﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
الآخرةُ والعدل — أسئلةٌ تُسأل عن الإسلام
خلودُ العذاب على كفرٍ منقطع، والشرُّ والألم، وعلمُ الله السابقُ واختيارُ العبد، ومن لم تبلغه الرسالة، وأطفالُ من مات على غير الإسلام.
١٥٤ سؤالًا · ١٬٧٣٢ نصًّا منقولًا بنسبته · ولـ٨٦ سؤالًا حديثٌ محقَّقٌ بحكمه.
-
لماذا يُعذَّب الكافرُ عذابًا لا نهاية له على كفرٍ عمرُه سبعون سنة؟ وأين الرحمةُ في ذلك؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: قاعدةُ التناسب التي يقوم عليها اعتراضُك ليست ما يرفضه النصّ، بل هي ما ينصّ عليه — ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا﴾ ١، وتفسيرُها: «فلا يُجْزى في الآخرة إلا عقابًا يساوي معصيته» ٢. بل الميزانُ مائلٌ إلى الرحمة بالنصّ لا بالخطابة: الحسنةُ بعشرِ أمثالها، والسيّئةُ لا تُزاد على واحدة ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ٣. والموضعُ الذي يُسمّي جزاءَ الكافرين يجمع الأمرين في ستّ آيات: ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًۭا … جَزَآءًۭ وِفَاقًا﴾ ٤ — «ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع … يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم» ٥، وقرأه الكرمانيُّ أنّ جزاء الكافر «على وفق أعمالهم» وأنّ الذي يزيد على الوفق هو جزاءُ المؤمن وحده ٦. فالنزاعُ إذن ليس في التناسب بل في مقياس الجناية: النصُّ لا يقيسها بسبعين سنة بل بإرادةٍ لا تقف عند حدّ ﴿وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ﴾ ٧ — «ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب» ٨. وعلى هذا بنى ابنُ القيّم قوله إنّ من ظنّ بالله أنّه «يسوي بين المتضادين» فقد أساء الظنّ به، وجعل مناطَ الخلود «من لا يؤمن به طرفة عين، وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه» — لا مجرّدَ انقضاء عمرٍ محدود ٩. ولا تأخذ منّي هذا جوابًا حاسمًا، فالمدّةُ نفسُها كانت إشكالًا معلَنًا في التراث: نصّ النحّاسُ على أنّ في الآية «إشكالًا»، وحكى أنّ المبرّد سُئل عن ﴿أَحْقَابًۭا﴾ فردَّ السؤالَ سؤالًا «ما معنى هذا التحديد؟» ثمّ «لم يجبنا عنها مذ نيف وثلاثون سنة» ١٠؛ وكتابُ «متى بدأت تشكّ؟» يورد اعتراضَك بلفظه، ويُسقط تشبيهَ الطبيب ولا يرقّعه، ويقول: «لا أملك أن أقول لك العذابُ ليس أبديًّا ولا هو أبديٌّ قطعًا… ومن أعطاك في هذا الباب جوابًا في سطرٍ فقد أعطاك رأيَه في زيّ الدين» ١١.
١ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ
سورة غافر 40:40 · افتح الموضع
٢ من عصى الله في حياته وانحرف عن طريق الهدى، فلا يُجْزى في الآخرة إلا عقابًا يساوي معصيته، ومَن أطاع الله وعمل صالحًا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ذكرًا كان أو أنثى، وهو مؤمن بالله موحد له، فأولئك يدخلون الجنة، يرزقهم الله فيها من ثمارها ونعيمها ولذاتها بغير حساب.
التفسير الميسّر · غافر 40:40 · افتح الموضع
٣ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
سورة الأنعام 6:160 · افتح الموضع
٤ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحْقَابًۭا … جَزَآءًۭ وِفَاقًا
سورة النبأ 78:23–26 · افتح الموضع
٥ إن جهنم كانت يومئذ ترصد أهل الكفر الذين أُعِدَّت لهم، للكافرين مرجعًا، ماكثين فيها دهورًا متعاقبة لا تنقطع … يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.
التفسير الميسّر · النبأ 78:26 · افتح الموضع
٦ قوله {جزاء وفاقا} وبعده {جزاء من ربك عطاء حسابا} لأن الأول للكفار وقد قال الله تعالى {وجزاء سيئة سيئة مثلها} فيكون جزاؤهم على وفق أعمالهم والثاني للمؤمنين وجزائهم جزاء وافيا كافيا فلهذا قال {حسابا} أي كافيا من قولك حسبي وظني
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص٢٤٤ · افتح الموضع
٧ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
سورة الأنعام 6:28 · افتح الموضع
٨ ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين.
التفسير الميسّر · الأنعام 6:28 · افتح الموضع
٩ ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين، أو يفرق بين المتساويين من كل وجه أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلد فاعل تلك الطاعات في النار أبد الآبدين بتلك الكبيرة، ويحبط بها جميع طاعاته، ويخلده في العذاب كما يخلد من لا يؤمن به طرفة عين، وقد استنفد ساعات عمره في مساخطه ومعاداة رسله ودينه فقد ظن به ظن السوء.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٢٠٨ · افتح الموضع
١٠ وفي هذه الآية إشكال لقوله جل وعز: لابثين فيها أحقابا وهم لا يخرجون منها. فمن أحسن ما قيل فيها أن قتادة قال: لابثين فيها أحقابا لا انقطاع لها … سألنا أبا العباس محمد بن يزيد عن قول الله جل وعز: لابثين فيها أحقابا فقال: ما معنى هذا التحديد؟ ونحن إذا حددنا الشيء فقلنا: أنا أقيم عندك يوما، كان في قوة الكلام أنك لا تقيم بعد اليوم ثم لم يجبنا عنها مذ نيف وثلاثون سنة
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٨١ · افتح الموضع
١١ ١. الاعتراضُ يصيب البناءَ كما وصفتَه، وأُقرّ به. إن كان مآلُ التارك عذابًا لا ينتهي، فإطارُ «الدواء والطبيب» لا يصف العلاقة. ولا أُصلح التشبيهَ برُقعة؛ أُسقطه. … ٣. وأنبّه على ما لا أملكه: لا أملك أن أقول لك «العذابُ ليس أبديًّا» ولا «هو أبديٌّ قطعًا» فأحسم في مسألةٍ فيها نزاعٌ بين أهل العلم قديمًا وحديثًا — والفصلُ فيها ليس من عمل هذا الكتاب ولا من أهليّة كاتبه. ومن أعطاك في هذا الباب جوابًا في سطرٍ فقد أعطاك رأيَه في زيّ الدين. … ٥. والأمانةُ في هذا الباب أن يُقال: هذا اعتراضٌ لم أُجب عنه.
١٩. لماذا العبادة؟ · افتح الموضع
١٢ فأعلم الله عز وجل أنهم لو ردوا لعادوا لأنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم.
الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٢٣٩ · افتح الموضع
١٣ وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا
سورة الكهف 18:49 · افتح الموضع
١٤ ووُضِع كتاب أعمال كل واحد في يمينه أو في شماله، فتبصر العصاة خائفين مما فيه بسبب ما قدموه من جرائمهم، ويقولون حين يعاينونه: يا هلاكنا! ما لهذا الكتاب لم يترك صغيرة مِن أفعالنا ولا كبيرة إلا أثبتها؟! ووجدوا كل ما عملوه في الدنيا حاضرًا مثبتًا. ولا يظلم ربك أحدًا مثقال ذرة، فلا يُنقَص طائع من ثوابه، ولا يُزاد عاص في عقابه.
التفسير الميسّر · الكهف 18:49 · افتح الموضع
١٥ قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: سَبَقَت رَحمَتي غَضَبي. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2751 · صحيح
١٦ إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخِرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لَم تَكُنْ له حَسَنةٌ يُجزى بها. .
أنس بن مالك · مسلم · صحيح مسلم 2808 · صحيح
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: سَبَقَت رَحمَتي غَضَبي. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2751 صحيح
إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخِرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لَم تَكُنْ له حَسَنةٌ يُجزى بها. .
