Skip to content

Books to be read, not browsed

[فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام] — زاد المعاد في هدي خير العباد

From ⁧زاد المعاد في هدي خير العباد⁩ by ⁧محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية⁩ — leaf 848 of 2,628.

[فصل صلاته صلى الله عليه وسلم خلف المقام]

vol. 2 · p. 372

ما هو مستحق له عليه، ليس له مكانة أصلا، بل قد كوتب على حقوق منجمة، كلما أدى نجما حل عليه نجم آخر، ولا يزال المكاتب عبدا، ما بقي عليه شيء من نجوم الكتابة.

والمقصود أن إنصافه من نفسه يوجب عليه معرفة ربه، وحقه عليه، ومعرفة نفسه، وما خلقت له، وأن لا يزاحم بها مالكها، وفاطرها ويدعي لها الملكة والاستحقاق، ويزاحم مراد سيده، ويدفعه بمراده هو، أو يقدمه ويؤثره عليه، أو يقسم إرادته بين مراد سيده ومراده، وهي قسمة ضيزى، مثل قسمة الذين قالوا: {هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] [الأنعام: 136] .

[فصل طواف القدوم]

vol. 2 · p. 373

فلينظر العبد لا يكون من أهل هذه القسمة بين نفسه وشركائه وبين الله لجهله وظلمه وإلا لبس عليه، وهو لا يشعر، فإن الإنسان خلق ظلوما جهولا، فكيف يطلب الإنصاف ممن وصفه الظلم والجهل؟ وكيف ينصف الخلق من لم ينصف الخالق؟ كما في أثر إلهي «يقول الله عز وجل: ابن آدم ما أنصفتني، خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد، كم أتحبب إليك بالنعم، وأنا غني عنك، وكم تتبغض إلي بالمعاصي وأنت فقير إلي، ولا يزال الملك الكريم يعرج إلي منك بعمل قبيح» .

وفي أثر آخر: " «ابن آدم ما أنصفتني، خلقتك وتعبد غيري، وأرزقك وتشكر سواي» ".

ثم كيف ينصف غيره من لم ينصف نفسه وظلمها أقبح الظلم وسعى في ضررها أعظم السعي، ومنعها أعظم لذاتها من حيث ظن أنه يعطيها إياها، فأتعبها كل التعب وأشقاها كل الشقاء من حيث ظن أنه يريحها ويسعدها، وجد كل الجد في حرمانها حظها من الله، وهو يظن أنه ينيلها حظوظها، ودساها كل التدسية، وهو يظن أنه يكبرها وينميها، وحقرها كل التحقير وهو يظن أنه يعظمها، فكيف يرجى الإنصاف ممن هذا إنصافه لنفسه؟ إذا كان هذا فعل العبد بنفسه فماذا تراه بالأجانب يفعل.

والمقصود أن قول عمار رضي الله عنه: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار، كلام جامع لأصول الخير وفروعه.

وبذل السلام للعالم يتضمن تواضعه، وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه، والمتكبر

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م