[فصل في التسليم من صلاة الجنازة]
vol. 2 · p. 68
جهة القرآن، ويدل على هذا قوله " إن الله لم يكتبه علينا " وهذا لا ينفي الوجوب بغير ذلك، فإن الواجب الذي كتبه الله على عباده، هو ما أخبرهم بأنه كتبه عليهم كقوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183] [البقرة: 183] فأخبر صلى الله عليه وسلم أن صوم يوم عاشوراء لم يكن داخلا في هذا المكتوب الذي كتبه الله علينا دفعا لتوهم من يتوهم أنه داخل فيما كتبه الله علينا، فلا تناقض بين هذا وبين الأمر السابق بصيامه الذي صار منسوخا بهذا الصيام المكتوب. يوضح هذا أن معاوية إنما سمع هذا منه بعد فتح مكة، واستقرار فرض رمضان، ونسخ وجوب عاشوراء به. والذين شهدوا أمره بصيامه والنداء بذلك، وبالإمساك لمن أكل، شهدوا ذلك قبل فرض رمضان عند مقدمه المدينة، وفرض رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صام تسع رمضانات، فمن شهد الأمر بصيامه شهده قبل نزول فرض رمضان، ومن شهد الإخبار عن عدم فرضه شهده في آخر الأمر بعد فرض رمضان، وإن لم يسلك هذا المسلك تناقضت أحاديث الباب واضطربت.
فإن قيل: فكيف يكون فرضا ولم يحصل تبييت النية من الليل وقد قال: ( «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل» ) .
فالجواب أن هذا الحديث مختلف فيه:
[فصل من من هديه صلى الله عليه وسلم الصلاة على القبر]
vol. 2 · p. 69
هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، أو من قول حفصة وعائشة؟ فأما حديث حفصة: فأوقفه عليها معمر، والزهري، وسفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد الأيلي، عن الزهري، ورفعه بعضهم، وأكثر أهل الحديث يقولون: الموقوف أصح، قال الترمذي: وقد رواه نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح. ومنهم من يصحح رفعه لثقة رافعه وعدالته، وحديث عائشة أيضا: روي مرفوعا وموقوفا، واختلف في تصحيح رفعه. فإن لم يثبت رفعه فلا كلام، وإن ثبت رفعه فمعلوم أن هذا إنما قاله بعد فرض رمضان، وذلك متأخر عن الأمر بصيام يوم عاشوراء، وذلك تجديد حكم واجب وهو التبييت وليس نسخا لحكم ثابت بخطاب، فإجزاء صيام يوم عاشوراء بنية من النهار كان قبل فرض رمضان وقبل فرض التبييت من الليل، ثم نسخ وجوب صومه برمضان وتجدد وجوب التبييت فهذه طريقة.
وطريقة ثانية: هي طريقة أصحاب أبي حنيفة أن وجوب صيام يوم عاشوراء تضمن أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم وإجزاء صومه بنية من النهار، ثم نسخ تعيين الواجب بواجب آخر فبقي حكم الإجزاء بنية من النهار غير منسوخ.
وطريقة ثالثة: وهي أن الواجب تابع للعلم، ووجوب عاشوراء إنما علم من النهار وحينئذ فلم يكن التبييت ممكنا، فالنية وجبت وقت تجدد الوجوب والعلم به وإلا كان تكليفا بما لا يطاق وهو ممتنع. قالوا: وعلى هذا إذا قامت البينة بالرؤية في أثناء النهار أجزأ صومه بنية مقارنة للعلم بالوجوب، وأصله صوم يوم عاشوراء، وهذه طريقة شيخنا، وهي كما تراها أصح الطرق وأقربها إلى موافقة أصول الشرع وقواعده، وعليها تدل