فصل
vol. 3 · p. 171
ثنته، فقتله، وصاح عدو الله صيحة شديدة أفزعت من حوله. وأوقدوا النيران، وجاء الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر الليل، وهو قائم يصلي، وجرح الحارث بن أوس ببعض سيوف أصحابه، فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبرئ، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله» ) .
فصل في غزوة أحد
ولما قتل الله أشراف قريش ببدر، وأصيبوا بمصيبة لم يصابوا بمثلها، ورأس فيهم أبو سفيان بن حرب لذهاب أكابرهم، وجاء كما ذكرنا إلى أطراف المدينة في غزوة السويق، ولم ينل ما في نفسه، أخذ يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المسلمين، ويجمع الجموع، فجمع قريبا من ثلاثة آلاف من قريش، والحلفاء، والأحابيش، وجاءوا بنسائهم لئلا يفروا، وليحاموا عنهن، ثم أقبل بهم نحو المدينة. فنزل قريبا من جبل أحد بمكان يقال له: عينين، وذلك في
vol. 3 · p. 172
شوال من السنة الثالثة، واستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أيخرج إليهم، أم يمكث في المدينة؟ وكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة، وأن يتحصنوا بها، فإن دخلوها، قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، ووافقه على هذا الرأي عبد الله بن أبي، وكان هو الرأي، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وأشار عبد الله بن أبي بالمقام في المدينة، وتابعه على ذلك بعض الصحابة، فألح أولئك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنهض ودخل بيته ولبس لأمته، وخرج عليهم، وقد انثنى عزم أولئك، وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، فقالوا: يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه» ) .
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ألف من الصحابة، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة، وكان رسول الله رأى رؤيا وهو بالمدينة، رأى أن في سيفه ثلمة، ورأى أن بقرا تذبح، وأنه أدخل يده في درع حصينة، فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون وتأول الدرع بالمدينة.
فخرج يوم الجمعة، فلما صار بالشوط بين المدينة وأحد، انخزل عبد الله بن أبي بنحو ثلث العسكر، وقال: تخالفني وتسمع من غيري، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله يوبخهم ويحضهم على الرجوع، ويقول: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو ادفعوا. قالوا: لو نعلم أنكم