[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في تضمين من طب الناس وهو جاهل بالطب]
vol. 5 · p. 311
رجلا من الصحابة كلهم يوقف المؤلي» ) يعني: بعد أربعة أشهر.
وروى سهيل بن أبي صالح عن أبيه، قال: (سألت اثني عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المؤلي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر) وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. (وقال عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر، ولم يفئ فيها، طلقت منه بمضيها) وهذا قول جماعة من التابعين، وقول أبي حنيفة وأصحابه، فعند هؤلاء يستحق المطالبة قبل مضي الأربعة الأشهر، فإن فاء وإلا طلقت بمضيها. وعند الجمهور لا يستحق المطالبة حتى تمضي الأربعة الأشهر، فحينئذ يقال: إما أن تفيء، وإما أن تطلق، وإن لم يفئ أخذ بإيقاع الطلاق، إما بالحاكم، وإما بحبسه حتى يطلق.
قال الموقعون للطلاق بمضي المدة: آية الإيلاء تدل على ذلك من ثلاثة أوجه.
أحدها: أن عبد الله بن مسعود قرأ " فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم " فإضافة الفيئة إلى المدة تدل على استحقاق الفيئة فيها، وهذه القراءة إما أن تجرى مجرى الخبر الواحد، فتوجب العمل، وإن لم توجب كونها من القرآن، وإما أن تكون قرآنا نسخ لفظه، وبقي حكمه، لا يجوز فيها غير هذا البتة.
الثاني: أن الله سبحانه جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئة بعدها لزادت على مدة النص، وذلك غير جائز.
vol. 5 · p. 312
الثالث: أنه لو وطئها في مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها، فدل على استحقاق الفيئة فيها. قالوا: ولأن الله سبحانه وتعالى جعل لهم تربص أربعة أشهر ثم قال: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم - وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 226 - 227] وظاهر هذا أن هذا التقسيم في المدة التي لهم فيها تربص، كما إذا قال لغريمه: أصبر عليك بديني أربعة أشهر، فإن وفيتني وإلا حبستك، ولا يفهم من هذا إلا إن وفيتني في هذه المدة، ولا يفهم منه إن وفيتني بعدها، وإلا كانت مدة الصبر أكثر من أربعة أشهر، وقراءة ابن مسعود صريحة في تفسير الفيئة بأنها في المدة، وأقل مراتبها أن تكون تفسيرا.
قالوا: ولأنه أجل مضروب للفرقة، فتعقبه الفرقة، كالعدة وكالأجل الذي ضرب لوقوع الطلاق، كقوله: إذا مضت أربعة أشهر فأنت طالق.
قال الجمهور: لنا من آية الإيلاء عشرة أدلة.
أحدها: أنه أضاف مدة الإيلاء إلى الأزواج، وجعلها لهم، ولم يجعلها عليهم، فوجب ألا يستحق المطالبة فيها، بل بعدها، كأجل الدين، ومن أوجب المطالبة فيها لم يكن عنده أجلا لهم، ولا يعقل كونها أجلا لهم، ويستحق عليهم فيها المطالبة.
الدليل الثاني: قوله: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: 226] فذكر الفيئة بعد المدة بفاء التعقيب، وهذا يقتضي أن يكون بعد المدة، ونظيره قوله سبحانه: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] [البقرة: 229] . وهذا بعد الطلاق قطعا. فإن قيل: فاء التعقيب توجب أن يكون بعد الإيلاء لا بعد المدة؟ قيل: قد تقدم في الآية ذكر الإيلاء، ثم تلاه ذكر المدة، ثم أعقبها بذكر الفيئة، فإذا أوجبت الفاء التعقيب بعد ما تقدم ذكره، لم يجز أن يعود إلى أبعد المذكورين، ووجب عودها إليهما، أو إلى أقربهما.