Skip to content

Books to be read, not browsed

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا] — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 2,111 of 2,628.

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج عرق النسا]

vol. 5 · p. 222

ومن تأمل القرآن حق التأمل، تبين له ذلك، وعرف أن الطلاق المشروع بعد الدخول هو الطلاق الذي يملك به الرجعة، ولم يشرع الله سبحانه إيقاع الثلاث جملة واحدة البتة، قال تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ، ولا تعقل العرب في لغتها وقوع المرتين إلا متعاقبتين، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ( «من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمده ثلاثا وثلاثين، وكبره أربعا وثلاثين» ) ، ونظائره فإنه لا يعقل من ذلك إلا تسبيح وتكبير وتحميد متوال يتلو بعضه بعضا، فلو قال: سبحان الله ثلاثا وثلاثين، والحمد لله ثلاثا وثلاثين، والله أكبر أربعا وثلاثين بهذا اللفظ - لكان ثلاث مرات فقط. وأصرح من هذا قوله سبحانه: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله} [النور: 6] [النور: 6] ، فلو قال: أشهد بالله أربع شهادات إني لمن الصادقين، كانت مرة، وكذلك قوله: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} [النور: 8] [النور: 8] ، فلو قالت أشهد بالله أربع شهادات إنه لمن الكاذبين، كانت واحدة، وأصرح من ذلك قوله تعالى: {سنعذبهم مرتين} [التوبة: 101] [التوبة: 101] ، فهذا مرة بعد مرة، ولا ينتقض هذا بقوله تعالى:

vol. 5 · p. 223

{نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31] [الأحزاب: 31] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: ( «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» ) ، فإن المرتين هنا هما الضعفان، وهما المثلان، وهما مثلان في القدر، كقوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] [الأحزاب: 30] ، وقوله: {فآتت أكلها ضعفين} [البقرة: 265] [البقرة: 265] ، أي: ضعفي ما يعذب به غيرها، وضعفي ما كانت تؤتي، ومن هذا قول أنس: «انشق القمر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين، أي: شقتين وفرقتين» ، كما قال في اللفظ الآخر: ( «انشق القمر فلقتين» )

وهذا أمر معلوم قطعا أنه إنما انشق القمر مرة واحدة، والفرق معلوم بين ما يكون مرتين في الزمان، وبين ما يكون مثلين وجزأين ومرتين في المضاعفة.

فالثاني: يتصور فيه اجتماع المرتين في آن واحد، والأول لا يتصور فيه ذلك.

ومما يدل على أن الله لم يشرع الثلاث جملة أنه قال تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228] إلى أن قال: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228] [البقرة: 228] ، فهذا يدل على أن كل طلاق بعد الدخول، فالمطلق أحق فيه بالرجعة سوى الثالثة المذكورة بعد هذا، وكذلك قوله تعالى: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] ، إلى قوله: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: 2] ، فهذا هو الطلاق المشروع، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أقسام الطلاق كلها في القرآن، وذكر أحكامها، فذكر

Publ. Mu'assasat al-Risala, Beirut — Maktabat al-Manar al-Islamiyya, Kuwait · 27th edition, 1415 AH / 1994 CE