Skip to content

Books to be read, not browsed

الاحتجاج للقضاء بالشاهد واليمين والرد على من أنكره — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

From ⁧الطرق الحكمية في السياسة الشرعية⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 92 of 553.

الاحتجاج للقضاء بالشاهد واليمين والرد على من أنكره

قال أبو عبيد : وهو الذي نختاره، اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واقتصاصا لأثره، وليس ذلك مخالفا لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم الله وحكم رسوله اختلاف، وإنما هو غلط في التأويل، حين لم يجدوا ذكر اليمين في الكتاب ظاهرا، فظنوه خلافا، وإنما الخلاف: لو كان الله حظر اليمين في ذلك ونهى عنها، والله تعالى لم يمنع من اليمين، إنما أثبتها الكتاب - إلى أن قال -: {فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] وأمسك، ثم فسرت السنة ما وراء ذلك، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفسرة للقرآن ومترجمة عنه، على هذا أكثر الأحكام : كقوله: "لا وصية لوارث" ، والرجم على # المحصن ، والنهي عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، والتحريم من الرضاع ما يحرم من النسب ، وقطع الموارثة بين أهل الإسلام والكفر ، وإيجابه على المطلقة ثلاثا مسيس الزوج الآخر ، في شرائع كثيرة لا يوجد لفظها في ظاهر الكتاب، ولكنها سنن شرعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعلى الأمة اتباعها كاتباع الكتاب، وكذلك الشاهد واليمين لما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهما، وإنما في الكتاب: {فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] علم أن ذلك إذا وجدتا ، فإذا عدمتا قامت اليمين مقامهما، كما علم حين مسح # النبي - صلى الله عليه وسلم - على الخفين أن قوله تعالى: {وأرجلكم} [المائدة: 6] معناه: أن تكون الأقدام بادية . وكذلك لما رجم المحصن في الزنا: علم أن قوله: {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} [النور: 2] للبكرين. وكذلك كل ما ذكرنا من السنن على هذا، فما بال الشاهد واليمين ترد من بينها؟ وإنما هي ثلاث منازل في شهادات الأموال، اثنتان بظاهر الكتاب وواحدة بتفسير السنة له. فالمنزلة الأولى: الرجلان. والثانية: الرجل والمرأتان. والثالثة: الرجل واليمين. فمن أنكر هذه لزمه إنكار كل شيء ذكرناه، لا يجد من ذلك بدا حتى يخرج من قول العلماء.

قال أبو عبيد : ويقال لمن أنكر الشاهد واليمين، وذكر أنه خلاف القرآن: ما تقول في الخصم يشهد له الرجل والمرأتان، وهو واجد لرجلين يشهدان له؟ فإن قالوا: الشهادة جائزة. قيل: ليس هذا أولى بالخلاف، وقد اشترط القرآن فيه ألا يكون للمرأتين شهادة إلا # مع فقد أحد الرجلين، فإنه سبحانه قال: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: 282] ولم يقل: واستشهدوا شهيدين من رجالكم أو رجلا وامرأتين. فيكون فيه الخيار، كما جعله في الفدية كما قال تعالى: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]. ومثل ما جعله في كفارة اليمين بإطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم أو تحرير رقبة . فهذه أحكام الخيار . ولم يقل ذلك في آية الدين . ولكنه قال فيها كما قال في آية الفرائض: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث} [النساء: 11]، كذلك الآية التي بعدها، فقوله ها هنا: {إن لم يكن} كقوله في آية الشهادة: {فإن لم يكونا}، وكذلك قال في آية الطهور: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43] و [المائدة: 6] وفي آية الظهار : {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [المجادلة: 4] وكذلك في متعة الحج وكفارة اليمين: أن الصوم لا يجزئ الواجد. فأي الحكمين أولى بالخلاف: هذا أم الشاهد واليمين، الذي ليس فيه من الله اشتراط منع، إنما سكت عنه، ثم فسرته السنة؟

قال أبو عبيد : وقد وجدنا في حكمهم ما هو أعجب من هذا، وهو قولهم في رضاع اليتيم الذي لا مال له، وله خال وابن عم موسران: إن الخال يجبر على رضاعه؛ لأنه محرم ، وإنما اشترط التنزيل غيره فقال: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] وقد أجمع المسلمون أن لا ميراث للخال مع ابن العم ، ثم لم نجد هذا الحكم في السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحد من سلف العلماء، وقد وجدنا الشاهد واليمين في آثار متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وعن غير واحد من الصحابة ومن التابعين .

وقال الربيع : قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولا أسرف فيه على نفسه، قال: أرد حكم من حكم بها؛ لأنه خالف القرآن. فقلت له: الله تعالى أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين؟ قال: نعم، فقلت: أحتم من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته؟ قلت: فقله. قال: قد قلته. قلت: وتجد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدا؟ قال: نعم، حران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله؟ قال: نعم. قلت له: إن كان كما زعمت، فقد خالفت حكم الله، قال: وأين؟ قلت: أجزت شهادة أهل الذمة، وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم، وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذان وجهان أعطيت بهما من جهة الشهادة، ثم أعطيت بغير شهادة في القسامة وغيرها. قلت: والقضاء باليمين مع الشاهد ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم الله، إذ فرض الله تعالى طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فاتبعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعن الله سبحانه قبلت، كما قبلت عن رسوله. قال : أفيوجد لهذا نظير في القرآن؟ قلت: نعم . أمر الله سبحانه في الوضوء بغسل # القدمين أو مسحهما، فمسحنا على الخفين بالسنة . وقال تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه} [الأنعام: 145]. فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة . وقال: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] فحرمنا نحن وأنت الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها ، وذكر الرجم ونصاب السرقة . قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله معنى ما أراد خاصا وعاما .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه. فقال تعالى: {ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن # كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282]، فأمرهم سبحانه بحفظ حقوقهم بالكتاب وأمر من عليه الحق أن يمل الكاتب، فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه أملى عنه وليه، ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين، فإن لم يجد فرجل وامرأتان، ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن إقامتها إذا طلبوا لذلك، ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة: ألا يكتبوها. ثم أمرهم بالإشهاد عند التبايع، ثم أمرهم إذا كانوا على سفر - ولم يجدوا كاتبا - أن يستوثقوا بالرهان المقبوضة . كل هذا نصيحة لهم، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم ، وما تحفظ به الحقوق شيء، وما يحكم به الحاكم شيء؛ فإن طرق الحكم أوسع من الشاهدين والشاهد والمرأتين، فإن الحاكم يحكم بالنكول واليمين المردودة، ولا ذكر لهما في القرآن، فإن كان الحكم بالشاهد الواحد واليمين مخالفا لكتاب الله، فالحكم بالنكول والرد أشد مخالفة .

وأيضا؛ فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة ، ويحكم بالقافة بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها ، ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة الصريحة ، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان ، ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته ، ويحكم بمعاقد القمط في الخص فيجعله للمدعي إذا كانت من جهته . وهذا كله ليس في القرآن ولا حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه ، فكيف ساغ الحكم به، ولم يجعل مخالفا لكتاب الله؟ ويرد ما حكم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة، ويجعل مخالفا لكتاب الله؟ بل القول ما قاله أئمة الحديث : إن الحكم بالشاهد

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة