع من حين الإقراع.

قيل: بل الطلاق عندنا في الموضعين واقع من حين الإيقاع.

قال الإمام أحمد في رواية أبي طالب في رجل له أربع نسوة، فطلق إحداهن وتزوج أخرى، ومات، ولم يدر أي الأربع طلق: فلهذه الأخيرة ربع الثمن، ثم يقرع بين الأربع، فأيتهن قرعت أخرجت، وورث البواقي .

قال القاضي : فقد حكم بصحة نكاح الخامسة قبل تعيين المطلقة. قال: وهذا يدل على وقوع الطلاق من حين الإيقاع، ولو كان من حين التعيين لم يصح نكاح الخامسة.

فإن قيل: فهذا بعينه يرد عليكم في التعيين بالقرعة، والجواب # حينئذ واحد.

قيل: الفرق بين التعيينين ظاهر، فإن تعيين المكلف تابع لاختياره وإرادته، وتعيين القرعة إلى الله - عز وجل -، والعبد يفعل القرعة وهو ينتظر ما يعينه له القضاء والقدر، شاء أم أبى.

وهذا هو سر المسألة وفقهها، فإن التعيين إذا لم يكن لنا سبيل إليه بالشرع فوض إلى القضاء والقدر، وصار الحكم به شرعيا قدريا؛ شرعيا في فعل القرعة، قدريا فيما تخرج به، وذلك إلى الله، لا إلى المكلف .

فلا أحسن من هذا ولا أبلغ في موافقة شرع الله وقدره.

وأيضا؛ فإنه لو طلق واحدة منهن، ثم أشكلت عليه، لم يكن له أن يعين المطلقة باختياره، فهكذا إذا طلق واحدة لا بعينها.

فإن قيل: الفرق ظاهر، وهو أن الطلاق ها هنا قد وقع على واحدة بعينها، فإذا أشكلت لم يجز أن يعين من تلقاء نفسه؛ لأنه لا يأمن أن يعين غير التي وقع عليها الطلاق، ويستديم نكاح التي طلقها، وليس كذلك في مسألتنا، فإن الطلاق وقع على إحداهن غير معينة، فليس في تعيينه إيقاع الطلاق على من لم يقع بها، وصرفه عمن وقع بها .

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة