[فصل هديه في الأضاحي]
vol. 3 · p. 53
بذلنا له الأموال من حل مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا ... نعادي الذي عادى من الناس كلهم
جميعا وإن كان الحبيب المصافيا ... ونعلم أن الله لا رب غيره
وأن كتاب الله أصبح هاديا
قال ابن عباس: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فأمر بالهجرة وأنزل عليه: {وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} [الإسراء: 80] » ) [الإسراء: 80] .
قال قتادة: أخرجه الله من مكة إلى المدينة مخرج صدق، ونبي الله يعلم أنه لا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان، فسأل الله سلطانا نصيرا، وأراه الله عز وجل دار الهجرة وهو بمكة، فقال: ( «أريت دار هجرتكم بسبخة ذات نخل بين لابتين» ) .
وذكر الحاكم في " مستدركه " عن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: ( «من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق» ) .
قال البراء: ( «أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عشرين راكبا، ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فما
vol. 3 · p. 54
رأيت الناس فرحوا بشيء كفرحهم به، حتى رأيت النساء والصبيان والإماء يقولون: هذا رسول الله قد جاء» ) .
وقال أنس: ( «شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل المدينة علينا، وشهدته يوم مات فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات» ) .
فأقام في منزل أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في منزل أبي أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجته، وأسامة بن زيد وأمه أم أيمن، وأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج، وخرج عبد الله بن أبي بكر معهم بعيال أبي بكر ومنهم عائشة، فنزلوا في بيت حارثة بن النعمان.
فصل
في بناء المسجد
قال الزهري: «بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم موضع مسجده، وهو يومئذ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار كانا في حجر أسعد بن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جدارا ليس له سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه ويجمع أسعد بن زرارة قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرة غرقد وخرب ونخل وقبور للمشركين، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت، وبالخرب