[فصل في القدوم إلى خيبر]
vol. 4 · p. 36
هذه العوارض ما لا تتمكن من غيره، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذكر، والدعاء، والابتهال والتضرع، والصدقة، وقراءة القرآن، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح الملكية ما يقهر هذه الأرواح الخبيثة، ويبطل شرها ويدفع تأثيرها، وقد جربنا نحن وغيرنا هذا مرارا لا يحصيها إلا الله، ورأينا لاستنزال هذه الأرواح الطيبة واستجلاب قربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة، ودفع المواد الرديئة، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها، ولا يكاد ينخرم، فمن وفقه الله بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه، وهي له من أنفع الدواء، وإذا أراد الله عز وجل إنفاذ قضائه وقدره، أغفل قلب العبد عن معرفتها وتصورها وإرادتها، فلا يشعر بها ولا يريدها ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا.
وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرقى، والعوذ النبوية، والأذكار، والدعوات، وفعل الخيرات، ونبين أن نسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي، كنسبة طب الطرقية والعجائز إلى طبهم، كما اعترف به حذاقهم وأئمتهم ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالا عن الأرواح وأن قوى العوذ، والرقى، والدعوات، فوق قوى الأدوية، حتى إنها تبطل قوى السموم القاتلة.
والمقصود أن فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام، والعلة الفاعلة للطاعون، فإن فساد جوهر الهواء الموجب لحدوث الوباء وفساده يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة؛ لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه كالعفونة، والنتن والسمية في أي وقت كان من أوقات السنة، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف، وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف، وعدم تحللها في آخره وفي الخريف لبرد الجو وردغة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف، فتنحصر، فتسخن، وتعفن فتحدث الأمراض العفنة ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا قابلا رهلا، قليل