﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
الله والوحي والقرآن — أسئلةٌ تُسأل عن الإسلام
أيوجد إلهٌ أصلًا، وكيف يُختبر ادّعاءُ وحيٍ، وهل نُقل نصُّ القرآن كما نزل — ومسألةُ التحدّي والإعجاز العدديّ ودعوى الأخذ عن كتبٍ سابقة.
١٥٤ سؤالًا · ١٬٧٣٢ نصًّا منقولًا بنسبته · ولـ٨٦ سؤالًا حديثٌ محقَّقٌ بحكمه.
-
هل يوجد إله أصلًا؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الافتراضُ ليس في جهةٍ واحدة — فمن قال «الله واجبٌ بذاته» وقف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها، ومن قال «الكونُ موجودٌ وحسب» وقف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها، والخلافُ في موضع الوقوف لا بين مفسِّرٍ وممتنعٍ عن التفسير ١. وأمّا «اسمٌ يوضع على ما لم نفهمه» فاعتراضٌ وجيهٌ يُقرّ به الكتاب ويُعلن أنّه لا يقول بالصيغة التي يهدمها، ويضع فارقًا يُذكر قبل النزاع لا بعده: الاستدلالُ بالفجوة يستند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ فهو رهنُ ورقةٍ تُنشر غدًا، والاستدلالُ بالانتظام يستند إلى ما فُسِّر فعلًا فلا يزول بمزيدٍ من التفسير ٢. وهذا لا يُثبت أنّ الله موجود ولا يرجّح ذلك ترجيحًا يُعتدّ به — غايتُه أن يُسقط دعوى أنّ العلمَ أغنى عن السؤال، لا أن يجيب عنه ٢. ثمّ إنّ الصيغةَ التي ينقضها اعتراضُك ليست صيغةَ أهل الباب أصلًا: المتكلّمون استدلّوا بحدوث العالم أو بإمكانه، «لأن الممكن لا بد له من مخصص يوقعه على أحد الجائزين» ٥. والقرآنُ يسوق المسألةَ سؤالًا لا تقريرًا: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ﴾ ٣ — شِقّان يقول الميسَّرُ إنّهما باطلان مستحيلان فيتعيَّن الثالث ٤.
١ المؤمنُ ينتهي إلى واقعةٍ خامّةٍ أيضًا. من قال «الله واجبٌ بذاته» فقد توقّف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها؛ ومن قال «الكونُ موجودٌ وحسب» فقد توقّف عند حقيقةٍ لا يفسّرها بما فوقها. فالخلافُ ليس بين من يفسّر ومن لا يفسّر — كلانا يقف — إنّما الخلافُ في موضع الوقوف، وفي هل ثمّ فرقٌ بين الموضعين يُعتدّ به … وهذا لا يُثبت أنّ الواجب واحد، ولا أنّه عالمٌ قادرٌ مريد، ولا أنّه خيّر، ولا أنّه إلهُ دينٍ بعينه. أقصى ما يبلغه هذا الفصلُ — لو تمّ بكماله — موجودٌ قائمٌ بنفسه؛ والانتقالُ منه إلى نبوّةٍ ووحيٍ وشريعةٍ نقلةٌ أخرى تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخر … ريتشارد سوينبرن — وهو أشهرُ من بنى للتوحيد حجّةً احتماليةً تراكمية — يُعلن نتيجتَه احتمالًا يزيد على النصف، لا يقينًا ولا برهانًا مُلزِمًا، ويُدخل الشرَّ في الميزان شاهدًا ضدّه
٥. لماذا يوجد شيءٌ أصلًا؟ · افتح الموضع
٢ وهذا اعتراضٌ وجيه. وأنا لا أقول بالصيغة التي يهدمها — وأعلن ذلك قبل أن أدافع عن شيء، لأنّ من دافع عن صيغةٍ رديئةٍ ظنًّا منه أنّه يدافع عن الدين، خسر الاثنين … الاستدلالُ بالفجوة يستند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ، فهو رهنُ ورقةٍ تُنشر غدًا. والاستدلالُ بالانتظام يستند إلى ما فُسِّر فعلًا، فموضوعُه لا يزول بمزيدٍ من التفسير — لأنّه سؤالٌ عن الوصف الناجح نفسِه لا عمّا يعوزه … لا يُثبت أنّ الله موجود، ولا يرجّح ذلك ترجيحًا يُعتدّ به … قد يكون الانتظامُ ممّا لا يقبل السؤال أصلًا، إمّا لأنّ النظريةَ النهائية واحدةٌ منطقيًّا، وإمّا لأنّ طلبَ تفسيرٍ لوجود التفسير طلبٌ لا معنى له. وإن صحّ أحدُهما فليس في هذا الفصل شيء، لا مثالًا مكسورًا بل دعوى ساقطة.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
٣ أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ
سورة الطور ٥٢:٣٥ · افتح الموضع
٤ أخُلِق هؤلاء المشركون من غير خالق لهم وموجد، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وكلا الأمرين باطل ومستحيل. وبهذا يتعيَّن أن الله سبحانه هو الذي خلقهم، وهو وحده الذي لا تنبغي العبادة ولا تصلح إلا له.
التفسير الميسّر · سورة الطور ٥٢:٣٥ · افتح الموضع
٥ واستدلوا في علم الكلام على وجود الصانع بطريقين: إما حدوث العالم، وإما إمكانه، لأن الممكن لا بد له من مخصص يوقعه على أحد الجائزين، وطريق الاستدلال بالحدوث يستلزم الإمكان، لأن كل حادث ممكن، وليس كل ممكن حادثا؟
جلال الدين السيوطي · معترك الأقران في إعجاز القرآن ص٢٨٠ · افتح الموضع
٦ وأسبقيّةُ الكتابة شرطٌ ضروريٌّ لا كافٍ — وقد جعلتُها أوّلَ مرّة «الشرطَ الذي يجعل هذا نزيهًا»، وذاك غلطٌ منطقيٌّ صريح: جعلتُ الضروريَّ كافيًا … فمن عدّ «إلهًا» فرضًا واحدًا، وعدّ خصمُه «كونًا قائمًا بلا علّة» فرضًا واحدًا، لم يحكم الموسى بينهما — لأنّه لا يملك مسطرةً لعدّ الفروض.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
«كلانا يقف» تعادلٌ لا حجّة، ولا يُخرج منه إيمان. وإذا استوى الموضعان في أنّ كلًّا منهما توقُّفٌ بلا تعليل، فالكونُ معطًى أراه والإلهُ زيادةٌ لا أراها — والموسى تقصّ الزائد لا المرئيّ. ثمّ إنّ «الانتظام» الذي جعلتَه بديلًا نظيفًا عن الفجوة قد لا يقبل السؤالَ من أصله، فيسقط كلامُك كلُّه لا مثالٌ فيه.
الشقُّ الأخير صحيح، ويقوله الكتاب على نفسه لا يُخفيه: قد يكون الانتظامُ ممّا لا يقبل السؤال أصلًا — إمّا لأنّ النظريةَ النهائية واحدةٌ منطقيًّا، وإمّا لأنّ طلبَ تفسيرٍ لوجود التفسير طلبٌ لا معنى له — وحينئذٍ «ليس في هذا الفصل شيء، لا مثالًا مكسورًا بل دعوى ساقطة» ٢. وأمّا الموسى فلا تفصل ههنا: من عدّ «إلهًا» فرضًا واحدًا وعدّ خصمُه «كونًا قائمًا بلا علّة» فرضًا واحدًا لم يحكم الموسى بينهما، لأنّه لا يملك مسطرةً لعدّ الفروض ٦. وأسبقيّةُ صياغة «الممكن» في كتب المتكلّمين ٥ شرطٌ ضروريٌّ لا كافٍ، وجعلُ الضروريِّ كافيًا غلطٌ منطقيٌّ صريح يُقرّ به الكتاب على نفسه ٦. وأقصى ما يبلغه الباب كلُّه لو تمّ موجودٌ قائمٌ بنفسه — لا صلاةً ولا كتابًا ولا شريعة — وأشهرُ من بنى للتوحيد حجّةً احتماليةً يُعلن نتيجتَه احتمالًا يزيد على النصف لا برهانًا مُلزِمًا، ويُدخل الشرَّ في الميزان شاهدًا ضدّه ١.
-
ما دليلُ أنّ القرآن من الله لا من تأليف محمّد ﷺ؟
الفارقُ أنّ هذه الدعوى لم تُحِلْك على شهادة صاحبها، بل نصبت الحَكَمَ من خصومها: ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ١ — أي استعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم ٢. وهي تُحيل على ما يعرفه سامعوه عنه قبل الدعوى لا على ما يرويه هو عن نفسه: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ﴾ ٣، «فإنكم تعلمون» ٤. وأثقلُ ما في المتن أنّه يوبّخ حاملَه علانيةً حيث تجري مصلحتُه في خلافه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ﴾ ٥ والعابسُ صاحبُ الدعوى نفسُه ٦، و﴿وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ﴾ ٧ أي خوفُه من قول الناس فيه ٨. وقام التحدّي على قومٍ هم أهلُ الصنعة ولهم أشدُّ الدواعي إلى نقضه — تكذيبُه، والذبُّ عن أديانهم، والتخلّصُ من حربه — فلم يفعلوا وأحالوا أنفسَهم على التعاليل ٩. وهذا ميزانٌ لا إعلان: من قبِل فيه شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان ١٠.
١ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٢ فهاتوا سورة تماثل سورة من القرآن، واستعينوا بمن تقدرون عليه مِن أعوانكم، إن كنتم صادقين في دعواكم.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٣ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُۥ عَلَيْكُمْ وَلَآ أَدْرَىٰكُم بِهِۦ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًۭا مِّن قَبْلِهِۦٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
سورة يونس ١٠:١٦ · افتح الموضع
٤ فإنكم تعلمون أنني مكثت فيكم زمنًا طويلا من قبل أن يوحيه إليَّ ربي، ومن قبل أن أتلوه عليكم، أفلا تستعملون عقولكم بالتدبر والتفكر؟
التفسير الميسّر · يونس ١٠:١٦ · افتح الموضع
٥ عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ أَن جَآءَهُ ٱلْأَعْمَىٰ
سورة عبس ٨٠:١–٢ · افتح الموضع
٦ ظهر التغير والعبوس في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعرض لأجل أن الأعمى عبد الله بن أم مكتوم جاءه مسترشدا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام.
التفسير الميسّر · عبس ٨٠:١ · افتح الموضع
٧ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ
سورة الأحزاب ٣٣:٣٧ · افتح الموضع
٨ وتخفي -يا محمد- في نفسك ما أوحى الله به إليك من طلاق زيد لزوجه وزواجك منها، والله تعالى مظهر ما أخفيت، وتخاف المنافقين أن يقولوا: تزوج محمد مطلقة متبناه، والله تعالى أحق أن تخافه
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٣٧ · افتح الموضع
٩ ومعلوم من حالهم وحميتهم أن الواحد منهم يقول في الحشرات والهوام والحيات، وفي وصف الأزمة والأنساع، والأمور التي لا يؤبه لها، ولا يحتاج إليها، ويتنافسون في ذلك أشد التنافس، ويتبجحون به أشد التبجح، فكيف يجوز أن تمكنهم معارضته في هذه المعاني الفسيحة، والعبارات الفصيحة، مع تضمن المعارضة لتكذيبه، والذب عن أديانهم القديمة، وإخراجهم أنفسهم من تسفيهه رأيهم، وتضليله إياهم. والتخلص من منازعته، ثم من محاربته ومقارعته. ثم لا يفعلون شيئا من ذلك، … وإنما يحيلون أنفسهم على التعاليل، ويعللونها بالاباطيل.
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٣٥ · افتح الموضع
١٠ ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان وأخذ الإعلان — ونحن أصحابُ دعوًى فلا تقبل شهادتَنا فيه.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
١١ والثالث اعترافٌ لا شرط: هذه الأربعة لا تجيب عن سؤالك الأصليّ. … والأربعةُ كلُّها داخليّة: تشتغل بعد عبور المسافة لا عليها. فهي مصفاةٌ لما يُدَّعى، لا دليلٌ على أنّ ثمّ ما يُدَّعى.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٢ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سُقتَه من داخل النصّ، والنصُّ هو محلُّ النزاع. التحدّي حَكَمُه ذوقٌ لا يُقاس، والقائلون بأنّه لم يُعارَض هم أتباعُه؛ والتوبيخُ حيلةٌ يعرفها كلُّ مؤلِّفٍ بارع — ومن قدر على تأليف الكتاب قدر على أن يدسّ فيه لومَ نفسه ليشتري به تصديقَك. فتبقى الدائرةُ مغلقةً، وصاحبُ الدعوى شاهدٌ وقاضٍ معًا. والكتابُ الذي تُحيل عليه يقرّ بهذا بلفظه [[11]].
الإقرارُ قائمٌ ولا أرفعه: هذه المعايير مصفاةٌ لما يُدَّعى، لا دليلٌ على أنّ ثمّ ما يُدَّعى ١١. لكنّ دعواك أنّ الدائرة مغلقةٌ تنكسر عند نقطةٍ واحدة: الدعوى كتبت شرطَ بطلانها بيدها وسلّمت إجراءه إلى غير أهلها — مصحفٌ من القرن الأوّل تنشره جهةٌ أكاديميّةٌ لا تخاصم ولا تنصر، يخالف ما بأيدينا في الكلمات لا في النقط، ولا تردّه قراءةٌ منقولةٌ بسندها ١٢. وهذا هو الفصلُ الذي طلبتَه: لا أنّها صدقت، بل أنّها من الصنف الذي يمكن أن يُقال فيه «كذبت» بإجراءٍ يُجريه خصمُها ١٢. وأمّا التوبيخُ فليس حجّةَ ذوقٍ بل حجّةَ باعث: الموضعان يقعان حيث كانت مصلحةُ الكتاب المفترض في السكوت — إعراضٌ عن أعمى لأجل كبار قريش ٦، وخوفٌ من قول المنافقين في زواجه ٨. ومن ادّعى الوحيَ ولم يترك لدعواه صورةَ نقضٍ واحدة فقد أخرجها من الميزان، وشهادتُه على نفسه لا تُقبل ١٠.
-
ولماذا إلهُ الإسلام لا إلهٌ آخر؟ لو وُلدتُ في الهند لكنتُ هندوسيًّا.
نعم — موضعُ ولادتك يفسّر كيف وصلك الاعتقاد، ولا يفصل في صدقه ٦. وهذا الفرقُ ليس اختراعًا لهذه المناظرة: القرآنُ نفسُه يجعل ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ﴾ حجّةَ المكذِّبين في كلّ قريةٍ بُعث إليها نذير، لا حجّةَ المؤمنين ١، ويردّها بسؤالٍ واحدٍ ينقل الميزانَ من المولد إلى الدليل: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ﴾ ٢ — والتفسيرُ الميسّر يسمّي دعواهم «الشبهة الباطلة» ٣. وابنُ عبد البرّ يفرّق بينهما بحدٍّ مكتوب: التقليدُ أن تقول بقول غيرك وأنت لا تعرف وجهَ القول ولا معناه، والاتّباعُ أن تتبعه بعد أن بان لك فضلُ قوله وصحّةُ مذهبه ٤، ويُجري اللومَ على كلّ مقلِّدٍ بغير حجّةٍ سواءٌ انتهى تقليدُه إلى كفرٍ أو ذنبٍ أو خطأٍ في أمر دنياه ٥. ولا أُخفي عليك ما يُثقل الجواب: أقوى صورةٍ لاعتراضك ليست في المكان بل في الآلية — أنّ الطريق الذي أوصلني ما كان ليعطيني غير ما أعطاني، صدق الدينُ أو كذب — وصاحبُ الكتاب يُثبت هذه الصيغةَ ويقول إنّ من ساقها عليه ساق أقوى ما في الباب وإنّه لم يفرغ منه ٦. والاعتراضُ عنده صحيحٌ تمامًا في حقّ من لم يفحص شيئًا قطّ، والمخرجُ الوحيدُ عملٌ لا دعوى: أن تُجري المعيار على دعواك كما تُجريه على نقيضها، وأن تقرأ أقوى المخالفين من كتبه هو لا من ردود أصحابك، وأن تعرف مقدَّمًا أيُّ نتيجةٍ كانت ستُغيّر رأيك ٦.
١ وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍۢ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍۢ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقْتَدُونَ
سورة الزخرف ٤٣:٢٣ · افتح الموضع
٢ ۞ قَٰلَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ ۖ قَالُوٓا۟ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ
سورة الزخرف ٤٣:٢٤ · افتح الموضع
٣ قال محمد صلى الله عليه وسلم ومَن سبقه من الرسل لمن عارضه بهذه الشبهة الباطلة: أتتبعون آباءكم، ولو جئتكم مِن عند ربكم بأهدى إلى طريق الحق وأدلَّ على سبيل الرشاد مما وجدتم عليه آباءكم من الدين والملة؟ قالوا في عناد: إنا بما أرسلتم به جاحدون كافرون.
التفسير الميسّر · سورة الزخرف ٤٣:٢٤ · افتح الموضع
٤ والتقليد عند العلماء غير الاتباع؛ لأن الاتباع هو تتبع القائل على ما بان لك من فضل قوله وصحة مذهبه، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه وتأبى من سواه، أو أن يتبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله وهذا محرم القول به في دين الله سبحانه وتعالى
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٧١٠ · افتح الموضع
٥ قال أبو عمر: وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد … وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص٢١٧٦ · افتح الموضع
٦ الجوابُ في سطرين: موضعُ ولادتك يفسّر كيف وصلك الاعتقاد ولا يفصل في صدقه — لكنّ هذا الجواب وحده لا يكفي، فأقوى صور الاعتراض ليست في المنشأ بل في الآلية: أنّ الطريق الذي أوصلك ما كان ليعطيك غير ما أعطاك، صدق أو كذب. … من ساق هذه الصيغةَ الثانية عليّ فقد ساق أقوى ما في الباب، وليس عندي أنّي أفرغتُ منه. … ١. أن تُجري المعيار على دعواك كما تُجريه على نقيضها. ٢. أن تقرأ أقوى ما قاله المخالفُ من كتبه لا من ردود أصحابك عليه. ٣. أن تعرف مقدَّمًا أيُّ نتيجةٍ كانت ستُغيّر رأيك — فمن لا يعرف ذلك لم يفحص وإن قرأ ألفَ صفحة. … الاعتراض صحيحٌ تمامًا في حقّ من لم يفحص شيئًا قطّ. … وحدُّ هذا الفصل: هو لا يقيم دليلًا على وجود الله ولا على دينٍ بعينه. غايتُه إزاحةُ حجّةٍ من الطريق لا وضعُ حجّةٍ مكانها.
١٦. لو وُلدتُ في الهند · افتح الموضع
كُلُّ إنسانٍ تَلِدُه أُمُّه على الفِطرةِ، وأبَواه بَعدُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرانِه ويُمَجِّسانِه، فإن كانا مُسلِمَينِ فمُسلِمٌ، كُلُّ إنسانٍ تَلِدُه أُمُّه يَلكُزُه الشَّيطانُ في حِضنَيه إلَّا مَريَمَ وابنَها. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2658 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا تهرّبٌ في شقَّين. الأوّل: احتججتَ عليّ بالقرآن وبابنِ عبد البرّ لتُثبت أنّ التقليد مذموم — وأنا أسألك عن الدائرة فتحتجّ عليّ من داخلها؛ وكلُّ دينٍ عنده نصٌّ يذمّ التقليد ويأمر بالنظر، ولم يمنع ذلك أتباعَه من أن يكونوا حيث وُلدوا. والثاني أثقل: التماثلُ الذي تلمّح إليه غيرُ قائم. عدمُ الاعتقاد موقفٌ واحد، والاعتقادُ آلافٌ يكذّب بعضُها بعضًا وتستحيل صحّتُها جميعًا؛ فآلتُك تُخرج مخرجاتٍ متناقضةً بحسب خطّ الطول، وواحدٌ منها على الأكثر صادق. فما الذي يميّز نصيبَك منها إلّا الآلةُ المتّهمةُ نفسُها؟
الشقُّ الثاني وجيه، ومُثبَتٌ في الفصل بلفظٍ لا يلطّفه: صاحبُه يقول إنّ من ساق هذه الصيغة فقد ساق أقوى ما في الباب وليس عنده أنّه أفرغ منه ٦. وأمّا الشقُّ الأوّل فلا يقع، لأنّ النصوصَ لم تُسَق دليلًا على صدق الإسلام بل لإسقاط دعواك أنّ إسلامي جغرافيا: المعيارُ الذي تحاكمني إليه هو معيارُ نصّي عليّ قبل أن يكون معيارَك، وابنُ عبد البرّ يُجريه على المسلم نفسِه فيجعل كلَّ مقلِّدٍ بغير حجّةٍ ملومًا وإن اختلفت الآثام فيه ٥. وحدُّ ما قُرِّر هنا مكتوبٌ في الفصل صراحةً: «لا يقيم دليلًا على وجود الله ولا على دينٍ بعينه؛ غايتُه إزاحةُ حجّةٍ من الطريق لا وضعُ حجّةٍ مكانها» ٦. فإن أزيحت، فسؤالُك الحقيقيّ «ولماذا الإسلامُ بعينه؟» يُطلب بأدلّته لا بمولدي — وهو سؤالٌ آخر لا يجاب في هذا الموضع.
-
أحُفظ نصُّ القرآن حقًّا كما يُقال؟
الشقُّ الأوّل من سؤالك مردودٌ بالواقع: المخطوطاتُ التي تطلبها منشورةٌ مصوَّرةً مجّانًا، ومصاحفُ القرن الأوّل والثاني وقراءاتُها في أرشيف «كوربوس كورانيكوم» بأكاديمية برلين-براندنبورغ — جهةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا ١. وأمّا شقُّك الثاني فمُسلَّمٌ لك كما قلتَه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ ٢ دعوى لا برهان، ومضمونُها محدَّد — «أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء» ٣ — وتحديدُ المضمون هو الذي يجعلها قابلةً للتكذيب، لا الذي يُغني عن اختبارها. والشرطُ مكتوبٌ عندنا صريحًا: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل، من جهةٍ أكاديميّةٍ محايدة، نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات — لا في النقط ورسم الألف — خلافًا لا تردّه قراءةٌ منقولةٌ بسندها، لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة ٤. ولا نكتم ما يُثقلنا: عثمان «أمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق» — والناقلُ لهذا كتابُ السيوطي لا كتابُ خصم ٥. وقد أجرينا الشرطَ على أنفسنا في الصغير: قوبل نصُّ المصحف الذي نعرضه على مصدرٍ ثالث، فشذَّت خمسةُ مواضعَ من ستّة آلافٍ ومئتين وستّةٍ وثلاثين، وكان الخطأُ فيها كلِّها عندنا، فأُصلحت وكُتب أنّها كانت ٦.
١ المخطوطاتُ المصوَّرة منشورةٌ على الشبكة مجّانًا: … ومصاحفُ القرن الأوّل والثاني وقراءاتُها في أرشيف «كوربوس كورانيكوم» بأكاديمية برلين-براندنبورغ. ولستُ أُحيلك عليها لتجد ما يسرّني، ولا أزعم أنّ فتحَها قراءتُها. أُحيلك عليها لأنّ الطبقتين الأوليَين تُجريان في أمسية: من نشرها؟ وهل هو خصمٌ أو حليف؟
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٢ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ
سورة الحجر ١٥:٩ · افتح الموضع
٣ إنَّا نحن نزَّلنا القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنَّا نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء.
التفسير الميسّر · الحجر ١٥:٩ · افتح الموضع
٤ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها. هذا شرطٌ مفتوحٌ اليوم، والأرشيفُ الذي أحلتُك عليه هو نفسُه موضعُ إجرائه، وباحثوه غيرُ متّفقين، ولا أعرف نتيجتَه قبل أن تقع.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٥ حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة ومصحف أن يحرق
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص١٦٤ · افتح الموضع
٦ قابلنا نصَّ المصحف الذي نعرضه على مصدرٍ ثالثٍ لا هو نحن ولا ناقلُنا، فشذَّت خمسةُ مواضعَ من ستّة آلافٍ ومئتين وستّةٍ وثلاثين — كان الخطأُ فيها كلِّها عندنا، فيها ألفٌ مقصورةٌ زائدةٌ لا تكشفها عين، وفيها وصلُ كلمتين فصلهما الرسمُ فاختلّ عددُ الكلمات في فهرسنا. أصلحناها وكتبنا أنّها كانت.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٧ [ 164 ] حدثنا عبد الله حدثنا أحمد بن الأزهر حدثنا أبو عاصم | عن ابن جريج عن عطاء قال هي في قراءة ابن مسعود ( البقرة : 198 ) | ^ ( في مواسم الحج ) ^ .
ابن أبي داود السجستاني · كتاب المصاحف ص١٦٦ · افتح الموضع
٨ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ
سورة البقرة ٢:١٩٨ · افتح الموضع
٩ كلُّ نصٍّ قديمٍ فيه خلاف، فوجودُ الخلاف ليس تهمة. إنّما التهمةُ أن يكون الخلافُ معلومًا عند أهله ومكتومًا عن غيرهم. فاسأل: أين يُنشر اختلافُ النسخ؟ أفي حواشي كتبهم هم، أم في كتب من يهاجمهم وحدَهم؟ والتقليدُ الذي يطبع خلافَه بنفسه — بأسماء رواته وأسانيده — يُعطيك سببًا لتصديقه في غيره.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٠ سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول. لو ثبت أنّ نصًّا وصل كما قيل حرفًا بحرف، فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله — لا أنّ من قاله صادق. المعيارُ الأوّل يشترط ولا يُثبت.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
الإحراقُ يُفسد الشاهد. من أتلف النسخَ المخالفة ثمّ عرض عليك ما نجا فقد صنع الاتّفاقَ صنعًا؛ فوحدةُ المخطوطات أثرُ سياسةٍ لا أثرُ حفظ. وأرشيفُكم في برلين لا يعرض إلا ذرّيّةَ ذلك المصحف الواحد — فمقابلتي عليه مقابلةُ النسخة على أختها، لا على أصلٍ مستقلّ.
الإحراقُ وقع، ونصُّه في كتب أهله لا في كتب خصومهم ٥. لكنّه لم يُتلف السجلّ: بعده بقرنين كتب ابن أبي داود السجستاني «كتاب المصاحف» فطبع فيه القراءاتِ المخالفة بأسانيدها، منها «هي في قراءة ابن مسعود ( البقرة : 198 ) في مواسم الحج» ٧ — وهذه الزيادةُ ليست في المصحف الذي بأيدينا ٨. وههنا محلُّ الفرق: التهمةُ ليست وجودَ الخلاف بل كتمانَه، «والتقليدُ الذي يطبع خلافَه بنفسه — بأسماء رواته وأسانيده — يُعطيك سببًا لتصديقه في غيره» ٩. وشرطُ النقض يبقى مفتوحًا على المخطوط لا على الكتب، وباحثو الأرشيف غيرُ متّفقين، ولا نعرف نتيجتَه قبل أن تقع ٤. وخذ حدًّا أخيرًا لئلّا نبيعك أكثرَ ممّا معنا: «سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول. لو ثبت أنّ نصًّا وصل كما قيل حرفًا بحرف، فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله — لا أنّ من قاله صادق» ١٠.
-
ومن خلق الله؟
الأمرُ على خلاف ما بُني عليه السؤال: المقدّمةُ التي تنقضها لم تُقَل. فالبرهانُ يقول «كلُّ ممكنٍ له علّة» — والممكنُ ما يستوي في حقّه الوجودُ والعدم — لا «كلُّ شيءٍ له خالق»، ولو قال الثانيةَ لهدم نفسَه في سطرين ١. وليس هذا قيدًا فُصّل على مقاس النتيجة، وامتحانُه أن يعمل خارجَ هذا الباب: خصومُ البرهان أنفسُهم يستعملونه، فأوبي يجيز للطبيعيّ أن يضع للكون الفيزيائيّ حالةً أوّليةً واجبةَ الوجود فيردّ بها عليك ٢. وأمّا شقُّك الثاني — «فليكن الكونُ هو» — فترشيحٌ لمقعدٍ لا إسقاطٌ له؛ إذ ما انتهت إليه السلسلةُ ولم يكن قبله مؤثِّرٌ «لكان ذلك هو الرب الخلاق»، ولا بدّ من الانتهاء إلى «خالق غير مخلوق وغني عن غيره» ٣. والنصُّ الذي تخاطبه أخرج اللهَ من مقدّمتك ابتداءً: ﴿هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ﴾ ٤ — «الأول الذي ليس قبله شيء» ٥ — و﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ٦، أي «ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة» ٧؛ ثمّ يسوق القسمةَ نفسَها عليك: ﴿أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ﴾ ٨ — «وكلا الأمرين باطل ومستحيل» ٩. ولا أزعم أنّ سؤالَك سقط: سقطت صيغتُه وبقي مضمونُه — أنّ نقطةَ التوقّف اعتباطية — منتقلًا من «الشيء» إلى تعريف «الممكن» وإلى دعوى أنّ الكونَ منه ١٠.
١ البرهانُ لا يقول «كلُّ شيءٍ له خالق» — لو قاله لهدم نفسَه في سطرين. يقول: «كلُّ ممكنٍ له علّة»، والممكنُ ما يستوي في حقّه الوجودُ والعدم.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
٢ خصومُ البرهان أنفسُهم يستعملون القسمةَ في محلّها بعينه — أوبي يقول إنّ للطبيعيّ أن يضع حالةً أوّليةً واجبةَ الوجود للكون الفيزيائيّ، فيردّ بها عليك. وأداةٌ يستعملها خصمُك ضدَّك ليست مفصَّلةً على مقاسك.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
٣ فأرشدهم بهذه الآية إلى بطلان التسلسل الباطل ببديهة العقل، وأن سلسلة المخلوقات في ابتدائها تنتهي إلى أول ليس قبله شيء، كما تنتهي في آخرها إلى آخر ليس بعده شيء … ولو كان قبله شيء يكون مؤثرا فيه لكان ذلك هو الرب الخلاق، ولا بد أن ينتهي الأمر إلى خالق غير مخلوق وغني عن غيره
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٤٢١ · افتح الموضع
٤ هُوَ ٱلْأَوَّلُ وَٱلْءَاخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
سورة الحديد ٥٧:٣ · افتح الموضع
٥ هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، والظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء
التفسير الميسّر · سورة الحديد ٥٧:٣ · افتح الموضع
٦ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
سورة الإخلاص ١١٢:٣ · افتح الموضع
٧ ليس له ولد ولا والد ولا صاحبة.
التفسير الميسّر · سورة الإخلاص ١١٢:٣ · افتح الموضع
٨ أَمْ خُلِقُوا۟ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَٰلِقُونَ
سورة الطور ٥٢:٣٥ · افتح الموضع
٩ أخُلِق هؤلاء المشركون من غير خالق لهم وموجد، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ وكلا الأمرين باطل ومستحيل.
التفسير الميسّر · سورة الطور ٥٢:٣٥ · افتح الموضع
١٠ الذي سقط صيغةٌ بعينها: «كلُّ شيءٍ له خالق، فمن خلق الله؟» — هذه تُلزم البرهانَ بمقدّمةٍ لم يقلها. وأمّا مضمونُ الاعتراض — أنّ نقطةَ التوقّف اعتباطية — فلم يسقط، إنّما انتقل: من اعتباطيّةٍ في «الشيء» إلى اعتباطيّةٍ في تعريف «الممكن» وفي دعوى أنّ الكونَ منه.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
١١ التعقيدُ الذي يُعتدّ به في تقويم الفروض ليس غنى الأثر ولا صعوبة التصوّر. هو عددُ ما تفترضه ونوعُه: كم كيانًا؟ وكم خاصّيةً مستقلّة؟ وكم رقمًا حرًّا يجب أن تضبطه بيدك؟
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
١٢ قولك «قدرةٌ لا نهاية لها» و«علمٌ لا نهاية له» ليس أعقدَ من «قدرةٌ بمقدارٍ معيّن»، بل أبسطُ منه بهذا المقياس — لأنّ اللانهائيَّ لا رقمَ فيه يُضبط، والمقدارُ المعيّن يستدعي سؤالًا زائدًا: ولماذا هذا المقدارُ دون غيره؟ وهذه هي حجّةُ ريتشارد سوينبرن في موضعها.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
١٣ هذا يردّ صياغةَ مقدار القدرة، ولا يمسّ صياغةَ التحديد ألبتّة. فالقدرةُ اللانهائية لا تحدّد أيَّ عالمٍ يُراد؛ والمعامِلُ الحرُّ في مضمون الإرادة لا في مقدار القدرة. فمن قال إنّ ذاتًا عالمةً مريدةً ليست خاليةً من المعامِلات — إذ لها معرفةٌ بمضمونٍ بعينه وإرادةٌ لمقاصدَ بعينها، وكلُّ ذلك يحتاج تحديدًا — فقد أصاب موضعًا لم أجب عنه.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
١٤ ويبقى الأصعبُ قائمًا في ثلاثة: لماذا يكون الواجبُ إلهًا لا حالةً فيزيائيةً أولى؟ وما دليلُ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة»؟ وكيف يُدفع الانهيارُ الجهيّ؟ لا جوابَ حاسمًا عندي في واحدٍ منها، ولا عند من قرأتُ لهم من الطرفين.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
يَأتي الشَّيطانُ أحَدَكُم فيَقولُ: مَن خَلَقَ كَذا؟ مَن خَلَقَ كَذا؟ حتَّى يَقولَ: مَن خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذا بَلَغَه فليَستَعِذْ باللهِ وليَنتَهِ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 3276 صحيح
يَأتي الشَّيطانُ أحَدَكُم فيَقولَ: مَن خَلَقَ كَذا وكَذا؟ حتَّى يَقولَ له: مَن خَلَقَ رَبَّك؟ فإذا بَلَغَ ذلك، فليَستَعِذْ باللهِ وليَنْتَهِ. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 134 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا دفاعٌ عن لفظٍ لا عن دعوى. خذ الاعتراضَ في أمتن صوره، لا في صورة «التعقيد» التي تسهل عليك: أيُّ كيانٍ ينتقي هذا العالمَ بعينه من بين ما لا يُحصى من العوالم الممكنة لا بدّ أن يحمل في نفسه من التحديد قدرَ ما ينتقيه؛ فإرادةٌ متعلّقةٌ بهذه القوانين دون غيرها معامِلٌ حرٌّ، سواءٌ سمّيتَه رقمًا في معادلةٍ أو مضمونًا في إرادة. فأنت لم تُنقص معامِلًا واحدًا، إنّما نقلتَه من الفيزياء إلى اللاهوت ثمّ سمّيتَه بسيطًا. والمفسِّرُ عندك أثقلُ من المفسَّر — وذاك عينُ ما كنّا نطلب تفسيرَه.
الجوابُ عن نصفِه، والاعترافُ بالنصف الآخر. فالتعقيدُ الذي يُعتدّ به في تقويم الفروض ليس غنى الأثر ولا صعوبةَ التصوّر، بل «عددُ ما تفترضه ونوعُه: كم كيانًا؟ وكم خاصّيةً مستقلّة؟ وكم رقمًا حرًّا يجب أن تضبطه بيدك؟» ١١؛ وبهذا المقياس يجيب سوينبرن أنّ «قدرةٌ لا نهاية لها» أبسطُ لا أعقدُ من «قدرةٌ بمقدارٍ معيّن»، لأنّ اللانهائيَّ لا رقمَ فيه يُضبط والمقدارَ المعيّن يستدعي سؤالًا زائدًا ١٢. لكنّ هذا يردّ صياغةَ مقدار القدرة ولا يمسّ صياغةَ التحديد ألبتّة، ومن قال إنّ ذاتًا عالمةً مريدةً ليست خاليةً من المعامِلات «فقد أصاب موضعًا لم أجب عنه» ١٣. ويبقى الأصعبُ قائمًا في ثلاثة — لماذا يكون الواجبُ إلهًا لا حالةً فيزيائيةً أولى، وما دليلُ مبدأ «لكلّ ممكنٍ علّة»، وكيف يُدفع الانهيارُ الجهيّ — بلا جوابٍ حاسمٍ «عندي في واحدٍ منها، ولا عند من قرأتُ لهم من الطرفين» ١٤.
-
أليس «الإعجاز العلميّ» في القرآن دليلًا كافيًا؟ وهل تصمد دعاواه؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع، وأوّلُ من يقوله نحن: عددنا بالحاسوب دعاوى عدديّةً مشهورةً تُساق في كتب «الإعجاز» فخالف العدُّ أربعًا كنّا نعرضها فأسقطناها، لا لأنّها تضرُّنا في الجدل بل لأنّها كانت قابلةً للاختبار فاختُبرت فسقطت ١. والقرآنُ لم يتحدَّ بعلمٍ قطُّ؛ تحدّيه المنصوصُ أن يُؤتى بسورةٍ من مثله ٢. والباقلانيُّ — وكتابه أشهرُ ما صُنِّف في الباب — بنى وجوهَ الإعجاز على ثلاثة: الإخبارُ عن الغيوب، والإنباءُ عن قصص الأوّلين، وبراعةُ النظم والتأليف؛ وليس فيها العلم ٣. بل إنّ الزركشيَّ يضع الآياتِ التي عليها مدارُ أكثرِ هذه الدعاوى — نزولُ الغيث وما في الأرحام — في قسمٍ «لا مساغ للاجتهاد في تفسيره» ٤. وأمّا التنبّؤُ الذي تطلبه فموجودٌ وليس علميًّا: ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ … وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ﴾ ٥ — مدًى محدودٌ لا يزيد على عشر سنواتٍ ولا ينقص عن ثلاث، قيل ساعةَ الهزيمة، ووقع بعد سبع ٦. وهذا هو الصنفُ الذي يُوزَن لأنّه كان يمكن أن يُنقض؛ ومن قرأ في نصٍّ خبرًا عن الطبيعة تقريرًا علميًّا فقد قبِل الامتحان بيده: إن خالفه ما يُقاس لزمه أن يُسقط قراءتَه ٧.
١ وعددنا بالحاسوب دعاوى عدديّةً مشهورةً تُساق في كتب «الإعجاز»، فخالف العدُّ أربعًا كنّا نعرضها فأسقطناها. ولم نُسقطها لأنّها تضرّنا في الجدل، بل لأنّها كانت قابلةً للاختبار فاختُبرت فسقطت.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٢ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٣ والفصل الرابع ص 72: عقده لشرح ما بينه من وجوه إعجاز القرآن الثلاثة السابقة، وهى الاخبار عن الغيوب، والانباء عن قصص الاولين وسير المتقدمين وبراعة النظم والتأليف والرصف.
الباقلاني · إعجاز القرآن — من عرض الكتاب في مقدّمة الطبعة ص١٨ · افتح الموضع
٤ الثالث: ما لا يعلمه إلا الله تعالى فهو ما يجري مجرى الغيوب نحو الآي المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام وتفسير الروح والحروف المقطعة وكل متشابه في القرآن عند أهل الحق فلا مساغ للاجتهاد في تفسيره ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه إما نص من التنزيل أو بيان من النبي صلى الله عليه وسلم أو إجماع الأمة على تأويله فإذا لم يرد فيه توقيف من هذه الجهات علمنا أنه مما استأثر الله تعالى بعلمه
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٦٥ · افتح الموضع
٥ غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِى بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍۢ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ
سورة الروم ٣٠:٢–٤ · افتح الموضع
٦ غَلَبت فارسُ الرومَ في أدنى أرض "الشام" إلى "فارس"، وسوف يَغْلِب الرومُ الفرسَ في مدة من الزمن، لا تزيد على عشر سنوات ولا تنقص عن ثلاث… وقد تحقق ذلك فغَلَبَت الرومُ الفرسَ بعد سبع سنين، وفرح المسلمون بذلك؛ لكون الروم أهل كتاب وإن حرَّفوه.
التفسير الميسّر · سورة الروم ٣٠:٢ · افتح الموضع
٧ فما شكلُ الدعوى القابلة للتكذيب في كلامٍ يُنسب إلى إله؟ أن يقول شيئًا يمكن لواقعةٍ أن تنقضه… أو يُقرأ فيه خبرٌ عن الطبيعة على أنّه تقريرٌ علميّ. وهذا الأخيرُ بابٌ يدخله كثيرٌ من أهلي، ومن دخله فقد قبِل الامتحان بيده: إن خالفه ما يُقاس لزمه أن يُسقط قراءتَه كما نُسقط العدد.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٨ وقال ابن الفضل المرسي في تفسيره جمع القرآن علوم الأولين والآخرين بحيث لم يحط بها علما حقيقة إلا المتكلم بها ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم خلا ما استأثر به سبحانه وتعالى
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣٣١ · افتح الموضع
٩ وقال الرماني وجوه إعجاز القرآن تظهر من جهات ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة والتحدي للكافة والصرفة والبلاغة والإخبار عن الأمور المستقبلة ونقض العادة وقياسه بكل معجزة
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣٢١ · افتح الموضع
١٠ وأصدقُ ما فيه أنّه يُسقط ولا يُثبت. لو اجتاز نصٌّ الأربعةَ كلَّها لم يلزم منه أنّه من الله؛ يلزم منه أنّه نجا من أربعة أبوابٍ يسقط فيها أكثرُ ما يُدَّعى.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا انسحابٌ لا جواب. أسقطتم «الإعجاز العلميّ» فبقي في يدكم إعجازٌ بلاغيٌّ لا يُقاس ولا يعرفه إلا من أتقن لغتَكم — أي دليلٌ لا يصل إلا إلى من صدّق قبل أن يراه. وأمّا الروم فخبرُ حربٍ بين إمبراطوريّتين متحاربتين: النتيجةُ احتمالان لا ثالثَ لهما، و«بضع سنين» تسع كلَّ ما بين ثلاثٍ وعشر، ومن راهن على انقلاب حربٍ طويلةٍ أصاب نصفَ الوقت بلا وحي. ثمّ إنّ استشهادكم بالزركشيّ والباقلانيّ انتقاء: هما لم يعرفا العلمَ الحديث فسكوتُهما عنه ليس نفيًا له، وفي تراثكم من قال إنّ القرآن جمع علوم الأوّلين والآخرين — ومن ذلك البابِ بعينه خرجت الصناعةُ التي تتبرّؤون منها اليوم.
الانتقاءُ صحيحٌ في شطره فأُقرُّ به: في الإتقان أنّ ابن الفضل المرسيّ قال «جمع القرآن علوم الأولين والآخرين» ٨، وهو الجذرُ الذي نبتت منه الصناعةُ الحديثة، لا شيءٌ نخفيه. وأمّا الرومُ فاعتراضُك في محلّه بقدره: احتمالان ومدًى سبعُ سنواتٍ ليسا برهانًا قاطعًا، ولستُ أسوقها برهانًا بل نموذجًا لشكل الدعوى التي تدخل الميزان — فرقُها عن القراءة العلميّة أنّها كانت تسقط لو انقضت المدّةُ ولم تقع، والقراءةُ العلميّةُ لا تسقط أبدًا لأنّها تُعاد صياغتُها بعد كلّ نتيجة. وأمّا البلاغةُ فليست ذوقًا في صياغة القدماء لها: أوّلُ وجوهها عند الرمّانيّ «ترك المعارضة مع توفر الدواعي وشدة الحاجة» ٩ — وتلك دعوى تاريخيّةٌ عامّةٌ تُنقض بالتاريخ لا بالذوق، ونقضُها أن يُؤتى بالمعارضة. وآخرُ ما أقوله لك أنّ هذا الميزانَ كلَّه «يُسقط ولا يُثبت»، ولو اجتاز نصٌّ أبوابَه لم يلزم منه أنّه من الله ١٠ — فمن باعك «الإعجاز العلميّ» دليلًا قاطعًا باعك ما لا يملك، ولستُ أعرض عليك بديلًا قاطعًا مكانه.
-
أليس العلمُ قد أغنى عن فرضية الإله؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: لم يُخلِ العلمُ ميدانًا كان لله، وإنّما أجاب عن سؤالٍ غيرِ الذي سُئل — «كيف يجري ما يجري» لا «لِمَ يوجد شيءٌ يجري أصلًا، ولِمَ ينتظم» ١. وهذا لا يُثبت إلهًا ولا يقاربه؛ غايتُه إسقاطُ دعوى أنّ العلمَ أثبت عدمَه ١. والانسحابُ الذي تصفه واقعٌ فعلًا، لكن في صنفٍ واحدٍ من الاستدلال: ما استند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ رهنُ ورقةٍ تُنشر غدًا، وما استند إلى نجاح الوصف نفسِه لا يزول بمزيدٍ من التفسير ٢. وأمّا دعوى أنّ الإله كان دائمًا اسمًا لما لا نعرف فيكذّبها متنُ التراث نفسُه: ابنُ القيّم يُثبت الأسبابَ والمسبَّبات ويُبطل قولَ من أنكرها ٣، ويقرّر أنّ حقيقة التوحيد لا تتمّ إلا بمباشرة الأسباب وأنّ تعطيلها يقدح في التوكّل — فمعرفةُ الدواء عنده تمامُ التوحيد لا انسحابٌ منه ٤. والقرآنُ يسوق حجّتَه من المطّرد المعلوم لا من المجهول: اختلافِ الليل والنهار، وبثِّ الدوابّ، وتصريفِ الرياح والسحاب ٥ — وهي في التفسير الميسّر دلائلُ على وحدانيته «لقوم يعقلون مواضع الحجج» ٦.
١ الجوابُ في سطرين: العلمُ يجيب عن سؤال «كيف يجري ما يجري»، وسؤالُ الإله سؤالٌ عن «لِمَ يوجد شيءٌ يجري أصلًا، ولِمَ ينتظم». وتمامُ الجواب الأوّل ليس إبطالًا للثاني. وهذا لا يُثبت أنّ الله موجود — كلُّ ما يفعله أنّه يُسقط دعوى أنّ العلمَ أثبت أنّه غيرُ موجود؛ وهما شيئان مختلفان سأحرص على ألّا أخلطهما.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
٢ الاستدلالُ بالفجوة يستند إلى ما لم يُفسَّر بعدُ، فهو رهنُ ورقةٍ تُنشر غدًا. والاستدلالُ بالانتظام يستند إلى ما فُسِّر فعلًا، فموضوعُه لا يزول بمزيدٍ من التفسير — لأنّه سؤالٌ عن الوصف الناجح نفسِه لا عمّا يعوزه.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
٣ فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، ويجوز أن يكون قوله: ( «لكل داء دواء» ) ، على عمومه حتى يتناول الأدواء القاتلة، والأدواء التي لا يمكن لطبيب أن يبرئها، ويكون الله عز وجل قد جعل لها أدوية تبرئها، ولكن طوى علمها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه سبيلا؛ لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٢ · افتح الموضع
٤ وفي الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش، والحر، والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٣ · افتح الموضع
٥ إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ
سورة البقرة ٢:١٦٤ · افتح الموضع
٦ إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر … لآياتٍ على وحدانية الله، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:١٦٤ · افتح الموضع
٧ ولستُ أدّعي لهذا الفارقِ حصانة. فالتاريخُ يُري أنّ ما ظُنّ انتظامًا نهائيًّا رُدَّ إلى انتظامٍ أعمّ: مداراتُ الكواكب عند نيوتن احتاجت تدخّلًا إلهيًّا يثبّتها من الاضطراب التراكميّ، ثمّ استغنت عنه لمّا عولجت المسألةُ رياضيًّا بعده بقرن — وذاك انتظامٌ لا فجوةٌ في الوصف.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
٨ وهو ليس احتمالًا. هو نسبةُ حجمين في فضاءٍ رياضيّ — مقامُ الكسر لا بسطُه — وموضوعُه انخفاضُ إنتروبيا الحالة الابتدائية. وأدهى من ذلك: بنروز نفسُه يسوقه طلبًا لتفسيرٍ فيزيائيّ، وقد اقترح لذلك قانونًا سنة ١٩٧٩ (فرضيّةُ انحناء فايل). فالفجوةُ التي بُني عليها استدلالٌ عندنا كان صاحبُ رقمها يطلب لها سدًّا من الفيزياء قبل أن يُنقل إلينا بعقود.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
٩ ثمّ إنّ الاستدلال بالانتظام نفسَه — وهو أمتنُ ما في هذا الفصل — أضعفُ ما في اللاهوت الطبيعيّ عند من راجعه بأمانة: هو يسمّي لغزًا حقيقيًّا ولا يقدّم فرضًا مقيَّدًا يُختبر. ومن قال إنّ الاطّراد واقعةٌ خامّةٌ لا تُفسَّر لم يقع في تناقض. فلا حسم هنا، وسأقولها كلّما صحّت.
١٣. أليس العلمُ قد أغنى؟ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تقسيمٌ صُنع بعد الهزيمة: كلَّما سقط ميدانٌ قلتم إنّه لم يكن ميدانَنا أصلًا. و«الانتظام» ليس إلا الفجوةَ الأخيرة بلفظٍ أنظف — فما ظُنّ انتظامًا نهائيًّا رُدّ إلى انتظامٍ أعمّ مرّةً بعد مرّة، فعلامَ نُراهن على صمود الحلقة الأخيرة وقد سقط ما قبلها كلُّه؟ ثمّ إنّكم أنفسَكم بنيتم على الفجوات ورُوّجت عندكم أرقامٌ على غير وجهها.
صحيحٌ كلُّه، ومقولٌ في الفصل نفسِه قبل أن يُقال هنا: صاحبُه يُعلن أنّه لا يدّعي للفارق حصانة، ويسوق مداراتِ نيوتن مثالًا — احتاجت تدخّلًا إلهيًّا يثبّتها ثمّ استغنت عنه لمّا عولجت المسألةُ رياضيًّا بعده بقرن ٧. وأمّا الأرقامُ المروَّجة فيَعُدّها عليه لا له: رقمُ بنروز ليس احتمالًا، وبنروز نفسُه ساقه طلبًا لتفسيرٍ فيزيائيّ واقترح له قانونًا سنة ١٩٧٩ — فصاحبُ الرقم كان يطلب سدَّ الفجوة قبل أن يُنقل إلينا بعقود ٨. بل يقرّر أنّ الاستدلال بالانتظام، وهو أمتنُ ما عنده، أضعفُ ما في اللاهوت الطبيعيّ عند من راجعه بأمانة، وأنّ من قال إنّ الاطّراد واقعةٌ خامّةٌ لا تُفسَّر لم يقع في تناقض ٩. فالباقي بعد هذا ليس ترجيحًا لجهة، بل أنّ «العلمُ أغنى» جوابٌ عن سؤالٍ غيرِ المسؤول ١.
-
لو أراد الله أن يُعرف فلماذا كتابٌ يُختلف في تأويله بدل آيةٍ يراها الجميع؟
الأمرُ على خلاف ما تفترضه المقدّمة: النصُّ لا يزعم أنّ الآيةَ القاهرةَ متعذّرةٌ عليه، بل يقول إنّها ممكنةٌ وأنّها حُبست عمدًا — ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ﴾ ١ — «ولكننا لم نشأ ذلك؛ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختيارًا» ٢. وقد جُرِّبت القناةُ القاهرةُ فلم تُنتج ما يُظنّ بها: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ ٣، «فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا» ٤، بل حتّى الكتابُ المرئيُّ الملموسُ باليد لا يحسم: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ﴾ ٥. و«لغةٌ واحدةٌ ورجلٌ واحدٌ وقرنٌ واحد» نقيضُ ما يقوله النصُّ عن نفسه لا وصفُه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ٦، و«ولكل أمة رسول يرشدهم إلى الله تعالى» ٧ — فاللسانُ الواحدُ وصفُ كلّ إرسالٍ لا خصيصةُ هذا. والآيةُ الكونيّةُ التي يراها الجميع مُدَّعاةٌ في النصّ لا مستبعَدةٌ منه: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ ٨ — «وفي أقطار السماوات والأرض، وما يحدثه الله فيهما من الحوادث العظيمة، وفي أنفسهم وما اشتملت عليه من بديع آيات الله» ٩. وأمّا لماذا نصٌّ بعد ذلك، فالمقايضةُ مصرَّحٌ بها عند أشهر من دافع عن معجزة النصّ: كلُّ نبيٍّ أُعطي ما يبهر أهلَ صنعةِ عصرهم — الطبُّ لقوم عيسى والسحرُ لقوم موسى — «ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها (6) الأول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة» ١٠. و«الاختلافُ في التأويل» مقرَّرٌ في النصّ ومحصورٌ بموضعه لا شاملٌ له: ﴿مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ﴾ ١١، وهنّ «أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه» ١٢.
١ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةًۭ فَظَلَّتْ أَعْنَٰقُهُمْ لَهَا خَٰضِعِينَ
سورة الشعراء ٢٦:٤ · افتح الموضع
٢ إن نشأ ننزل على المكذبين من قومك من السماء معجزة مخوِّفة لهم تلجئهم إلى الإيمان، فتصير أعناقهم خاضعة ذليلة، ولكننا لم نشأ ذلك؛ فإن الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب اختيارًا.
التفسير الميسّر · الشعراء ٢٦:٤ · افتح الموضع
٣ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا
سورة الإسراء ١٧:٥٩ · افتح الموضع
٤ وما منعَنا من إنزال المعجزات التي سألها المشركون إلا تكذيب مَن سبقهم من الأمم، فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا. وأعطينا ثمود -وهم قوم صالح- معجزة واضحة وهي الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:٥٩ · افتح الموضع
٥ وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَٰبًۭا فِى قِرْطَاسٍۢ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ
سورة الأنعام ٦:٧ · افتح الموضع
٦ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
سورة إبراهيم ١٤:٤ · افتح الموضع
٧ ويقول كفار "مكة": هلا جاءته معجزة محسوسة كعصا موسى وناقة صالح، وليس ذلك بيدك -أيها الرسول- فما أنت إلا مبلِّغ لهم، ومخوِّف مِن بأس الله. ولكل أمة رسول يرشدهم إلى الله تعالى.
التفسير الميسّر · الرعد ١٣:٧ · افتح الموضع
٨ سَنُرِيهِمْ ءَايَٰتِنَا فِى ٱلْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ
سورة فصلت ٤١:٥٣ · افتح الموضع
٩ سَنُري هؤلاء المكذبين آياتنا من الفتوحات وظهور الإسلام على الأقاليم وسائر الأديان، وفي أقطار السماوات والأرض، وما يحدثه الله فيهما من الحوادث العظيمة، وفي أنفسهم وما اشتملت عليه من بديع آيات الله وعجائب صنعه، حتى يتبين لهم من تلك الآيات بيان لا يقبل الشك أن القرآن الكريم هو الحق الموحَى به من رب العالمين.
التفسير الميسّر · فصلت ٤١:٥٣ · افتح الموضع
١٠ كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا … ثم كانت هذه المعجزة / مما يقف عليها (6) الأول والآخر وقوفا واحدا، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة.
الباقلاني · إعجاز القرآن ص١٠٢ · افتح الموضع
١١ هُوَ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ مِنْهُ ءَايَٰتٌۭ مُّحْكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلْكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٌۭ ۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ
سورة آل عمران ٣:٧ · افتح الموضع
١٢ هو وحده الذي أنزل عليك القرآن: منه آيات واضحات الدلالة، هن أصل الكتاب الذي يُرجع إليه عند الاشتباه، ويُرَدُّ ما خالفه إليه، ومنه آيات أخر متشابهات تحتمل بعض المعاني، لا يتعيَّن المراد منها إلا بضمها إلى المحكم
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:٧ · افتح الموضع
١٣ وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو (2) أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه (3) ناقضا للعادة، من غير تأمل شديد، ولا نظر بعيد. … فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات، والكشف عن أمور نحن ذاكروها بعد هذا الموضع.
الباقلاني · إعجاز القرآن ص٣١ · افتح الموضع
١٤ أهو موجودٌ بلغته الأولى، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ انظر: بأيّ لسانٍ قيل إنّه نزل؟ وهل بين يديك اليومَ نصٌّ بذلك اللسان، أم أنّ ما تقرؤه منقولٌ عن نقل؟ وكلُّ حلقةٍ في هذه السلسلة موضعُ تسرُّب.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٥ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف … لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٦ وما هو أثقلُ ممّا يُظنّ: الخفاءُ الإلهيّ. أثقلُ في نظري من الشرّ عند من بحث بصدقٍ فلم يجد، لأنّه يمسّه هو لا يمسّ العالم.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
وهذا كلُّه دَوْر: كلُّ ما سيق جوابًا مأخوذٌ من الكتاب المتنازَع في مصدره، ومن سُئل «لِمَ اخترتَ أسوأ قناة؟» فأجاب باقتباسٍ من القناة نفسِها لم يُجب بشيء. وأصرحُ من ذلك أنّ العيبَ مُقَرٌّ به داخل التقليد لا من خارجه: «وهذا وإن كان يفارق فلق البحر، وإخراج اليد البيضاء ونحو ذلك من وجه، فهو (2) أنه يستوي الناس في معرفة عجزهم عنه، بكونه (3) ناقضا للعادة، من غير تأمل شديد، ولا نظر بعيد» [[13]] — أي أنّ المدافعَ عن معجزة النصّ يُقرّ بأنّ الآيةَ المحسوسةَ يستوي الناسُ أمامها بلا تأمّل، وأنّ قناتَه هو أضيقُ بابًا؛ وذاك عينُ الاعتراض بلفظ صاحب الدعوى. وأثقلُ منهما ما في ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ﴾ [[3]]: قرنٌ يُحرَم البيانَ الحاسمَ بجريرة قرنٍ سبقه لم يره ولم يختره.
الإقرارُ مقبولٌ ولا يُدفع: النصُّ أضيقُ بابًا في أوّل لقاء، وهو منصوصٌ عليه في الموضع نفسِه: «فإن النظر في معرفة إعجاز القرآن يحتاج إلى تأمل، ويفتقر إلى مراعاة مقدمات» ١٣. لكنّ المقايضةَ معلَنةٌ لا مخفيّة: يُدفع اليسرُ في اللحظة ويُؤخذ أن يقف عليها «الأول والآخر وقوفا واحدا» ١٠ — والآيةُ المحسوسةُ يستوي أمامها حاضروها وحدَهم، ومن بعدهم لا يواجه آيةً بل خبرًا عن آية. وثمنُ هذه المقايضة أنّ الدعوى تصير قابلةً للفحص، وهو ما تعجز عنه واقعةٌ انقضت: «أهو موجودٌ بلغته الأولى، أم بترجمةٍ عن ترجمة؟ … وكلُّ حلقةٍ في هذه السلسلة موضعُ تسرُّب» ١٤ — فاللسانُ الواحدُ الثابتُ شرطُ الاختبار لا عيبُه. وصاحبُ الدعوى يكتب شرطَ إبطالها بيده: «لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل … نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات … لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها» ١٥. وأمّا الدَوْرُ فقائمٌ ولا أدفعه: هذه أجوبةٌ داخليّةٌ لا تُلزم من لم يسلّم بالمصدر، والكتاب يكتب أنّ الخفاءَ الإلهيّ «أثقلُ في نظري من الشرّ عند من بحث بصدقٍ فلم يجد، لأنّه يمسّه هو لا يمسّ العالم» ١٦.
-
أليس القرآن منقولًا عمّا سبقه من كتبٍ وحكايات؟
لا، والدعوى مقلوبة: القرآنُ لا يُخفي التوارُدَ بل يدّعيه — ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ١، وتفسيرُه الميسّر: «وإنَّ ذِكْرَ هذا القرآن لَمثبتٌ في كتب الأنبياء السابقين» ٢ — فالذي تسوقه دليلَ نقلٍ هو نصُّ دعواه. والتهمةُ بحرفها ليست حديثةً، بل منقولةٌ فيه عن معاصريه: ﴿وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا﴾ ٣، وصورتُها الثانية مسمّاةٌ في التفسير: «وقالوا: تعلَّمه من الكتب السابقة أو استنسخه منها» ٤. ولمّا عيّنوا المعلِّمَ باسمه كان الجوابُ في المُنتَج لا في المخالطة: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ﴾ ٥، ويقول الزركشيُّ إنّهم قالوها «مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا» ٦. وأقربُ من جرَّب فرضَك جرَّبه علانيةً وبقي اسمُه: النضرُ بن الحارث «دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد» ٧. ولذلك نُقل الخصامُ من «أسمِع الرجلُ القصص؟» إلى شرطٍ يُنقض بورقة: «تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا افتراه» ٨.
١ وَإِنَّهُۥ لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ
سورة الشعراء ٢٦:١٩٦ · افتح الموضع
٢ وإنَّ ذِكْرَ هذا القرآن لَمثبتٌ في كتب الأنبياء السابقين، قد بَشَّرَتْ به وصَدَّقَتْه.
التفسير الميسّر · الشعراء ٢٦:١٩٦ · افتح الموضع
٣ وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا
سورة الفرقان ٢٥:٥ · افتح الموضع
٤ من معجزاتك البينة -أيها الرسول- أنك لم تقرأ كتابًا ولم تكتب حروفًا بيمينك قبل نزول القرآن عليك، وهم يعرفون ذلك، ولو كنت قارئًا أو كاتبًا من قبل أن يوحى إليك لشك في ذلك المبطلون، وقالوا: تعلَّمه من الكتب السابقة أو استنسخه منها.
التفسير الميسّر · العنكبوت ٢٩:٤٨ · افتح الموضع
٥ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ
سورة النحل ١٦:١٠٣ · افتح الموضع
٦ وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٠٣ · افتح الموضع
٧ قالوا: وحيثما جاء في القرآن {أساطير الأولين} فقائلها النضر بن الحارث بن كلدة وإنما كان يقولها لأنه دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد وإنما يحدثكم أساطير الأولين وفيه نزل: {ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} وقتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا يوم بدر
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٥٦ · افتح الموضع
٨ واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تحدى العرب قاطبة بالقرآن حين قالوا افتراه فأنزل الله عز وجل عليه: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله} فلما عجزوا عن الإتيان بعشر سور تشاكل القرآن قال تعالى: {فأتوا بسورة من مثله}
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٩٠ · افتح الموضع
٩ اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّ الحماس، وأكثرُ ممّا يظنّ الرفض.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
١٠ هو مرجِّحٌ لا برهان، ولا يعمل إلا بعد التساوي. أي أنّه قاعدةُ اختيارٍ بين فرضين تساويا في تفسير المعطى. فإن لم يتساويا لم يعمل أصلًا — والفرضُ الأبسط الذي لا يفسّر المعطى يُطرح، ولا يشفع له أنّه أبسط.
١٥. من خلق الله؟ وموسى أوكام · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
وهذا كلُّه شهادةُ الخصم على نفسه. ﴿لَفِى زُبُرِ ٱلْأَوَّلِينَ﴾ ليست جوابًا بل إقرارٌ لُبِّس ثوبَ الفضيلة: من قيل له «كلامُك منقول» فقال «نعم، وذاك دليلي» لم يدفع التهمة، إنّما رقّاها إلى عقيدة. والأمّيّةُ خبرٌ يرويه أتباعُه عن نفسه، والزركشيُّ مسلمٌ يكتب بعد ثمانية قرون فليس بشاهدٍ محايد. والنضرُ بن الحارث قتلَه الفريقُ المنتصر ثمّ رَوى هو هزيمتَه. وأمّا «فأتوا بسورة من مثله» فمِسطرةُ ذوقٍ لا اختبار: من الحَكَم، وبأيّ مقياسٍ يُقال إنّ هذه «مثلُه»؟
شقُّك الأوّل صحيحٌ ونقبله كما هو: الأمّيّةُ وخبرُ النضر كلاهما من داخل التقليد، ولذلك لا يُقدَّمان برهانًا — و«اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص» ٩. والعطبُ في شقّك الثاني: أنت لا تُجري ترجيحًا بل تفترضه، والموسى «مرجِّحٌ لا برهان، ولا يعمل إلا بعد التساوي… فإن لم يتساويا لم يعمل أصلًا» ١٠. والتساوي هو المطلوبُ إثباتُه لا المُسلَّم: فرضُك يفسّر توارُدَ القصص وحدَه، وعليه بعدُ أن يفسّر لماذا يُصرّح «الناقلُ» لخصومه أنّ ما يقوله مثبتٌ في كتب من قبله ١، ولماذا يُعلّق دعواه على شرطٍ يُسقطها إن أُتي بمثله ٨، ولماذا كان جوابُه عن تعيين معلِّمه حجّةً في اللسان ٥. وأمّا النضرُ فروايتُه تحمل ما يضرّني وما يضرّك في سطرٍ واحد: أنّه «قتله النبي صلى الله عليه وسلم صبرا يوم بدر»، وأنّ التجربةَ مع ذلك أُجريت وسُمِّي صاحبُها ولم يُطوَ خبرُه ٧.
-
بأيّ ميزانٍ تُختبر دعوى أنّ الله تكلَّم؟
المعيارُ واحدٌ ويُقال بلفظه: أن تُسمّي مقدَّمًا ما لو وقع أسقط دعواك — والمعيارُ الذي تصوغه بعد أن تعلم أيَّ دعوًى تريد إنجاحَها ليس معيارًا بل وصفًا لها، ولك أن تشطب كلَّ ما بدا لك مفصَّلًا على مقاسٍ ١. وهو مُجرًى على صاحبه في الورقة نفسِها: يُكتب الشرطُ بحدوده — مصحفٌ من القرن الأوّل، من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصم ولا تنصر، خلافٌ في الكلمات لا في النقط، لا تردّه قراءةٌ بسندها — ويُقال إنّ الأرشيفَ الذي يُجرى فيه قائمٌ اليومَ وباحثوه غيرُ متّفقين ونتيجتُه غيرُ معلومةٍ قبل وقوعها ٢. وليس مبتكَرًا لهذا الجواب: الباقلانيُّ يضع النقضَ في تعريف المعجز نفسِه — «لو صحّ أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز» ٣ — ويقول إنّ صاحبَ الدعوى جعل التحدّيَ دلالةَ صدقه وجعل نقضَه أرخصَ على خصومه من القتال والجلاء عن الأوطان ٤. والنصُّ يقول شرطَه بنفسه: ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ ٥، و﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ ٦ — أي يعلّق صدقَه على نظرٍ يُجرى في نسقه ٧. وما يُثقلني في هذا لا أطويه: الكتابُ يُقرّ أنّ معيارًا آخر من معاييره «يحابي نصًّا كنصّنا»، وأنّه حذف ترتيبَ معاييره لأنّ الترتيبَ بعد معرفة الجواب هو العلّةُ عينُها لا فرعُها، وأنّه لم يُجرِ الميزانَ على نصّه في الكتاب ٨.
١ الأوّل: الميزانُ يُوضع قبل أن تعرف الجواب. المعيارُ الذي تصوغه بعد أن تعلم أيَّ دعوًى تريد إنجاحَها ليس معيارًا، بل وصفًا لها. فلو كان في الأربعة معيارٌ مفصَّلٌ على مقاسنا فأنت في حقّك أن تشطبه. وسأُسمّي لك في المعيار الثالث شرطًا واحدًا بعينه لو وقع لقلتُ إنّ دعوانا باطلة؛ لأنّ من طالبك بشرط التكذيب أربعَ صفحاتٍ ثمّ لم يذكر شرطَ نفسِه، سقط في معياره في الورقة التي وضعه فيها.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٢ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها. هذا شرطٌ مفتوحٌ اليوم، والأرشيفُ الذي أحلتُك عليه هو نفسُه موضعُ إجرائه، وباحثوه غيرُ متّفقين، ولا أعرف نتيجتَه قبل أن تقع.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
٣ …وإنما لا يقدر العباد على (4) الإتيان بمثله، لأنه لو صح أن يقدروا عليه بطلت (5) دلالة المعجز، وقد أجرى [الله] (6) العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم (7) ، وأن لا يقدروا عليه.
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٩٧ · افتح الموضع
٤ والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (3) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي.
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٢٩ · افتح الموضع
٥ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٦ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا
سورة النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
٧ أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
التفسير الميسّر · النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
٨ كانت مسوّدتُنا تجعل سلامةَ النقل «أقواها» وأثرَه في حامله «أضعفَها». … والترتيبُ بعد معرفة الجواب هو العلّةُ عينُها، لا فرعُها. فحُذف الترتيب. … وننبّه على أنفسنا: هذا المعيارُ بعينه يحابي نصًّا كنصّنا. … والفيصلُ أن يُجرى المعيارُ لا أن يُعلن، ونحن لم نُجره على نصّنا في هذا الكتاب ونقول ذلك.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٩ فكونُ الدعوى غيرَ قابلةٍ للتكذيب لا يجعلها كاذبة — يجعلها غيرَ مختبَرةٍ بهذه الأداة، وذاك شيءٌ آخر. … ونقرّ بصعوبتين: أنّ الشرطَ في الثانية والثالثة يفتح بابَ التأويل، ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل — وذاك عيبٌ في المعيار عندنا لا فضلٌ لنا.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
شرطُك مركَّبٌ من أربعة قيود — قرنٌ أوّل · جهةٌ محايدة · خلافٌ في الكلمات · لا تردّه قراءةٌ بسندها — وكلُّ قيدٍ منها مخرج. فأنت لم تضع شرطًا قبل أن تعرف الجواب، بل وضعتَ شرطًا تعلم أنّه لا يقع، ثمّ عددتَ وضعَه فضيلة. ثمّ إنّ قابلية التكذيب صاغها بوبر فصلًا بين العلم وغيره، فمدُّها إلى دعوى وحيٍ استعارةٌ لا ميزان. وأخيرًا: أن تُقرّ بأنّك لم تُجرِ ميزانَك على نصّك ليس نزاهةً، بل هو الاعترافُ بأنّ ما أعطيتني إعلانٌ لا إجراء.
القيدُ الأوّل صحيحٌ في محلّه ومكتوبٌ عندي قبلك: بابُ التأويل مفتوحٌ في هذا المعيار، «ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل — وذاك عيبٌ في المعيار عندنا لا فضلٌ لنا» ٩. وحدُّ بوبر مذكورٌ كذلك ولا يُطوى: غيرُ القابل للتكذيب لا يصير كاذبًا، يصير غيرَ مختبَرٍ بهذه الأداة وحدها ٩ — فالمعيارُ حدُّ الآلة لا حدُّ الحقيقة. وأمّا أنّ الشرطَ مأمونُ الوقوع فالفيصلُ فيه ليس رخصَه بل حياتَه: هو مفتوحٌ اليوم، وموضعُ إجرائه أرشيفٌ مسمًّى، ونتيجتُه غيرُ معلومةٍ لصاحب الشرط قبل أن تقع ٢. وقد جرى هذا الشكلُ من قبلُ بثمنٍ حقيقيّ: نقضُ التحدّي كان الأرخصَ على خصوم الدعوى وأغناهم عن الحرب والسبي فلم يفعلوه ٤، والحكمُ بأنّ المقدورَ عليه يُبطل الدلالة مكتوبٌ في تعريف المعجز نفسِه لا في دفاعٍ متأخّر ٣. ويبقى اعتراضُك الأخيرُ قائمًا كما قلتَه: الإجراءُ على النصّ لم يقع في الكتاب، وصاحبُه يقولها بلفظه ٨ — فخذ الميزانَ ولا تأخذ شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه.
-
تحدّي ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ — ما قيمتُه اختبارًا؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع في نقطةٍ واحدةٍ حاسمة: النصُّ لا يُبقي الحكمَ عند صاحب الدعوى، بل يُسلّمه إلى الخصم بلفظه — ﴿وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ و﴿وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ١ ٢. والمعيارُ مقيَّدٌ في النصّ لا مفتوح: يأذن التحدّي بأن تكون السورُ «مفترياتٍ» أي مختلَقةَ المضمون، فالمسابقةُ في النظم لا في صدق الخبر ٣ ٤. والملَكةُ الحاكمةُ ليست من إنشاء المسلمين: هي التي رتّبت جريرًا والفرزدقَ والأخطل، وزهيرًا والنابغة، والبحتريَّ وأصحابه — عاملةٌ في شعرٍ جاهليٍّ لا صلةَ له بالدعوى ٥. والجرجانيُّ يجيب عن سؤالك بعينه: المخاطَبون هم رواةُ ذلك الشعر وحفّاظُه والعارفون بمقاديره، فلو رأوا فيما حفظوا مزيّةً على القرآن أو قربًا منه لادّعوه ولنُقل عنهم ٦. ثمّ ضيّق الجهةَ حتى صارت تُفحص لا تُذاق: النظمُ عنده «توخي معاني النحو وأحكامه»، ولا مستنبَطَ لدليل الإعجاز سواها ٧. وأمّا كونُه اختبارًا فبقيدٍ في النصّ نفسِه: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟﴾ خبرٌ عن المستقبل — «وستعجزون مستقبلا لا محالة» — و﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا﴾ يسدّ عذرَ قلّة العدد وضعفِ الآلة ٨ ٩ ١٠.
١ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٢ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة يونس ١٠:٣٨ · افتح الموضع
٣ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَىٰهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا۟ بِعَشْرِ سُوَرٍۢ مِّثْلِهِۦ مُفْتَرَيَٰتٍۢ وَٱدْعُوا۟ مَنِ ٱسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة هود ١١:١٣ · افتح الموضع
٤ بل أيقول هؤلاء المشركون من أهل "مكة": إن محمدًا قد افترى هذا القرآن؟ قل لهم: إن كان الأمر كما تزعمون فأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وادعوا من استطعتم من جميع خلق الله ليساعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر، إن كنتم صادقين في دعواكم.
التفسير الميسّر · هود ١١:١٣ · افتح الموضع
٥ ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جريز والفرزدق والأخطل، والحكم بين فضل زهير والنابغة، أو الفضل (5) بين البحتري وأصحابه، ولم يعرف سخف (6) مسيلمة في نظمه، ولم يعلم أنه من الباب الذي يهزأ به ويسخر منه … فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم على ما بينا؟
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٨٦ · افتح الموضع
٦ قيل لهم: هذا الفصل على ما فيه لا يقدح في موضع الحجة، وذلك أنهم كانوا، كما لا يخفى، يروون أشعار الجاهليين وخطبهم، ويعرفون مقاديرهم في الفصاحة معرفة من لا تشكيل جهات الفضل عليه، فلو كانوا يرون فيما رووا وحفظوا مزية على القرآن3، أو رأوه قريبا منه، أو بحيث يجوز أن يعارض بمثله، أو يقع لهم إذا قاسموا وازنوا أن هذا الذي تحدوا إلى معارضته لو تحدى إليه من قبلهم لاستطاعوا أن يأتوا بمثله، لكانوا يدعون ذلك ويذكرون، ولو ذكروه لذكر
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز ص٥٨٦ · افتح الموضع
٧ فإذا ثبت الآن أن لا شك ولا مرية في أن ليس "النظم" شيئا غير توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، ثبت من ذلك أن طالب دليل الإعجاز من نظم القرآن، إذا هو لم يطلبه في معاني النحو وأحكامه ووجوه وفروقه، ولم يعلم أنها معدنه ومعانه1، وموضعه ومكانه، وأنه لا مستنبط له سواها، وأن لا وجه لطلبه فيما عداها2، غار نفسه بالكاذب من الطمع، ومسلم لها إلى الخدع
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز ص٥٢٥ · افتح الموضع
٨ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا۟ وَلَن تَفْعَلُوا۟ فَٱتَّقُوا۟ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ
سورة البقرة ٢:٢٤ · افتح الموضع
٩ فإن عجَزتم الآن -وستعجزون مستقبلا لا محالة- فاتقوا النار بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٢٤ · افتح الموضع
١٠ قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِمِثْلِ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِۦ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا
سورة الإسراء ١٧:٨٨ · افتح الموضع
١١ فاعلم أنه لا يصح التحدي بشيء مع جهل المخاطب بالجهة التي وقع بها التحدي ولا يتجه قول القائل لمثله إن صنعت خاتما كنت قادرا على أن تصنع مثله إلا بعد أن يمكنه من الجهة التي تدعي عجز المخاطب عنها … فيتعين أن يكون الإعجاز لأمر خارج غير ذلك
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٩٢ · افتح الموضع
١٢ ثم زعم النظام أن إعجازه بالصرفة أي أن الله صرف العرب عن معارضته وسلب عقولهم وكان مقدورا لهم لكن عاقهم أمر خارجي فصار كسائر المعجزات
جلال الدين السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣١٣ · افتح الموضع
١٣ وهو قول فاسد بدليل قوله تعالى: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} فإنه يدل على عجزهم مع بقاء قدرتهم ولو سلبوا القدرة لم يبق فائدة لاجتماعهم لمنزلته منزلة اجتماع الموتى وليس عجز الموتى بكبير يحتفل بذكره
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٩٣ · افتح الموضع
١٤ فما شكلُ الدعوى القابلة للتكذيب في كلامٍ يُنسب إلى إله؟ أن يقول شيئًا يمكن لواقعةٍ أن تنقضه: أن يزعم عن نصّه حفظًا يُقابَل بالمخطوطات؛ أو يخبر عن حادثةٍ في زمنٍ ومكانٍ يُنقّب فيهما؛ أو يقرّر عددًا يُعدّ؛ أو يَعِد بأمرٍ في أجلٍ يُنتظر؛ أو يُقرأ فيه خبرٌ عن الطبيعة على أنّه تقريرٌ علميّ.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يَومَ القيامةِ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 4981 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
القيدُ الذي تسوقه لم يُنصّ عليه في التحدّي، بل استُخرج بعد قرونٍ من الجدل: الزركشيُّ نفسُه يقرّر أنّ التحدّي لا يصحّ مع جهل المخاطَب بالجهة، ثمّ يستعرض الوجوهَ فيُبطلها واحدًا واحدًا وينتهي إلى أنّ الإعجاز «لأمرٍ خارجٍ غير ذلك» — أي أنّ أهل الصنعة أنفسَهم لم يتّفقوا على ما يُقاس، فبأيّ وجهٍ يُطالَب الخصمُ بما لم يُحدَّد له؟ والنظّامُ منهم — وهو من أئمّتهم — قال إنّ العربَ كانوا قادرين وإنّما صُرفوا، وهذا إقرارٌ من داخل الملّة بأنّ المتنَ وحدَه لا يحمل الدعوى. وأنتم أنفسُكم كتبتم أنّ الدعوى التي تبتلع كلَّ نتيجةٍ محتملةٍ لم تقل شيئًا عن العالم، وأنّ المعيارَ الذي لا يخطر لصاحبه إلا بعد أن يعرف الجوابَ المطلوب نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة — و«النظم» عُيّن بعد أن كان الجوابُ معلومًا. وأمّا سكوتُ العربِ فحُجّةُ صمتٍ منقولةٌ في كتب من انتصر، ومن عارض بعدهم حكمتم عليه أنتم بأنفسكم — وهذه هي الدائرةُ لم تُكسر بعد.
شرطُ الزركشيّ صحيحٌ ونقبله كما هو: لا تحدّيَ مع جهل المخاطَب بالجهة ١١ — والجرجانيُّ استوفاه لا بالتلطيف بل بالتعيين: حصر الجهةَ في النظم، وحدَّه بـ«توخي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم»، ونفى أن يكون لدليل الإعجاز مستنبَطٌ سواها ٧. وأمّا الصرفةُ فإقرارٌ بالعجز لا نقضٌ له: النظّامُ يقول إنّ الله صرف العربَ وسلب عقولَهم وكان الإتيانُ مقدورًا لهم ١٢، والآيةُ تجمع العجزَ مع بقاء القدرة ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍۢ ظَهِيرًۭا﴾ ١٠، وسمّاه الزركشيُّ «قول فاسد» لأنّ سلبَ القدرة يُبطل فائدةَ الاجتماع فينزل «منزلة اجتماع الموتى» ١٣. ومن أنكر أن يكون في هذا الباب حكمٌ أصلًا لزمه أن يُبطل معه الحكمَ بين جريرٍ والفرزدق وبين زهيرٍ والنابغة — وهو حكمٌ يجريه أهلُ الصنعة على نصوصٍ ليست لنا ولا في مصلحتنا ٥. ويبقى ما لا نستره ولا نُحيله إلى غيرنا: ميزانُ التكذيب الذي نحتكم إليه لا يعدّ الجودةَ الأدبيّةَ من الأنواع التي يزنها — المعدودُ فيه حفظٌ يُقابَل بالمخطوطات، وحادثةٌ يُنقَّب عنها، وعددٌ يُعدّ، ووعدٌ في أجلٍ يُنتظر ١٤.
-
إن كان محفوظًا حرفًا بحرف فما هذه القراءات المختلفة؟
الأمرُ على خلاف ما يُصوَّر: «المحفوظ» عندنا رسمٌ مكتوبٌ واحد، لا سلسلةُ نطقٍ واحدة — نُسخ في خلافة عثمان من الصحف التي عند حفصة، وبُعث إلى كلّ أفقٍ مصحفٌ منه، وأُمر بما سواه أن يُحرق ١، «والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ورسم الحروف واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف وهو بضعة عشر حرفا» ٢. والقراءةُ لا تُقبل إلا بثلاثة أركان — موافقةُ العربية ولو بوجه، وموافقةُ أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالًا، وصحّةُ السند — «ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم» ٣. فالتنوّعُ ليس مجالًا مفتوحًا بل محبوسٌ في هيكلٍ حرفيٍّ واحد: ما خالف الرسمَ المجمَعَ عليه فشاذٌّ بالتعريف، ومواضعُ اختلاف المصاحف نفسِها مسمّاةٌ بأعيانها — حذفُ «هو» في الحديد، وواوُ «سارعوا»، وتثنيةُ «منهما منقلبا» في الكهف ٤. وهذا التنوّعُ أصليٌّ لا طارئ: «أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ» ٥؛ والضبطُ يبلغ الحرفَ الواحد، فقد اختلف كتّابُ المصحف في «التابوت» و«التابوه» فرُفع الأمرُ إلى عثمان فقضى فيه ٦. والدعوى منصوصةٌ في النصّ نفسِه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ ٧، ومعناها «نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء» ٨. وهي دعوى تُكذَّب لا تُصان: نصٌّ من مصاحف القرن الأوّل يخالف ما بأيدينا في الكلمات — لا في النقط والإعجام ورسم الألف — ولا تردّه قراءةٌ منقولةٌ بسندها، يُبطلها ٩.
١ فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن فقال لعثمان بن عفان يا أمير المؤمنين | أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلف اليهود | والنصارى فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلي بالصحف ننسخها في | المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف فأرسل | عثمان إلى زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث | ابن هشام وعبد الله بن الزبير أن انسخوا الصحف في المصاحف وقال | للرهط القرشيين الثلاثة ما اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه بلسان | قريش فإنما نزل بلسانهم حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف | بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوا وأمر | بسوى ذلك في صحيفة أو مصحف أن يحرق [ وقال غيره يخرق ] .
ابن أبي داود السجستاني · كتاب المصاحف ص٨٧ · افتح الموضع
٢ والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة … والكل حق والمصحف المنقول بالتواتر مصحف عثمان ورسم الحروف واحد إلا ما تنوعت فيه المصاحف وهو بضعة عشر حرفا
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٢١٤ · افتح الموضع
٣ كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة، سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكبر منهم، هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف، صرح بذلك الإمام الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني، ونص عليه في غير موضع الإمام أبو محمد مكي بن أبي طالب، وكذلك الإمام أبو العباس أحمد بن عمار المهدوي، وحققه الإمام الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة، وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه.
ابن الجزري · النشر في القراءات العشر ص٨ · افتح الموضع
٤ في سورة الحديد بحذف (هو) ، وكذا (سارعوا) بحذف الواو، وكذا (منهما منقلبا) بالتثنية في الكهف، إلى غير ذلك من مواضع كثيرة في القرآن اختلفت المصاحف فيها فوردت القراءة عن أئمة تلك الأمصار على موافقة مصحفهم، فلو لم يكن ذلك كذلك في شيء من المصاحف العثمانية لكانت القراءة بذلك شاذة لمخالفتها الرسم المجمع عليه، (وقولنا) بعد ذلك ولو احتمالا نعني به ما يوافق الرسم ولو تقديرا، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقا وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديرا وهو الموافقة احتمالا، فإنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا نحو: (السموات والصلحت واليل والصلوة والزكوة والربوا)
ابن الجزري · النشر في القراءات العشر ص١٠ · افتح الموضع
٥ أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ .
عمر بن الخطاب · البزار · البحر الزخار 1/425 · حسن
٦ وقال الزهري واختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه فقال | النفر القرشيون التابوت وقال زيد التابوه فرفع اختلافهم إلى عثمان | فقال اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش .
ابن أبي داود السجستاني · كتاب المصاحف ص٨٨ · افتح الموضع
٧ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ
سورة الحجر ١٥:٩ · افتح الموضع
٨ إنَّا نحن نزَّلنا القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنَّا نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء.
التفسير الميسّر · الحجر ١٥:٩ · افتح الموضع
٩ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها. هذا شرطٌ مفتوحٌ اليوم، والأرشيفُ الذي أحلتُك عليه هو نفسُه موضعُ إجرائه، وباحثوه غيرُ متّفقين، ولا أعرف نتيجتَه قبل أن تقع.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٠ لما فرغ من المصحف أتى به عثمان فنظر فيه فقال : قد أحسنتم | وأجملتم أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها .
ابن أبي داود السجستاني · كتاب المصاحف ص١١٩ · افتح الموضع
أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ .
عمر بن الخطاب · البزار · البحر الزخار 1/425 حسن
أُنزل القرآنُ على سبعةِ أحرفٍ .
عمر بن الخطاب · البزار · البحر الزخار 1/425 حسن
وأقوى ما يُعترض به
هذا وصفٌ لما فعله عثمان، لا برهانٌ على أنّ ما جمعه هو المنزَّل. وفي كتبكم أنتم أنّ «والأئمة على أن مصحف عثمان أحد الحروف السبعة»، وأنّ قراءاتِ ابن مسعود وعمر المخالفةَ له «والكل حق» [[2]] — أي إنّ نصوصًا عُدَّت قرآنًا أُحرقت لتقوم وحدةُ النصّ. وفي كتبكم كذلك أنّ عثمان نظر في المصحف بعد الفراغ منه فقال: «أرى فيه شيئا من لحن ستقيمه العرب بألسنتها» [[10]] — فالمصحفُ الذي تسمّونه «المحفوظ» أقرّ جامعُه نفسُه أنّ فيه ما يحتاج إلى تقويم. فالوحدةُ صنعةُ سلطةٍ في نصٍّ لم يكن واحدًا، وأركانُ ابن الجزري معيارٌ وُضع بعد قرونٍ ليُشرعن ما بقي بعد الإحراق [[3]].
الشقُّ الأوّل صحيحُ النقل، ولذلك تقرؤه في كتبنا لا في كتب خصومنا: أخبارُ الاختلاف والإحراق مجموعةٌ بأسانيدها في كتابٍ مسلمٍ موضوعُه بعينه «كتاب المصاحف» ١، وخبرُ «اللحن» في الكتاب نفسِه ١٠ — ومن أراد طمسًا طمس هذا أوّلًا. وليست الأركانُ من إنشاء ابن الجزري: نسبها إلى الداني ومكّيّ بن أبي طالب والمهدويّ وأبي شامة، وقال «وهو مذهب السلف الذي لا يعرف عن أحد منهم خلافه» ٣. وأمّا «اللحن» فالرسمُ ليس نسخًا صوتيًّا حتى يكون خلافُه خطأً في المنطوق: «قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعا نحو: (السموات والصلحت واليل والصلوة والزكوة والربوا)»، ولذلك تكون موافقتُه «تحقيقا» وتكون «تقديرا» ٤ — وهو ما يفسّر أنّ اختلاف المصاحف نفسِه معدودٌ في «بضعة عشر حرفا» لا في المتون ٢. وأمّا الكشطُ والتصحيحُ في ورقةٍ بعينها فمسألةُ ناسخٍ لا مسألةُ نصّ، والفيصلُ فيها شرطٌ مادّيٌّ معلَنٌ مفتوحٌ اليوم على أرشيفٍ لا نملكه: نصٌّ يخالف في الكلمات لا تردّه قراءةٌ بسندها ٩.
-
لماذا نزل بالعربية إن كان للناس كافّة؟
الأمرُ على خلاف ما يقتضيه الاعتراض: القرآنُ يقرّر بنفسه القاعدةَ التي يُحاكَم إليها — ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ١، «بلُغة قومه؛ ليوضِّح لهم شريعة الله» ٢ — ويقرّر معها أنّه ﴿كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ﴾ ٣، فالعمومُ عندَه في المُرسَل إليهم لا في اللسان. وعلّةُ اللسان مقرَّرةٌ عند الزركشيّ قبل أن يُسأل: «إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه» ٤ — وكلُّ لسانٍ يُختار فهو لسانُ قومٍ بأعيانهم. وقد سبق النصُّ إلى الوجه المقابل: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ﴾ ٥، «هلا بُيِّنتْ آياته، فنفقهه ونعلمه» ٦. وأمّا أن يُقال لمن قرأ مترجَمًا إنّه لم يقرأ القرآن، فتلك دعوى على الصورة التي يقع بها التحدّي لا على المعنى: «فإن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها وذلك غير ممكن بخلاف التفسير» ٧. ولذلك لم يُمنع نقلُ المعنى، وإنّما مُنع أن يُسمّى تلاوةً: «المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة فأما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة» ٨ — وكتابُ النبيّ إلى «هرقل عظيم الروم» آيةٌ واحدة محكمة ٨ ٩. وأقولُ ما يُثقل السؤال ولا أستره: الزركشيُّ في الموضع نفسِه يقصر المترجَمَ على «المحكم منه والغريب المعنى بمقدار الضرورة» ويأمر من أراد الزيادة «بتعلم اللسان العربي» ٨، فنقصُ الترجمة مُقَرٌّ به عندهم لا مُنكَر.
١ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
سورة إبراهيم ١٤:٤ · افتح الموضع
٢ وما أرسلنا مِن رسولٍ قبلك -أيها النبي- إلا بلُغة قومه؛ ليوضِّح لهم شريعة الله، فيضل الله من يشاء عن الهدى، ويهدي من يشاء إلى الحق، وهو العزيز في ملكه، الحكيم الذي يضع الأمور في مواضعها وَفْق الحكمة.
التفسير الميسّر · سورة إبراهيم ١٤:٤ · افتح الموضع
٣ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
سورة سبأ ٣٤:٢٨ · افتح الموضع
٤ واعلم أن من المعلوم أن الله تعالى إنما خاطب خلقه بما يفهمونه ولذلك أرسل كل رسول بلسان قومه وأنزل كتابه على لغتهم …
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٣ · افتح الموضع
٥ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّۭا لَّقَالُوا۟ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥٓ ۖ ءَا۬عْجَمِىٌّۭ وَعَرَبِىٌّۭ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هُدًۭى وَشِفَآءٌۭ …
سورة فصّلت ٤١:٤٤ · افتح الموضع
٦ ولو جعلنا هذا القرآن الذي أنزلناه عليك -أيها الرسول- أعجميًا، لقال المشركون: هلا بُيِّنتْ آياته، فنفقهه ونعلمه، أأعجمي هذا القرآن، ولسان الذي أنزل عليه عربي؟ هذا لا يكون. …
التفسير الميسّر · سورة فصّلت ٤١:٤٤ · افتح الموضع
٧ واستقر الإجماع على أنه تجب قراءته على هيئته التي يتعلق بها الإعجاز لنقص الترجمة عنه ولنقص غيره من الألسن عن البيان الذي اختص به دون سائر الألسنة … فإن الترجمة إبدال لفظة بلفظة تقوم مقامها وذلك غير ممكن بخلاف التفسير
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٤٦٤ · افتح الموضع
٨ ورأيت في كلام بعض الأئمة المتأخرين أن المنع من الترجمة مخصوص بالتلاوة فأما ترجمته للعمل به فإن ذلك جائز للضرورة وينبغي أن يقتصر من ذلك على بيان المحكم منه والغريب المعنى بمقدار الضرورة من التوحيد وأركان العبادات ولا يتعرض لما سوى ذلك ويؤمر من أراد الزيادة على ذلك بتعلم اللسان العربي وهذا هو الذي يقتضيه الدليل ولذلك لم يكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر إلا بآية واحدة محكمة لمعنى واحد وهو توحيد الله والتبري من الإشراك
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٤٦٥ · افتح الموضع
٩ … من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٦٠٠ · افتح الموضع
١٠ وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة وقد قال تعالى وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم وإن كان أصله بلغة قومه هو
جلال الدين السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣٩٣ · افتح الموضع
١١ وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْعَٰلِمِينَ
سورة الروم ٣٠:٢٢ · افتح الموضع
١٢ النصُّ موجود. منشورٌ بلغته الأولى، كاملًا، غيرَ مختصَرٍ ولا منقًّى ولا مرتَّبٍ على ما يعجبك، ومعه ترجماتٌ إلى إحدى عشرة لغة، أكثرُها منسوبٌ إلى مترجمٍ بعينه تعرف اسمَه فتحكم عليه، وتستطيع أن تقابل الترجمةَ على النصّ الأوّل كلمةً كلمة. … والدعوى التي مرجعُها كاتبُها لا سبيلَ لك إلى تكذيبها، ولا إلى تصديقها.
الرسالةُ التي لا تُكتب · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
فأنتم مُقرّون بالتهمة لا رادّون لها: ما يقرؤه أكثرُ من يُخاطَب «تفسيرٌ لا قرآن»، والترجمةُ ناقصةٌ بشهادة أئمّتكم أنفسِهم، والعلاجُ المعروض «تعلّم اللسان العربي». فالنصُّ الذي يُحاسَب عليه العالمون محجوزٌ خلف لسانٍ واحد، ووعدُ العموم يتحوّل إلى وعدٍ ببدلٍ مُقَرٍّ بنقصه — وهذا استثناءٌ لأكثر من خوطب، لا بيانٌ له.
المحجوزُ هو ما يقع به التحدّي، لا ما يُطلب فهمُه والعملُ به؛ ولذلك أُذن في نقل المعنى «للعمل به» ومُنع أن يُسمّى تلاوة ٨. والسيوطيُّ يسوق الحجّةَ في الاتّجاه المعاكس تمامًا: «النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إلى كل أمة … فلا بد وأن يكون في الكتاب المبعوث به من لسان كل قوم» ١٠ — فالعمومُ عندهم أثرٌ في النصّ لا دعوى معلّقةٌ فوقه. واختلافُ الألسنة في القرآن آيةٌ تُساق للاستدلال لا عائقٌ يُعتذر عنه: ﴿وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ﴾ ١١. ويبقى الوسيطُ قائمًا ولا أنكره، لكنّه وسيطٌ يُحاسَب: «النصُّ موجود. منشورٌ بلغته الأولى، كاملًا … وتستطيع أن تقابل الترجمةَ على النصّ الأوّل كلمةً كلمة … والدعوى التي مرجعُها كاتبُها لا سبيلَ لك إلى تكذيبها، ولا إلى تصديقها» ١٢.
-
لماذا خاتمُ الرسل؟ ولماذا يتوقّف الوحي عند قرنٍ بعينه؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الختمُ في القرآن دعوى مُعلَّلةٌ في النصّ نفسِه، لا صمتٌ بلا سبب — ﴿وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ﴾ ١، «فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة» ٢. والتعاقبُ قبله كان لعلّةٍ منصوصة: كلُّ أمّةٍ أُرسل إليها نذيرُها ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ﴾ ٣، وهذه الأخيرةُ لم تُبعث إلى قومٍ بعينهم بل ﴿كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ﴾ ٤ أي «للناس أجمعين» ٥ — فما لا يحدُّه قومٌ لا يستدعي خلَفًا لقومٍ آخرين. ثمّ أُعلن التمام: ﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٦، وأُعلن التكفُّل بالنصّ ﴿وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ ٧ — «مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء» ٨ — والتصحيحُ الذي كانت الرسالاتُ تتعاقب لأجله يسقط سببُه إن صحّ هذا. وأمّا «لماذا يتوقّف الوحي عند قرنٍ بعينه» فالجوابُ المقرَّر عند السيوطي في بنية الشاهد لا في مشيئةٍ مكتومة: «معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة» ٩ — فالبرهانُ الذي يموت بموت شهوده يستدعي تجديدًا في كلّ جيل، والباقي لا يستدعيه ٩.
١ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٤٠ · افتح الموضع
٢ ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة. وكان الله بكل شيء من أعمالكم عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٤٠ · افتح الموضع
٣ إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌۭ
سورة فاطر ٣٥:٢٤ · افتح الموضع
٤ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةًۭ لِّلنَّاسِ بَشِيرًۭا وَنَذِيرًۭا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
سورة سبأ ٣٤:٢٨ · افتح الموضع
٥ وما أرسلناك -أيها الرسول- إلا للناس أجمعين مبشرًا بثواب الله، ومنذرًا عقابه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون الحق، فهم معرضون عنه.
التفسير الميسّر · سبأ ٢٨ · افتح الموضع
٦ …ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا…
سورة المائدة ٥:٣ · افتح الموضع
٧ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ
سورة الحجر ١٥:٩ · افتح الموضع
٨ إنَّا نحن نزَّلنا القرآن على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإنَّا نتعهد بحفظه مِن أن يُزاد فيه أو يُنْقَص منه، أو يضيع منه شيء.
التفسير الميسّر · الحجر ٩ · افتح الموضع
٩ …ولأن هذه الشريعة لما كانت باقية على صفحات الدهر إلى يوم القيامة خصت بالمعجزة العقلية الباقية ليراها ذوو البصائر… معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣٠٨ · افتح الموضع
١٠ وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده… ثم يقول: "وحجتي أن الله تعالى قد أنزل على كتابا عربيا مبينا، تعرفون ألفاظه، وتفهومون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والإنس" ثم لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضه، ويبينوا سرفه في دعواه، مع إمكان ذلك… وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته، ومن الذي ادعاه، حدا تركوا معه أحلامهم الراجحة، وخرجوا له عن طاعة عقولهم الفاضلة، حتى واجهوه بكل قبيح، ولقوه بكل أذى ومكروه
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز ص٥٧٨ · افتح الموضع
١١ أن موسى قال: لا نبي بعدي. ويدل على ما قلنا: أنه لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى عليه السلام
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص١١٣ · افتح الموضع
١٢ وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده؛ فكان يفتي عن الله بوحيه المبين… ثم قام بالفتوى بعده برك الإسلام وعصابة الإيمان، وعسكر القرآن
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
دعوى الختم تحرس نفسَها: من أعلن أنّه الأخير جعل كلَّ لاحقٍ مردودًا بالإعلان لا بالدليل — وهي بعينها الحركةُ التي يفعلها كلُّ مدَّعٍ جديد، فحصانةٌ لا حجّة. ثمّ إنّ كلَّ ما تقدّم مقولٌ من داخل الدعوى: النصُّ يشهد لنفسه بالكمال وبالحفظ، والشاهدُ والمشهودُ له واحد. وأثقلُها أنّ الختمَ أغلق بابَ التصحيح: خطأٌ يقع في فهم الأمّة لا يُنتظر له مصحِّحٌ من السماء.
الدعوى لم تُعلَن مجرَّدةً: قُرن بها اختبارٌ عامٌّ رخيصُ الثمن يُسقطها لو رُدّ — «وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده… إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة» — وحجّةُ الجرجانيّ أنّ خصومَه بلغ بهم الغيظُ «حتى واجهوه بكل قبيح» ولم يسلكوا الطريقَ الأرخصَ مع إمكانه ١٠. وأمّا أنّ كلَّ مدَّعٍ يقولها فقد قيلت قبله فعلًا — نُسب إلى موسى «لا نبي بعدي» — وجوابُ ابن الجوزي ليس بالإعلان بل بالمقابلة: «لو صح قولهم لما ظهرت المعجزات على يد عيسى عليه السلام» ١١، وهو ميزانٌ يُوجَّه إلينا كما وُجِّه إليهم: البابَ لا يُغلقه أن نقول «هو الأخير»، يُغلقه ألّا يجيء بعده من يجتاز ما اجتازه. وأمّا بابُ التصحيح فالمُغلَقُ الوحيُ لا البيان: المنصبُ الذي قام به «خاتم النبيين» يفتي «عن الله بوحيه المبين»، ثمّ «قام بالفتوى بعده» أصحابُه ١٢ — فانقطع الوحيُ وبقي البيان. وتبقى واحدةٌ لا تُدفع ولا نُخفيها: الكمالُ والحفظُ مقولان في النصّ عن نفسه ٦ ٧، فهما يشرحان بنيةَ الدعوى ولا يُثبتانها — والإثباتُ يُطلب من الاختبار المعروض ١٠ ومن دوام الشاهد ٩، لا من الإعلان.
-
بل في القرآن ما يخالف العلم — فكيف يكون من الله؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: ليس واحدٌ من الثلاثة تقريرًا في هيئة العالم. فالأوّلُ خبرٌ عن رحّالةٍ بلغ موضعًا، وتمامُ الآية خطابٌ في سياسة قومٍ لا في مدار الشمس ١، و«وجدها» تُسند المرئيَّ إلى الرائي: «وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود» ٢. وهذا الاعتراضُ بعينه طُرح ورُدَّ في القرن الثامن الهجريّ: «ظاهره أنه بمكان معين لغروبها … كما تقول: غابت في البحر، وإنما هي في السماء، وإنما هو بالنسبة إلى نظرك» ٣؛ وحيث يتكلّم النصُّ عن مجرى الشمس نفسِه قال ﴿كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ﴾ ٤. والثاني سياقُه البعثُ لا التشريح — يفتتحه ﴿فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ٥، ومقصودُه «ليعلم أن إعادة خلق الإنسان ليست أصعب من خلقه أوّلا» ٦. والثالثُ مُفسَّرٌ بمنازلَ للكواكب «يستدل بذلك على الطرقات والأوقات» ٧ وبسماءٍ «محكمة البناء» ٨ — أي وصفًا لما يُرى ويُنتفع به، لا نموذجًا يُقاس عليه.
١ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا
سورة الكهف ١٨:٨٦ · افتح الموضع
٢ حتى إذا وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وجدها في مرأى العين كأنها تغرب في عين حارة ذات طين أسود، ووجد عند مغربها قومًا. قلنا: يا ذا القرنين إما أن تعذبهم بالقتل أو غيره، إن لم يقروا بتوحيد الله، وإما أن تحسن إليهم، فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد.
التفسير الميسّر · الكهف ١٨:٨٦ · افتح الموضع
٣ قوله تعالى: (وجدها تغرب في عين حمئة) ظاهره أنه بمكان معين لغروبها. … جوابه: أنه معين بالنسبة إلى ذلك المكان وذلك الزمان لا بالنسبة إلى سائر الأزمنة والأقطار كما تقول: غابت في البحر، وإنما هي في السماء، وإنما هو بالنسبة إلى نظرك.
بدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣هـ) · كشف المعاني في المتشابه من المثاني ص٢٤٣ · افتح الموضع
٤ وَهُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ ۖ كُلٌّۭ فِى فَلَكٍۢ يَسْبَحُونَ
سورة الأنبياء ٢١:٣٣ · افتح الموضع
٥ فَلْيَنظُرِ ٱلْإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَخُلِقَ مِن مَّآءٍۢ دَافِقٍۢيَخْرُجُ مِنۢ بَيْنِ ٱلصُّلْبِ وَٱلتَّرَآئِبِ
سورة الطارق ٨٦:٥–٧ · افتح الموضع
٦ فلينظر الإنسان المنكر للبعث مِمَّ خُلِقَ؟ ليعلم أن إعادة خلق الإنسان ليست أصعب من خلقه أوّلا خلق من منيٍّ منصبٍّ بسرعة في الرحم، يخرج من بين صلب الرجل وصدر المرأة. إن الذي خلق الإنسان من هذا الماء لَقادر على رجعه إلى الحياة بعد الموت.
التفسير الميسّر · الطارق ٨٦:٥–٨ · افتح الموضع
٧ ومن أدلة قدرتنا: أنا جعلنا في السماء الدنيا منازل للكواكب تنزل فيها، ويستدل بذلك على الطرقات والأوقات والخِصْب والجَدْب، وزَيَّنَّا هذه السماء بالنجوم لمن ينظرون إليها، ويتأملون فيعتبرون.
التفسير الميسّر · الحجر ١٥:١٦ · افتح الموضع
٨ ربكم الذي جعل لكم الأرض بساطًا؛ لتسهل حياتكم عليها، والسماء محكمة البناء، وأنزل المطر من السحاب فأخرج لكم به من ألوان الثمرات وأنواع النبات رزقًا لكم …
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٢٢ · افتح الموضع
٩ والترائب جمع تربية، ويقال: تريب واختلف العلماء في معناه فمن أصح ما قيل فيه ما رواه عطية عن ابن عباس قال: الترائب موضع القلادة، وروى ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الترائب بين ثدي المرأة، وقال سعيد بن جبير: الترائب الأضلاع إلى أسفل الصلب وقال مجاهد: ما بين المنكبين والصدر، وقال الضحاك: الترائب اليدان والرجلان والعينان، وقال قتادة: الترائب نحو الصلب وروى الليث بن سعد عن معمر بن أبي حبيبة قال: الترائب غضارة القلب ومنه يكون الولد، قال أبو جعفر: هذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يروى أن الماء يخرج من البدن كله حتى من كل شعره إلا أن القول الأول مستعمل في كلام العرب
أبو جعفر النحّاس (ت ٣٣٨هـ) · إعراب القرآن ص١٢٣ · افتح الموضع
١٠ وهذا المعيار يقطع في الاتجاهين، وهو أخطرُ ما فيه. من طلب من دعواه أن تكون قابلةً للتكذيب لزمه أن يقبل التكذيب إن وقع. وقد جرّبناه على أنفسنا في مشروعٍ سابقٍ لهذا الكتاب: دعاوى عدديةٌ شائعةٌ تُنسب إلى نصٍّ نعظّمه، عُدَّت الصيغُ فيها عدًّا آليًّا فخالف العدُّ ثلاثًا منها فأُسقطت من العرض. … ولا نُكبّر هذا على قدره. المُسقَطُ دعاوى ملحقةٌ لم نبنِ عليها شيئًا ولم يعتقدها أحدٌ ركنًا من دينه، لا الدعوى الأمّ. وأن تعترف بذنبٍ لم ترتكبه ليس اختبارًا.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي — المعيار: قابليةُ التكذيب · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تهرُّبٌ لغويّ. «وجدها» لا تُنجيك: القرآنُ يسوق الوصفَ غيرَ منكِرٍ له، ولو كان خطأً لكان أهونَ شيءٍ أن يُصحَّح في الآية التالية. ثمّ إنّ تراثَكم نفسَه قرأها على ظاهرها قرونًا، ولم تُخرَج إلى «رأي العين» إلا بعد أن ضغط الفلكُ الحديث فاحتجتم إلى مخرج. وأمّا الطارقُ فسياقُ البعث لا يمحو أنّ الآية تُثبت مخرجًا تشريحيًّا بعينه — بين الصلب والترائب — وهو خطأٌ صريح، وتفسيرُكم إيّاه بصلب الرجل وصدر المرأة يزيده خطأً لا يُنقصه.
أمّا دعوى التأخُّر فباطلةٌ بالتاريخ: ابنُ جماعة (ت ٧٣٣هـ) طرح السؤالَ بلفظه وأجاب عنه، ولا فلكَ حديثًا يضغط يومئذ ٣؛ والآيةُ نفسُها تُنهي المشهدَ بـ﴿إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًۭا﴾، فموضوعُ الفقرة العدلُ لا الغروب ١. لكنّ في المسألة ما يُثقلها ولا نطويه: كتبُ التفسير تحمل فيزياءَ عصرها فعلًا. النحّاسُ (ت ٣٣٨هـ) يسوق سبعةَ أقوالٍ متنافرةٍ في «الترائب» — موضعُ القلادة، وبين ثدي المرأة، والأضلاع، وما بين المنكبين، واليدان والرجلان والعينان — ثمّ يوفّق بينها بقوله: «هذه الأقوال ليست بمتناقضة لأنه يروى أن الماء يخرج من البدن كله حتى من كل شعره» ٩. وذاك نصٌّ عليك لا لك في وجهٍ، وهو عليك في وجهٍ آخر: خلافُهم السبعةُ في لفظٍ واحدٍ يعني أنّ الشرحَ طبقةٌ بشريّةٌ لم تُحسم ولم تُلزم، وأنّ الفيزياءَ التي تشتكي منها في التوفيق لا في المتن ٩. وأمّا الميزانُ فمقبولٌ في الجهتين ولا نستثني أنفسنا منه: «من طلب من دعواه أن تكون قابلةً للتكذيب لزمه أن يقبل التكذيب إن وقع» — وقد عُدَّت في هذا المشروع دعاوى عدديةٌ تُنسب إلى هذا النصّ «فخالف العدُّ ثلاثًا منها فأُسقطت من العرض»، والكتاب نفسُه يُصغّر ذلك على قدره فيقول: «المُسقَطُ دعاوى ملحقةٌ لم نبنِ عليها شيئًا … وأن تعترف بذنبٍ لم ترتكبه ليس اختبارًا» ١٠. فلستَ تُواجَه بمن ينكر الميزان، بل بمن يقول: طبّقه على المتن لا على شُرّاحه.
-
أليس في القرآن تناقض؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: النسخُ في حدِّه لا يقع إلا في الأمر والنهي، وأمّا «الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ» — فما سمّيتَه اسمًا وُضع للتناقض محجوزٌ بحدِّه هو عن الموضع الذي يقع فيه التناقض، إذ التناقضُ إنّما يكون بين خبرين ١. واعتراضُك سُبقتَ إليه بقرون: أنكره اليهودُ «ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له»، والجوابُ أنّه «بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة … والمرض بعد الصحة … والفقر بعد الغنى» ١. والقرآنُ نقل الاتهامَ نفسَه ولم يطوِه: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ﴾ ٢، ومعناها أنّ الأحكام تنزل «في الأوقات المختلفة» بحسب مصلحة الخلق ٣. ولا نطوي ما يثقُل عليك ولا علينا: كتبُ النسخ حُشيت حشوًا حقيقيًّا، وأصرحُ من قال ذلك رجالٌ من داخل التراث لا من خارجه — ابنُ الجوزي يردّ دعوى نسخ آيةٍ بقوله «كيف يدعى نسخها وهي خبر، والخبر لا يدخله النسخ» ٤، والسيوطيُّ يحكم بـ«فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد» ١، ثمّ يُحرّر القائمةَ كلَّها في «إحدى وعشرين آية منسوخة على خلاف في بعضها» ٥ ويقول شعرًا: «قد أكثر الناس في المنسوخ من عدد … وأدخلوا فيه آيا ليس تنحصر» . وأمّا ميزانُك الذي بدأتَ به — ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ ٦ — فحدُّه معلَنٌ عندنا لا مستور: الاتّساقُ «معيارٌ يُسقط ولا يرفع» ٧، فمن كسره أسقط الدعوى، ومن لم يكسره لم يُثبت بعدُ شيئًا.
١ النسخ مما خص الله به هذه الأمة لحكم منها التيسير وقد أجمع المسلمون على جوازه وأنكره اليهود ظنا منهم أنه بداء كالذي يرى الرأي ثم يبدو له وهو باطل لأنه بيان مدة الحكم كالإحياء بعد الإماتة وعكسه والمرض بعد الصحة وعكسه والفقر بعد الغنى وعكسه وذلك لا يكون بداء فكذا الأمر والنهي … الثالثة لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله النسخ ومنه الوعد والوعيد … وإذا عرفت ذلك عرفت فساد صنع من أدخل في كتب النسخ كثيرا من آيات الإخبار والوعد والوعيد
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٥٥ · افتح الموضع
٢ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةًۭ مَّكَانَ ءَايَةٍۢ ۙ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓا۟ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍۭ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
سورة النحل ١٦:١٠١ · افتح الموضع
٣ وإذا بدَّلنا آية بآية أخرى، والله الخالق أعلم بمصلحة خَلْقه بما ينزله من الأحكام في الأوقات المختلفة، قال الكفار: إنما أنت -يا محمد- كاذب مختَلِق على الله ما لم يَقُلْه. ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كما يزعمون. بل أكثرهم لا عِلْم لهم بربهم ولا بشرعه وأحكامه.
التفسير الميسّر · سورة النحل ١٦:١٠١ · افتح الموضع
٤ فكذلك هذه الآية إنما أخبرت بما كان في الشرع من التحريم يومئذ، فلا ناسخ إذن ولا منسوخ. ثم كيف يدعى نسخها وهي خبر، والخبر لا يدخله النسخ
ابن الجوزي · نواسخ القرآن (ناسخ القرآن ومنسوخه) ص٤٣٧ · افتح الموضع
٥ فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف في بعضها لا يصح دعوى النسخ في غيرها
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٦١ · افتح الموضع
٦ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا
سورة النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
٧ اتّساقُ التصوّر — أفي الوصف تناقض؟ أيُثبَت للإله وصفٌ ثمّ يُنفى نظيرُه في موضعٍ آخر بلا فرق؟ … وحدّه: الاتّساقُ شرطٌ لا يكفي. الروايةُ المخترعةُ بعناية متّسقةٌ تمامًا، والشهادةُ الصادقةُ قد تبدو مضطربةً حتى تُفهم. فهذا معيارٌ يُسقط ولا يرفع — مصفاةٌ تمنع الحصى، ولا تقول لك شيئًا عن الملح الذي يمرّ منها.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٨ الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأ … بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ أنما النسخ الإزالة للحكم حتى لا يجوز امتثاله
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٥٦ · افتح الموضع
٩ وقوله في البقرة وقولوا للناس حسنا عده بعضهم من المنسوخ بآية السيف … وقد غلطه ابن الحصار بأن الآية حكاية عما أخذه على بني إسرائيل من الميثاق فهو خبر لا نسخ فيه وقس على ذلك … وقسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ وقد اعتنى ابن العربي بتحريره فأجاد … وقسم رفع ما كان عليه الأمر في الجاهلية أو في شرائع من قبلنا أو في أول الإسلام ولم ينزل في القرآن … وهذا إدخاله في قسم الناسخ قريب ولكن عدم إدخاله أقرب وهو الذي رجحه مكي وغيره ووجهوه بأن ذلك لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٥٨ · افتح الموضع
١٠ «لَقد جَلَستُ أنا وأخي مَجلسًا ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، أقبَلتُ أنا وأخي، وإذا مَشيَخةٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جُلوسٌ عِندَ بابٍ مِن أبوابِه، فكَرِهنا أن نُفرِّقَ بَينَهم، فجَلَسنا حُجرةً، إذ ذَكَروا آيةً مِنَ القُرآنِ، فتَمارَوا فيها، حَتَّى ارتَفعَت أصواتُهم، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُغضَبًا، قدِ احمَرَّ وجهُه، يَرميهم بالتُّرابِ، ويَقولُ: مَهلًا يا قَومِ! بهذا أُهلِكَتِ الأُمُمَ مِن قَبلِكُم؛ باختِلافِهم على أنبيائِهم، وضَربِهمُ الكُتُبَ بَعضَها ببَعضٍ، إنَّ القُرآنَ لَم يَنزِلْ يُكَذِّبُ بَعضُه بَعضًا، بَل يُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فما عَرَفتُم مِنه فاعمَلوا به، وما جَهِلتُم مِنه فرُدُّوه إلى عالِمِه» .
جد عمرو بن شعيب · أحمد شاكر · تخريج شرح الطحاوية 168 · صحيح
«لَقد جَلَستُ أنا وأخي مَجلسًا ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، أقبَلتُ أنا وأخي، وإذا مَشيَخةٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جُلوسٌ عِندَ بابٍ مِن أبوابِه، فكَرِهنا أن نُفرِّقَ بَينَهم، فجَلَسنا حُجرةً، إذ ذَكَروا آيةً مِنَ القُرآنِ، فتَمارَوا فيها، حَتَّى ارتَفعَت أصواتُهم، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُغضَبًا، قدِ احمَرَّ وجهُه، يَرميهم بالتُّرابِ، ويَقولُ: مَهلًا يا قَومِ! بهذا أُهلِكَتِ الأُمُمَ مِن قَبلِكُم؛ باختِلافِهم على أنبيائِهم، وضَربِهمُ الكُتُبَ بَعضَها ببَعضٍ، إنَّ القُرآنَ لَم يَنزِلْ يُكَذِّبُ بَعضُه بَعضًا، بَل يُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فما عَرَفتُم مِنه فاعمَلوا به، وما جَهِلتُم مِنه فرُدُّوه إلى عالِمِه» .
