[فصل فيما اختاره الله من الأعمال وغيرها]
vol. 1 · p. 70
عليه السلام، وإسماعيل: هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجها، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك، ولكن اليهود حسدت بني إسماعيل على هذا الشرف وأحبوا أن يكون لهم، وأن يسوقوه إليهم ويحتازوه لأنفسهم دون العرب، ويأبى الله إلا أن يجعل فضله لأهله. وكيف يسوغ أن يقال: إن الذبيح إسحاق، والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة: إنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: {لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط - وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 70 - 71] [هود: 70 - 71] فمحال أن يبشرها بأنه يكون لها ولد ثم يأمر بذبحه، ولا ريب أن يعقوب رضي الله عنه داخل في البشارة، فتناول البشارة لإسحاق ويعقوب في اللفظ واحد، وهذا ظاهر الكلام وسياقه.
فإن قيل: لو كان الأمر كما ذكرتموه لكان " يعقوب " مجرورا عطفا على
vol. 1 · p. 71
إسحاق، فكانت القراءة {ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] أي: ويعقوب من وراء إسحاق. قيل لا يمنع الرفع أن يكون يعقوب مبشرا به؛ لأن البشارة قول مخصوص، وهي أول خبر سار صادق. وقوله تعالى: {ومن وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71] جملة متضمنة لهذه القيود، فتكون بشارة، بل حقيقة البشارة هي الجملة الخبرية. ولما كانت البشارة قولا كان موضع هذه الجملة نصبا على الحكاية بالقول، كأن المعنى: وقلنا لها: من وراء إسحاق يعقوب، والقائل إذا قال: بشرت فلانا بقدوم أخيه وثقله في أثره لم يعقل منه إلا بشارته بالأمرين جميعا. هذا مما لا يستريب ذو فهم فيه البتة، ثم يضعف الجر أمر آخر وهو ضعف قولك: مررت بزيد ومن بعده عمرو، ولأن العاطف يقوم مقام حرف الجر، فلا يفصل بينه وبين المجرور، كما لا يفصل بين حرف الجر والمجرور. ويدل عليه أيضا أن الله سبحانه لما ذكر قصة إبراهيم وابنه الذبيح في سورة (الصافات) قال: {فلما أسلما وتله للجبين - وناديناه أن ياإبراهيم - قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين - إن هذا لهو البلاء المبين - وفديناه بذبح عظيم - وتركنا عليه في الآخرين - سلام على إبراهيم - كذلك نجزي المحسنين - إنه من عبادنا المؤمنين} [الصافات: 103 - 111] [الصافات: 103 - 111] . ثم قال تعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين} [الصافات: 112] [الصافات: 112] . فهذه بشارة من الله تعالى له شكرا على صبره على ما أمر به، وهذا ظاهر جدا في أن المبشر به غير الأول، بل هو كالنص فيه.
فإن قيل: فالبشارة الثانية وقعت على نبوته، أي لما صبر الأب على ما أمر به وأسلم الولد لأمر الله جازاه الله على ذلك بأن أعطاه النبوة.
قيل: البشارة وقعت على المجموع: على ذاته ووجوده، وأن يكون نبيا، ولهذا نصب " نبيا " على الحال المقدر، أي: مقدرا نبوته، فلا يمكن إخراج البشارة أن تقع على الأصل، ثم تخص بالحال التابعة الجارية مجرى الفضلة، هذا محال من الكلام، بل إذا وقعت البشارة على نبوته فوقوعها على وجوده أولى وأحرى.