Skip to content

Books to be read, not browsed

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه] — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 182 of 2,628.

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه]

vol. 1 · p. 215

ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك.

وأما حديث أبي هريرة يرفعه ( «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» ) فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض

vol. 1 · p. 216

الرواة، فإن أوله يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولا، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولا، فهذا هو المنهي عنه. وهو فاسد لوجوه.

أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولا وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولا وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.

وكان يضع ركبتيه أولا ثم يديه ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولا ثم يديه ثم ركبتيه، وهذا عكس فعل البعير، وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت

[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في خطبته]

vol. 1 · p. 217

السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات.

الثاني: أن قولهم: ركبتا البعير في يديه كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة، وإنما الركبة في الرجلين، وإن أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب.

الثالث: أنه لو كان كما قالوه لقال: فليبرك كما يبرك البعير، وإن أول ما يمس الأرض من البعير يداه.

وسر المسألة أن من تأمل بروك البعير وعلم «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بروك كبروك البعير» علم أن حديث وائل بن حجر هو الصواب، والله أعلم.

وكان يقع لي أن حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله " وليضع ركبتيه قبل يديه "، كما انقلب على بعضهم حديث ابن عمر ( «إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم» ) فقال: ( «ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن

Publ. Mu'assasat al-Risala, Beirut — Maktabat al-Manar al-Islamiyya, Kuwait · 27th edition, 1415 AH / 1994 CE