جد عمرو بن شعيب · أحمد شاكر · تخريج شرح الطحاوية 168 صحيح
«لَقد جَلَستُ أنا وأخي مَجلسًا ما أحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَمِ، أقبَلتُ أنا وأخي، وإذا مَشيَخةٌ مِن أصحابِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جُلوسٌ عِندَ بابٍ مِن أبوابِه، فكَرِهنا أن نُفرِّقَ بَينَهم، فجَلَسنا حُجرةً، إذ ذَكَروا آيةً مِنَ القُرآنِ، فتَمارَوا فيها، حَتَّى ارتَفعَت أصواتُهم، فخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُغضَبًا، قدِ احمَرَّ وجهُه، يَرميهم بالتُّرابِ، ويَقولُ: مَهلًا يا قَومِ! بهذا أُهلِكَتِ الأُمُمَ مِن قَبلِكُم؛ باختِلافِهم على أنبيائِهم، وضَربِهمُ الكُتُبَ بَعضَها ببَعضٍ، إنَّ القُرآنَ لَم يَنزِلْ يُكَذِّبُ بَعضُه بَعضًا، بَل يُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فما عَرَفتُم مِنه فاعمَلوا به، وما جَهِلتُم مِنه فرُدُّوه إلى عالِمِه» .
جد عمرو بن شعيب · أحمد شاكر · تخريج شرح الطحاوية 168 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا حدٌّ وُضع بعد السؤال لا قبله. قولُكم «النسخُ في الأحكام لا في الأخبار» لا ينفي التبديل بل يُلطّف اسمَه: الحكمُ كان كذا فصار نقيضَه، وذاك تغيُّرٌ في كلام من تزعمون أنّه لا يتغيّر — وتسميتُه «بيان مدّة» وصفٌ للنتيجة لا دفعٌ لها. ثمّ إنّ «العشرين» تحريرٌ متأخّرٌ بقرون عن جيل التنزيل، والقوائمُ الأولى أوسعُ منها بكثير — فالتقليلُ اعتذارٌ نشأ حين ثقُل السؤال، لا نصٌّ محفوظ. وحديثُكم الذي يمنع «ضربَ الكتبِ بعضَها ببعض» ويأمر بردّ ما جُهل «إلى عالمه» يُغلق البابَ الذي فتحه ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾.
أمّا التبديلُ فمُقَرٌّ به لا مُنكَر، وهو المدَّعى نفسُه لا اعتذارٌ عنه: حكمٌ معلَّقٌ بعلّة، «كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ» ٨ — والمتغيّرُ حالُ المكلَّف، وذلك «لا يكون بداء» ١. وأمّا «العشرون» فليست تقليلًا بلا قاعدة: القاعدةُ منصوصةٌ وقابلةٌ لأن تفحصَها أنت بنفسك — أُخرج «قسم هو من قسم المخصوص لا من قسم المنسوخ»، وأُخرج ما رفع أمرَ الجاهلية لأنّه «لو عد في الناسخ لعد جميع القرآن منه إذ كله أو أكثره رافع لما كان عليه الكفار وأهل الكتاب»، وأُخرج ما هو خبرٌ كـ﴿وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسْنًۭا﴾ «فهو خبر لا نسخ فيه وقس على ذلك» ٩ — فافتح القوائمَ الأولى وصنّف مداخلَها: أيُّها أمرٌ ونهيٌ وأيُّها خبرٌ أو تخصيصٌ أو رفعٌ لشرعٍ سابق. وأمّا الحديثُ فلا يُلزمك ولا نسوقه حجّةً عليك؛ موضعُه أنّ المسألة طُرحت في الجيل الأوّل ولم تُخترع في جدلٍ متأخّر، ولفظُه «إنَّ القُرآنَ لَم يَنزِلْ يُكَذِّبُ بَعضُه بَعضًا، بَل يُصَدِّقُ بَعضُه بَعضًا» — دعوى عن النصّ تُختبر، لا أمرٌ بالكفّ عن اختبارها ١٠. وتبقى واحدةٌ لا نُنكرها: كلُّ ما تقدّم يمنع الإسقاطَ ولا يُثبت الوحي ٧.
-
الضبطُ الدقيق — أليس تفسيرُه الأكوانَ المتعدّدة أو المبدأَ الأنثروبيّ؟
الشقُّ الثاني من اعتراضك صحيحٌ، وهو قولُنا قبل أن يكون قولَك: فصلُ الكتاب في هذه المسألة «تطهيرٌ لا بناء: غايتُه إخراجُ ثلاثة أرقامٍ كاذبةٍ من الأدبيات العربية» ١، والقاعدةُ فيه ليست مجاملةً لك بل نصٌّ نُلزَم به: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ ٢ — «بل تأكَّد وتثبَّت» ٣. وأمّا الشقُّ الأوّل فلا يُقابَل عندنا بسخرية: معاملةُ التعدّد «معاملةَ حيلةٍ اختُرعت هربًا من الاستدلال» وصفٌ غيرُ صحيح، ومن قاله أضعف موقفَه ٤. وهو يفسّر أن يوجد كونٌ ما بقيمٍ تسمح بالحياة، وأشهرُ ما يُعترض به عليه أنّه لا يفسّر أن يكون هذا الكونُ الذي أنا فيه هو الموافق ٥ — ولخصوم هذا الاعتراض جوابٌ قويّ: أنّ المعطى الذي في يدك ليس «هذا الكونُ مضبوط» بل «الكونُ الذي يمكن أن أوجد فيه مضبوط»، وهي قضيّةٌ يرفع التعدّدُ احتمالَها فعلًا، والنزاعُ قائمٌ بين الفلاسفة إلى اليوم بلا حسم ٦. والمبدأُ الأنثروبيُّ في صيغته الضعيفة «قضيّةٌ لا يمكن إنكارُها» ٧، لكنّه «يصل إلى موضعٍ واحدٍ ويقف عنده: يفسّر لماذا نرى ما نرى، لا لماذا وُجد ما نراه» ٨. ثمّ إنّ الحجّةَ التي تنقضها لا نبني عليها أصلًا: ما لم يُعرف المدى الكلّيُّ الذي كان يمكن أن تقع فيه القيمة فـ«النسبةُ التي يقوم عليها البرهان غيرُ معرَّفة، لا صغيرةً ولا كبيرة» ٩.
١ هذا الفصل تطهيرٌ لا بناء: غايتُه إخراجُ ثلاثة أرقامٍ كاذبةٍ من الأدبيات العربية، وبيانُ حدود ما يبقى بعدها. وهو لا يرجّح، ولا يُراد به أن يترك في نفسك رجحانًا.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٢ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا
سورة الإسراء ١٧:٣٦ · افتح الموضع
٣ ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت. إن الإنسان مسؤول عما استعمَل فيه سمعه وبصره وفؤاده، فإذا استعمَلها في الخير نال الثواب، وإذا استعملها في الشر نال العقاب.
التفسير الميسّر — سورة الإسراء ١٧:٣٦ · افتح الموضع
٤ كثيرٌ ممّا يُكتب عربيًّا يعامل فرضيّةَ تعدّد الأكوان معاملةَ حيلةٍ اختُرعت هربًا من الاستدلال. وهذا وصفٌ غيرُ صحيح، ومن قاله أضعف موقفَه. وأشهرُ صورها لم تُوضع لهذا الغرض ألبتّة
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٥ تفسّر: أنّ يوجد كونٌ ما بقيمٍ تسمح بالحياة. فإن كانت العيّناتُ كثيرةً جدًّا والقيمُ تتنوّع عبرها، فوجودُ واحدٍ موافقٍ متوقَّع. ولا تفسّر — على أشهر اعتراضٍ عليها — أنّ يكون هذا الكونُ الذي أنا فيه هو الموافق. وهذه هي المسمّاة مغالطةَ المقامر المعكوسة
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٦ ولخصوم هذا الاعتراض جوابٌ قويّ يجب أن يُعرض: أنّ الرصدَ هنا ليس كالرصد على الطاولة. أنت لا تستطيع أن ترصد كونًا غيرَ الذي يسمح بوجودك، فالمعطى الذي في يدك ليس «هذا الكونُ مضبوط» بل «الكونُ الذي يمكن أن أوجد فيه مضبوط» — وهذه قضيةٌ يرفع التعدّدُ احتمالَها فعلًا. والنزاعُ في هذه النقطة بعينها قائمٌ بين الفلاسفة إلى اليوم، ولا حسمَ فيه، ومن قال لك إنّه محسومٌ لصالح جهةٍ فقد اختصر عليك ما لم يُختصر على أهله.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٧ المبدأُ الأنثروبيّ في صيغته الضعيفة قضيّةٌ لا يمكن إنكارُها: لا يُرصد إلا كونٌ يسمح بوجود راصد.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٨ يصل إلى موضعٍ واحدٍ ويقف عنده: يفسّر لماذا نرى ما نرى، لا لماذا وُجد ما نراه. والفرقُ بينهما هو مدارُ الباب كلِّه.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
٩ دعوى «المدى الذي يسمح بالحياة ضيّقٌ جدًّا» تفترض أنّنا نعرف المدى الكلّيّ الذي كان يمكن أن تقع فيه القيمة. فإن كان ذلك المدى غيرَ متناهٍ، فلا يوجد توزيعُ احتمالٍ منتظمٌ قابلٌ للتسوية عليه ألبتّة — فالنسبةُ التي يقوم عليها البرهان غيرُ معرَّفة، لا صغيرةً ولا كبيرة.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
١٠ إن كان المولِّدُ يُسأل: «ولماذا هو على هذه الصفة؟» — فالمصمِّم يُسأل السؤالَ نفسَه: عقلٌ له إرادةٌ وعلمٌ وقدرة، ويختار هذه القيمَ دون تلك. فلماذا هو بهذه الصفات؟ ولماذا أراد كونًا كربونيًّا دون غيره؟
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
١١ أقول إنّه فرضٌ جادٌّ له مصادرُه في الفيزياء، وعليه اعتراضاتٌ جادّةٌ لم يُجَب عن كلّها. ومن أراد منّي أكثرَ من هذا طلب حسمًا لا أملكه.
٧. الضبط الدقيق — بحقيقته لا بما يُشاع · افتح الموضع
١٢ «قال ابن وهب، وسمعت مالكا، وذكر قول القاسم بن محمد،» لأن يعيش المرء جاهلا خير من أن يقول على الله ما لا يعلم
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٨٣٠ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
فهذا انسحابٌ لُبِّس ثوبَ أمانة: أسقطتَ الأرقام، وأقررتَ أنّ النسبةَ غيرُ معرَّفة، وأنّ التعدّدَ لم يُحسم — فلم يبقَ في يدك شيءٌ تُحاجّني به. ثمّ إنّ سلاحَك على المولِّد يرتدّ عليك: إن سُئل «ولماذا هو على هذه الصفة؟» سُئل إلهُك السؤالَ نفسَه، فلا فضلَ لفرضك على فرضي.
شطرُه الثاني ليس اعتراضًا عليّ بل هو نصُّ الفصل: «إن كان المولِّدُ يُسأل: ولماذا هو على هذه الصفة؟ — فالمصمِّم يُسأل السؤالَ نفسَه: عقلٌ له إرادةٌ وعلمٌ وقدرة، ويختار هذه القيمَ دون تلك» ١٠. وأمّا شطرُه الأوّل فليس انسحابًا، إذ لم يُعرض عليك برهانٌ من الضبط الدقيق حتّى يُنسحب منه: التعدّدُ «فرضٌ جادٌّ له مصادرُه في الفيزياء، وعليه اعتراضاتٌ جادّةٌ لم يُجَب عن كلّها. ومن أراد منّي أكثرَ من هذا طلب حسمًا لا أملكه» ١١. والامتناعُ عن دعوى لا مقياسَ لها ليس عجزًا في هذا الدين: «لأن يعيش المرء جاهلا خير من أن يقول على الله ما لا يعلم» ١٢.
-
والإعجازُ العدديّ — أليس تطابقُ الأعداد دليلًا؟
لا. والعدُّ الذي كذّبها أدرناه نحن على أنفسنا: قيل «الآخرة» مئةً وخمس عشرة فوُجدت إحدى وسبعين، وقيل «البرّ» ثلاثَ عشرة و«البحر» اثنتين وثلاثين فوُجدا تسعَ عشرة وثلاثًا وعشرين، فسقطت أربعةُ مقالاتٍ من قسم «الأسرار» نفسِه وبقي الأمرُ الذي يُعيد العدَّ أمامك ١. وردُّ هذا الباب ليس اعتذارًا حديثًا اخترعناه بعد أن كشفتنا الآلةُ الحاسبة: ابن حجر يقول في عدّ أبي جادّ «وهذا باطل لا يعتمد عليه … فإنه لا أصل له في الشريعة»، وابن العربيّ «ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور» ٢. والذي عدَّه من صنّف في الإعجاز وجوهًا له ثلاثةٌ: الإخبار عن الغيوب ٣، وأميّةُ النبيّ مع ما أخبر به عن الأوّلين، وبديعُ النظم ٤ — وليس العددُ واحدًا منها. والميزانُ الذي يعرضه النصُّ على نفسه ميزانُ نظرٍ لا ميزانُ حساب: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ ٥ — «نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم» ٦. فاعتراضُك على الدعوى العدديّة وارد، وهو اعتراضُنا عليها قبل أن يكون اعتراضَك.
١ ١. أخذنا مقالاتٍ تُساق في باب الإعجاز العدديّ فعددنا ألفاظَها في النصّ بأنفسنا. قيل إنّ لفظ «الآخرة» ورد مئةً وخمس عشرة مرّة — فوجدناه إحدى وسبعين. وقيل «يوم» ثلاثُ مئةٍ وخمسٌ وستّون و«أيّام» ثلاثون — فوجدناهما مئتين وسبع عشرة وعشرين. وقيل «البرّ» ثلاثَ عشرة و«البحر» اثنتين وثلاثين — فوجدناهما تسعَ عشرة وثلاثًا وعشرين. فسقطت أربعةُ مقالات: كانت عشرين وصارت ستّةَ عشر. والأمرُ الذي يُعيد العدَّ أمامك: `php tools/verify_claims.php`.
الرسالةُ التي لا تُكتب · افتح الموضع
٢ قال ابن حجر وهذا باطل لا يعتمد عليه فقد ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه الزجر عن عد أبي جاد والإشارة إلى أن ذلك من جملة السحر وليس ذلك ببعيد فإنه لا أصل له في الشريعة … وقد قال القاضي أبو بكر بن العربي في فوائد رحلته ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٢٥ · افتح الموضع
٣ فصل في جملة وجوه إعجاز القرآن ذكر أصحابنا وغيرهم في ذلك ثلاثة أوجه من الإعجاز: أحدها: يتضمن الإخبار عن الغيوب، وذلك مما لا يقدر عليه البشر، ولا سبيل لهم إليه.
الباقلاني · إعجاز القرآن ص٣٢ · افتح الموضع
٤ والوجه الثاني: أنه كان معلوما من حال النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان أميا لا يكتب، ولا يحسن أن يقرأ. … والوجه الثالث: أنه بديع النظم، عجيب التأليف، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه.
الباقلاني · إعجاز القرآن ص٣٣ · افتح الموضع
٥ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا
سورة النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
٦ أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
التفسير الميسّر · النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
٧ وقد استنبط الناس زلزلة عام اثنين وسبعمائة من قوله تعالى: {إذا زلزلت الأرض} فإن الألف باثنين والذال بسبعمائة … وكذلك استنبط بعض أئمة العرب فتح بيت المقدس وتخليصه من أيدي العدو في أول سورة الروم بحساب الجمل وغير ذلك
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٨١ · افتح الموضع
٨ ومن ساق لك عجبًا وسمّاه دليلًا فقد غشّك. وهذا الموقعُ الذي أكتب من داخله أسقط أربع مقالاتٍ من نوع «الإعجاز العدديّ» لأنّ العدّ كذّبها — لا لأنّها ضعيفة، بل لأنّها غير صحيحة، ودعوى تُنسب إلى الدين ويكذّبها العدُّ أشدُّ ضررًا على الدين من السكوت.
من أعماق الماء · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
تنتقون. عدُّكم أسقط ما خالف، ثمّ لبستم الإسقاطَ ثوبَ أمانةٍ وجعلتموه حجّةً لكم. ثمّ إنّ أئمّتكم أنفسَهم كانوا على هذا الباب: الزركشيّ يسوق استنباطَ تاريخ زلزلةٍ وتاريخِ فتح بيت المقدس من حروف القرآن بحساب الجمل. فهذا من تراثكم لا من عبث المعاصرين، وإنّما تخلّيتم عنه يومَ صارت الآلةُ تكشفه.
الشقُّ الثاني صحيحٌ ولا أدفعه: الزركشيّ يذكر ذلك فعلًا في البرهان — الزلزلةَ من «إذا زلزلت الأرض» وفتحَ بيت المقدس من أوّل الروم بحساب الجمل ٧. لكنّه لم يكن إجماعًا في عصره: ابن حجر سمّاه باطلًا لا أصلَ له في الشريعة، وابن العربيّ سمّاه من الباطل ٢ — فالنزاعُ قديمٌ داخل التراث نفسِه، لا وافدٌ عليه من آلةٍ حاسبة. وأمّا الانتقاءُ فيُردّ بالفعل لا بالقول: الأداةُ تُشغَّل على ما نعرضه نحن، وأسماءُ ما سقط مكتوبةٌ بأعداده، والأمرُ منشورٌ ليُعيده من شاء علينا ١. ومن ساق لك عجبًا وسمّاه دليلًا فقد غشّك ٨.
-
ألا يمكن أن يكون صادقًا في ظنّه لا في الواقع؟
الأمرُ على خلاف ما يُفترض في السؤال: الاستدلالُ بالخُلُق ليس هو الحجّة ولم يكن، وقد قرّر ذلك الباقلانيُّ صراحةً — «لأن النبي لا يتميز من الكاذب بصورته … ولا يقول نفسه، ولا بشئ آخر، سوى البرهان الذي يظهر عليه، فيستدل به على صدقه» ١، فالتمييزُ في البرهان المعروض لا في سيرة الرجل ولا في إخباره عن نفسه. وميزانُ اختبار دعوى الوحي المعروضُ عليك ههنا خمسةُ معايير — سلامةُ النصّ، واتّساقُ التصوّر، وقابليةُ التكذيب، والمضمونُ الأخلاقيّ، وأثرُه في حامله ٢ — وليس فيها معيارُ «أكان صادقًا في نفسه»، لا لنا ولا علينا. ثمّ إنّ الدعوى نفسَها ليست «كان صادقًا»: نصُّها ﴿مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ﴾ ٣، وتفسيرُه «ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره» ٤ — أي أنّ المُدَّعى وقوعُ المرئيّ لا صدقُ الرائي. وفي ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ﴾ ٥ نفيُ ضلالٍ لا نفيُ كذبٍ فحسب: «ما حاد محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد» ٦. فـ«صادقٌ مخطئ» ليس منزلةً وسطى تتركها الدعوى مفتوحةً، بل نقضٌ لها يُقام عليه الدليلُ كما يُقام على سواه ٣ ٥. وأقولها على نفسي قبل أن تقولها: نقلي هذه الآياتِ لا يُثبت لك شيئًا، والكتابُ الذي أُحيلك عليه يقوله بلفظه — «ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان وأخذ الإعلان — ونحن أصحابُ دعوًى فلا تقبل شهادتَنا فيه» ٧.
١ يجب أن تعلم أن من حكم المعجزات إذا ظهرت على الأنبياء أن: يدعوا فيها أنها من دلالتهم وآياتهم، لأنه لا يصح بعثة النبي من غير أن يؤتى دلالة، ويؤيد بآية، لأن النبي لا يتميز من الكاذب بصورته … ولا يقول نفسه، ولا بشئ آخر، سوى البرهان الذي يظهر عليه، فيستدل به على صدقه.
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٨٩ · افتح الموضع
٢ خمسةُ معايير، وهي تُسلَّم إليك لتزن بها ما شئت — بما في ذلك ما نقوله نحن في هذا الكتاب. وأكثرُها يُسقط ولا يرفع، وهذا حدُّها لا عيبُها … المعيار: سلامةُ النصّ … المعيار: اتّساقُ التصوّر … المعيار: قابليةُ التكذيب … المعيار: المضمونُ الأخلاقيّ — وهو الذي أُضيف … المعيار: أثرُه في حامله — ونصرّح بضعفه
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٣ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ
سورة النجم ٥٣:١١ · افتح الموضع
٤ … ما كذب قلب محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره.
التفسير الميسّر · النجم ٥٣:١١ · افتح الموضع
٥ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ
سورة النجم ٥٣:٢ · افتح الموضع
٦ أقسم الله تعالى بالنجوم إذا غابت، ما حاد محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الهداية والحق، وما خرج عن الرشاد، بل هو في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه.
التفسير الميسّر · النجم ٥٣:٢ · افتح الموضع
٧ وننبّه على أنفسنا: هذا المعيارُ بعينه يحابي نصًّا كنصّنا. فمن ردَّ تقديمَنا له فله وجه، وليَزِنْ بالخمسة غيرَ مرتَّبة. ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان وأخذ الإعلان — ونحن أصحابُ دعوًى فلا تقبل شهادتَنا فيه.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٨ اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّ الحماس، وأكثرُ ممّا يظنّ الرفض.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٩ أتقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه؟ أم أنّها مصوغةٌ بحيث يوافقها كلُّ احتمال؟
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي — المعيار: قابليةُ التكذيب · افتح الموضع
١٠ فأما كلام " مسيلمة " الكذاب، وما زعم أنه قرآن، فهو أخس من أن نشتغل به، وأسخف من أن نفكر فيه. … وإنما نقلنا منه طرفا ليتعجب القارئ، وليتبصر الناظر، فإنه … على سخافته قد أضل، وعلى ركاكته قد أزل، وميدان الجهل واسع!
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٧٠ · افتح الموضع
١١ ومن تعذر عليه الحكم بين شعر جريز والفرزدق والأخطل، والحكم بين فضل زهير والنابغة، أو الفضل … بين البحتري وأصحابه، ولم يعرف سخف … مسيلمة في نظمه، ولم يعلم أنه من الباب الذي يهزأ به ويسخر منه … فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم على ما بينا؟
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٨٦ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
وهذا كلُّه نقلٌ لا برهان. الباقلانيُّ يحيلني على «البرهان الذي يظهر عليه» ثمّ يجعله النصَّ نفسَه، فأنا أختبر الدعوى بالمدَّعى. والآياتُ التي سُقتَها نفيٌ صادرٌ عن الجهة المتَّهَمة في قضيّتها. وأنت لم تنفِ احتمالَ الغلط ألبتّة، إنّما نقلتَ عمّن يُتَّهم به أنّه ينفيه — وذاك ما يفعله كلُّ مدّعٍ.
الشقُّ الأخيرُ مُسلَّمٌ ومكتوبٌ في المصدر نفسِه قبل أن يُقال: «اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّ الحماس، وأكثرُ ممّا يظنّ الرفض» ٨. وأمّا الدورُ فمردودٌ بأنّ المطلوب فحصُ النصّ لا تصديقُه، والمعيارُ الحاملُ ههنا قابليةُ التكذيب: «أتقول الدعوى شيئًا يمكن أن يظهر خلافُه؟ أم أنّها مصوغةٌ بحيث يوافقها كلُّ احتمال؟» ٩ — وهو سؤالٌ يُوجَّه إلى النصّ من خارجه ولا يستأذنه. وقد أُجري نظيرُه على مدّعٍ آخر لا يُتّهم بالكذب وحده: عرض الباقلانيُّ كلامَ مسيلمةَ «وما زعم أنه قرآن» بلفظه ليُقابَل ١٠. والمقابلةُ صنعةٌ تُتعلَّم لا ذوقٌ يُدّعى، والباقلانيُّ يقرّ بثمنها في الموضع نفسِه: من تعذّر عليه الحكمُ بين الشعراء «فكيف يمكنه النظر فيما وصفنا، والحكم على ما بينا؟» ١١ — أي أنّ هذا الميزانَ ليس مفتوحًا لكلّ أحد، وذاك حدُّه لا فضلُه.
-
لماذا نزل مفرَّقًا في ثلاثٍ وعشرين سنة لا جملةً واحدة؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: هذا الاعتراضُ بعينه مسجَّلٌ في النصّ بلفظ قائليه ومُجابٌ عنه في حينه لا بعده — ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ﴾ ١، وقالته اليهودُ مقايسةً على التوراة ٢. والجوابُ لم يكن نفيَ الوصف بل تعليلَه: «كذلك أنزلناه مفرقًا؛ لنقوِّي به قلبك» ٣. ولا يُداري التراثُ شيئًا ممّا تصفه: ﴿وَقُرْءَانًۭا فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍۢ﴾ ٤ يُشرح بأنّه نزل «على حسب الحوادث ومقتضيات الأحوال» ٥، ويُجعل النسخُ وجوابُ السائل والإنكارُ على قولٍ قيل هي بعينها عللَ التفريق ٦ — فالوصفُ مُقَرٌّ به منصوصًا، والنزاعُ في دلالته لا في وقوعه. والعلّةُ المعلَنة تدريجٌ للقبول، شهدت به من عاشت النزول: نزل أوّلًا ذكرُ الجنّة والنار، فلمّا ثاب الناسُ نزل الحلالُ والحرام، «ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشرَبوا الخَمرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمرَ أبَدًا» ٧، ويُقرن بها أنّ التوراةَ نزلت جملةً فنفروا من حملها ٨. والذي يكسر قياسَ «مؤلِّفٍ يستجيب لظرفه» أنّ ترتيبَ المصحف ليس ترتيبَ الوقائع: البقرةُ أوّلُ عشرٍ وهودٌ عاشرتُها في المصحف، وهودٌ مكّيّةٌ والبقرةُ مدنيّةٌ نزلت بعدها ٩ — ومن ألّف كتابًا استجابةً لأحداثه لم يعكس ترتيبَه عليها.
١ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةًۭ وَٰحِدَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَٰهُ تَرْتِيلًۭا
الفرقان ٢٥:٣٢ · افتح الموضع
٢ أخرج ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قالت اليهود يا أبا القاسم لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى فنزلت وأخرجه من وجه آخر عنه بلفظ قال المشركون وأخرج نحوه عن قتادة والسدي
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص١٢١ · افتح الموضع
٣ وقال الذين كفروا: هلا أنزل القرآن على محمد جملة واحدة كالتوراة والإنجيل والزبور! قال الله سبحانه وتعالى: كذلك أنزلناه مفرقًا؛ لنقوِّي به قلبك وتزداد به طمأنينة، فتعيه وتحمله، وبيَّنَّاه في تثبت ومُهْلَة.
التفسير الميسّر · الفرقان ٢٥:٣٢ · افتح الموضع
٤ وَقُرْءَانًۭا فَرَقْنَٰهُ لِتَقْرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍۢ وَنَزَّلْنَٰهُ تَنزِيلًۭا
الإسراء ١٧:١٠٦ · افتح الموضع
٥ وأنزلنا إليك -أيها الرسول- قرآنًا بيَّناه وأحكمناه وفَصَّلناه فارقًا بين الهدى والضلال والحق والباطل؛ لتقرأه على الناس في تؤدة وتمهُّل، ونَزَّلْناه مفرَّقًا، شيئًا بعد شيء، على حسب الحوادث ومقتضيات الأحوال.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:١٠٦ · افتح الموضع
٦ وقال غيره إنما لم ينزل جملة واحدة لأن منه الناسخ والمنسوخ ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقا ومنه ما هو جواب لسؤال وما هو إنكار على قول قيل أو فعل فعل وقد تقدم ذلك في قول ابن عباس ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم …
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص١٢٠ · افتح الموضع
٧ إنِّي عِندَ عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها، إذ جاءَها عِراقيٌّ، فقال: أيُّ الكَفَنِ خَيرٌ؟ قالت: ويحَك! وما يَضُرُّك؟ قال: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، أريني مُصحَفَكِ؟ قالت: لمَ؟ قال: لَعَلِّي أولِّفُ القُرآنَ عليه؛ فإنَّه يُقرَأُ غيرَ مُؤَلَّفٍ، قالت: وما يَضُرُّك أيَّه قَرَأتَ قَبلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سورةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فيها ذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذا ثابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشرَبوا الخَمرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزنوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنا أبَدًا، لقد نَزَلَ بمَكَّةَ على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي لَجاريةٌ ألعَبُ: {بَلِ السَّاعةُ مَوعِدُهم والسَّاعةُ أدهى وأمَرُّ} [القمر: 46]، وما نَزَلَت سورةُ البَقَرةِ والنِّساءِ إلَّا وأنا عِندَه، قال: فأخرَجَت له المُصحَفَ، فأملَت عليه آيَ السُّورِ. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 4993 · صحيح
٨ فهذه آثار صحيحة صريحة في إنزال التوراة جملة ويؤخذ من الأثر الأخير منها حكمة أخرى لإنزال القرآن مفرقا فإنه أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج بخلاف ما لو نزل جملة واحدة فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص١٢٢ · افتح الموضع
٩ وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله تعالى: {فأتوا بعشر سور} معناه مثل البقرة إلى سور هود وهي العاشرة ومعلوم أن سورة هود مكية وأن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة مدنيات نزلت بعدها
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٢٥٨ · افتح الموضع
١٠ ولو نزل القرآن جملة واحدة كما اقترحوا عليه لنزل على هذا الترتيب وإنما تفرقت سوره وآياته نزولا لحاجة الناس إليها حالة بعد حالة ولأن فيه الناسخ والمنسوخ ولم يكن ليجتمعا نزولا وأبلغ الحكم في تفرقه ما قال سبحانه: {وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} وهذا أصل بني عليه مسائل كثيرة
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٢٥٨ · افتح الموضع
إنِّي عِندَ عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ رَضيَ اللهُ عنها، إذ جاءَها عِراقيٌّ، فقال: أيُّ الكَفَنِ خَيرٌ؟ قالت: ويحَك! وما يَضُرُّك؟ قال: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، أريني مُصحَفَكِ؟ قالت: لمَ؟ قال: لَعَلِّي أولِّفُ القُرآنَ عليه؛ فإنَّه يُقرَأُ غيرَ مُؤَلَّفٍ، قالت: وما يَضُرُّك أيَّه قَرَأتَ قَبلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلَ ما نَزَلَ منه سورةٌ مِنَ المُفَصَّلِ، فيها ذِكرُ الجَنَّةِ والنَّارِ، حتَّى إذا ثابَ النَّاسُ إلى الإسلامِ نَزَلَ الحَلالُ والحَرامُ، ولو نَزَلَ أوَّلَ شَيءٍ: لا تَشرَبوا الخَمرَ، لَقالوا: لا نَدَعُ الخَمرَ أبَدًا، ولو نَزَلَ: لا تَزنوا، لَقالوا: لا نَدَعُ الزِّنا أبَدًا، لقد نَزَلَ بمَكَّةَ على مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وإنِّي لَجاريةٌ ألعَبُ: {بَلِ السَّاعةُ مَوعِدُهم والسَّاعةُ أدهى وأمَرُّ} [القمر: 46]، وما نَزَلَت سورةُ البَقَرةِ والنِّساءِ إلَّا وأنا عِندَه، قال: فأخرَجَت له المُصحَفَ، فأملَت عليه آيَ السُّورِ. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 4993 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
وهذا كلُّه وصفٌ لا برهان: الكتاب الذي يستجيب لظرفه يفعل هذا بعينه — يجيب سائلَه، ويردّ على خصمه، ويبدّل حكمَه إذا تبدّل الحال ثمّ يسمّي التبديلَ نسخًا. و«التدرّجُ للقبول» تعليلٌ صيغ بعد الواقعة لا قبلها، فهو يشرح السلوكَ ولا يميّز مصدرَه — وكلُّ داعيةٍ ناجحٍ يتدرّج. وأمّا مخالفةُ ترتيب المصحف لترتيب النزول فلا تنقض شيئًا: جامعٌ رتّب بعد الموت، والترتيبُ صنعةُ لجنةٍ لا شهادةُ سماء.
صحيحٌ أنّ التفريقَ وحدَه لا يُثبت مصدرًا، ولا يُدَّعى ذلك ههنا؛ فمن قرأ فيه برهانًا مستقلًّا حمّله ما لا يحمل. والذي يُقال أضيقُ: أنّ الاعتراضَ لا يكشف مستورًا، إذ الوصفُ مُعلَنٌ في النصّ ومُعلَّلٌ فيه قبل أن يُعترض به ١ ٦. وأمّا «صنعةُ لجنة» فتردّها المصادرُ نفسُها: الترتيبُ عندها موقوفٌ سابقٌ لا مجتهَدٌ فيه لاحق — «ولو نزل القرآن جملة واحدة كما اقترحوا عليه لنزل على هذا الترتيب» ١٠ — وهي دعوى نقلٍ تُقبل أو تُردّ بالنقل، لا بالاستبعاد وحدَه. وأمّا التدرّجُ فهو الوحيد ههنا الذي يُختبر: صيغ لفظًا محدَّدًا يقبل النقض — الترهيبُ والترغيبُ أوّلًا ثمّ الحلالُ والحرام ٧ — فمن أراد إسقاطَه فليُسقطه بترتيب النزول لا بأنّه «تعليلٌ لاحق».
-
ولماذا لا يكفي أن أقول «لا أعرف»؟
نعم، و«لا أدري» موقفٌ معرفيٌّ تامٌّ لا يلزمك عليه سند — والكتابُ الذي تُحاجّه يقولها قبلك ولا يُنازعك فيها: «التوقُّفُ ليس دعوى، ومن طالب المتوقّفَ بدليلٍ فقد قلب العبء» ١. والقرآنُ نفسُه ينهى عن الجزم بما لا علمَ به: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ﴾ ٢، وتفسيرُه الميسّر «ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت» ٣ — فالنهيُ واقعٌ على المتقوِّل لا على المتوقِّف. بل جعل ابنُ عمر «لا أدري» أحدَ ثلاثةٍ هي العلمُ نفسُه، لا نقيضًا له ٤. والذي يُطلب منك واحدٌ صغير: أن يكون توقُّفُك عن نظرٍ في المعروض لا عن إعراضٍ عنه، فـ«نظرتُ فلم يكفني» غيرُ «لم أنظر» ٥ — ويُقرّ الكتابُ بأنّ هذا الطلب «زهيد» وأنّ فصلَه «لا يُنتج عليك شيئًا» ٦. وحدُّ التوقّف في تراثنا مرسومٌ لا مطلق: سُئل سحنون أيسع العالمَ أن يقول «لا أدري» فيما يدري، فمنعه فيما فيه نصٌّ قائمٌ وأجازه فيما كان رأيًا ٧ — فالنزاعُ بيننا ليس في مشروعيّة التوقّف، بل في أيّ الصنفين هذا المعروضُ عليك، وذاك سؤالُ نظرٍ لا سؤالُ عبء.
١ ١. لا نطالبك بسندٍ على النفي. التوقُّفُ ليس دعوى، ومن طالب المتوقّفَ بدليلٍ فقد قلب العبء. ولا نقول لك «فأثبت أنّه لم يتكلَّم»، ولا نعدّ سكوتَك موقفًا يُدافَع عنه.
٢١. الصمتُ: أدعوًى هو أم توقُّف؟ · افتح الموضع
٢ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًۭا
سورة الإسراء ١٧:٣٦ · افتح الموضع
٣ ولا تتبع -أيها الإنسان- ما لا تعلم، بل تأكَّد وتثبَّت. إن الإنسان مسؤول عما استعمَل فيه سمعه وبصره وفؤاده، فإذا استعمَلها في الخير نال الثواب، وإذا استعملها في الشر نال العقاب.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:٣٦ · افتح الموضع
٤ … عن عبد الله بن عمر قال: " العلم ثلاثة أشياء: كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري " ورواه أبو حذافة، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: «العلم ثلاثة فذكره»
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٦٠٥ · افتح الموضع
٥ ٢. والذي نطلبه واحدٌ وصغير: أن يكون توقُّفُك عن نظرٍ في المعروض لا عن إعراضٍ عنه. وفرقٌ بين «نظرتُ فلم يكفني» و«لم أنظر». والأولى موقفٌ معرفيٌّ تامّ، ولا شيءَ في هذا الكتاب يعيبه.
٢١. الصمتُ: أدعوًى هو أم توقُّف؟ · افتح الموضع
٦ ٣. ونقرّ بأنّ هذا الطلب زهيد. فمن نظر فلم يكفه فقد استوفى ما عليه، وليس عندنا بعده ما نُلزمه به. والفصلُ إذن لا يُنتج عليك شيئًا — وقولُنا هذا صريحًا خيرٌ من عنوانٍ يُوهم أنّه أنتج.
٢١. الصمتُ: أدعوًى هو أم توقُّف؟ · افتح الموضع
٧ قال ابن وضاح، وسئل سحنون، أيسع العالم أن يقول: لا أدري فيما يدري؟ فقال: «أما ما فيه كتاب الله قائم أو سنة ثابتة فلا يسعه ذلك وأما ما كان من هذا الرأي فإنه يسعه ذلك؛ لأنه لا يدري أمصيب هو أم مخطئ»
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٦١٧ · افتح الموضع
٨ إنَّ الرَّجلَ يُسألُ في قبرِه: ما تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فأمَّا المؤمِنُ فيقولُ: هو عبدُ اللهِ ورسولُه جاءنا بالبيِّناتِ والهُدى، وأمَّا المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه لا أدرِي، سمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُه، فلهذا قال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]. .
- · ابن تيمية · مجموع الفتاوى 14/409 · صحيح
٩ … عن أبي الذيال قال: " تعلم لا أدري؛ فإنك إن قلت: لا أدري علموك حتى تدري وإن قلت: أدري سألوك حتى لا تدري " …
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٨٤٣ · افتح الموضع
إنَّ الرَّجلَ يُسألُ في قبرِه: ما تقولُ في هذا الرَّجلِ؟ فأمَّا المؤمِنُ فيقولُ: هو عبدُ اللهِ ورسولُه جاءنا بالبيِّناتِ والهُدى، وأمَّا المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه لا أدرِي، سمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُه، فلهذا قال: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 86]. .
- · ابن تيمية · مجموع الفتاوى 14/409 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا تسليمٌ بلسانٍ وإلزامٌ بآخر. تقولون «لا يلزمك سند»، ثمّ يجيء نصُّكم فيضع الذي قال «لا أدري» في عذاب القبر. ومن جعل جزاءَ الموقف عذابًا فقد أثقله بما هو أثقلُ من عبء الإثبات كلِّه، ثمّ سمّى شرطَه «زهيدًا». والنظرُ في دعاوى الوحي المتعارضة ليس زهيدًا، بل عمرٌ كامل.
الحديثُ يسمّي علّةَ المرتاب بلفظه، وليست هي التوقّف: «وأمَّا المُرتابُ فيقولُ: هاه هاه لا أدرِي، سمِعْتُ النَّاسَ يقولونَ شيئًا فقُلْتُه» ٨ — فهو قال بلا نظرٍ ثمّ لم يدرِ، لا نظر فلم يكفه. وهو عينُ الفرق المشترط في الجواب: «نظرتُ فلم يكفني» غيرُ «لم أنظر» ٥. ويشهد له أنّ الأثر يجعل «لا أدري» بابًا يُفتح لا حائطًا يُسدّ: «تعلم لا أدري؛ فإنك إن قلت: لا أدري علموك حتى تدري» ٩. وأمّا ثقلُ النظر فمُسلَّم، ولذلك لم يُطلب منك مسحُ الدعاوى كلِّها بل النظرُ في المعروض عليك ٥، والكتابُ يقول بعده صراحةً: «فمن نظر فلم يكفه فقد استوفى ما عليه، وليس عندنا بعده ما نُلزمه به» ٦.