[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته]
vol. 2 · p. 46
فهذه الآثار إن قدر أنها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظا ومعنى، وإن قدر أنها لا تعارض بينها فهاهنا طريقتان من الجمع، إحداهما: حملها على غير صورة الإغمام أو على الإغمام في آخر الشهر، كما فعله الموجبون للصوم.
والثانية: حمل آثار الصوم عنهم على التحري والاحتياط استحبابا لا وجوبا، وهذه الآثار صريحة في نفي الوجوب، وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك، فيجعل أحدهما يوم شك، والثاني يوم يقين، مع حصول الشك فيه قطعا، وتكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعا، مع شكه هل هو منه أم لا؟ تكليف بما لا يطاق، وتفريق بين المتماثلين، والله أعلم.
فصل
وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالصوم بشهادة الرجل الواحد المسلم، وخروجهم منه بشهادة اثنين.
وكان من هديه إذا شهد الشاهدان برؤية الهلال بعد خروج وقت العيد أن يفطر ويأمرهم بالفطر، ويصلي العيد من الغد في وقتها.
[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في عيادة المرضى]
vol. 2 · p. 47
وكان يعجل الفطر ويحض عليه، ويتسحر ويحث على السحور، ويؤخره ويرغب في تأخيره.
وكان يحض على الفطر بالتمر، فإن لم يجد فعلى الماء، هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، ولا سيما القوة الباصرة، فإنها تقوى به، وحلاوة المدينة التمر، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوت وأدم ورطبه فاكهة.
وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب.
وكان صلى الله عليه وسلم يفطر قبل أن يصلي، وكان فطره على رطبات إن وجدها، فإن لم يجدها فعلى تمرات، فإن لم يجد فعلى حسوات من ماء.