أنس بن مالك · مسلم · صحيح مسلم 2808 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا نقلٌ للعقوبة من الفعل إلى النيّة، وهو أسوأ لا أهون. «لَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟» حكمٌ على فعلٍ لم يقع قطُّ: فيُخلَّد الرجلُ على ما كان سيفعله لو عاش أبدًا، لا على ما فعله في سبعين سنة. والجنايةُ الواقعة تُحصى وتُقاس وتُدفَع، والمآلُ المفترضُ لا يُحصى ولا يُدفَع — فلا سبيلَ لأحدٍ أن يُثبت أنّه لم يكن ليعود. ثمّ إنّ دعوى «الوفاق» تنهدم بكلمةٍ واحدةٍ في تفسير الآية نفسِها: «لا تنقطع». فأيُّ وفاقٍ بين عملٍ منقطعٍ وجزاءٍ لا ينقطع؟ وأمّا «سبقت رحمتي غضبي» فرحمةٌ لا يبلغ أثرُها من لا يخرج أبدًا دعوى بلا مصداق.
الآيةُ لا تجعل المآلَ المفترضَ سببَ الحكم، بل تُبطل به دعوى الخصم نفسِه أنّه لو رُدّ لآمن؛ ولذلك ختامُها ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ﴾ ٧، والزجّاجُ يردّ العلّةَ إلى ما وقع لا إلى ما لم يقع: «فأعلم الله عز وجل أنهم لو ردوا لعادوا لأنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم» ١٢. والصحيفةُ التي يُقضى بها صحيفةُ الفعل لا الاحتمال ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا﴾ ١٣ — «فلا يُنقَص طائع من ثوابه، ولا يُزاد عاص في عقابه» ١٤. وأثرُ الرحمة مقيسٌ لا خطابيّ: «سبقت رحمتي غضبي» ١٥، وحتى الكافرُ لا يُبخس ما عمل من خيرٍ بل «يُطعَم بحسنات ما عمل بها لله في الدنيا» ١٦ — أي إنّ الاستيفاء واقعٌ، والذي ينقطع بعده رصيدُه هو. وأمّا شطرُك الأخير — الوفاقُ بين المنقطع وغير المنقطع — فيبقى قائمًا على قوّته، وقد أقرّ به كتابُ الموقع نصًّا: «هذا اعتراضٌ لم أُجب عنه» ١١. والذي أزعمُه هنا أنّ التناسبَ مقرَّرٌ في النصّ لا مرفوضٌ فيه، وأنّ مقياسَ الجناية ليس عمرَ الجاني — لا أنّ إشكالَ المدّة قد انحلّ.
-
إن كان ثمّ إلهٌ قادرٌ عالمٌ رحيم، فما بالُ هذا الألم كلِّه؟
لا جوابَ عندي يمسّ صورتَيك، وهذا أوّلُ ما يُقال لا آخرُه: الكتاب أفرد لسؤالك بلفظه فصلًا كاملًا وختمه بـ«لماذا هذا القدرُ بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف» ١. وردُّك للإرادة الحرّة في محلِّه، والفصلُ يردّها معك بالحجّة نفسِها: «الطفلةُ قُتلت بفعل حرّ، والجوابُ يبيّن لِمَ لم يُمنع القاتلُ من الاختيار، ولا يقول شيئًا في لِمَ لم تُصرَف عنها النتيجةُ بعد أن اختار» ٢. وغزالتُك أثقلُ منها: الفصلُ يجدول أجوبتَه الأربعة على صورتيك ولا يُخفي صفرًا، ولا يمسّ الغزالةَ عنده إلا «الشكّيةُ الإلهية» ٣ — ثمّ يُعلن حدَّيها بنفسه: من جهل الحكمةَ جاز عليه أن يجهل الخيريّة، والحجّةُ التي تُسكِت الاعتراضَ تُسكِت معها كلَّ نداءٍ للإغاثة ٤. والذي يقوله النصُّ ليس تعليلًا يسدّ هذا الفراغ: ﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ ٥، «أنه لا يُسأل عن قضائه في خلقه» ٦؛ فالموعودُ ليس أن تفهم بل أن تُنصَف ٧، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا﴾ ٨ «فلا يُنقَص طائع من ثوابه، ولا يُزاد عاص في عقابه» ٩. وهذا الوعدُ يتفصّل في الطفلة إلى ثلاثِ دعاوى تصدق أو تكذب — أنّ ما جرى لها ليس الكلمةَ الأخيرة فيها، وأنّ من ظلمها يُؤخَذ منه، وأنّ ما احتملته لا يُهمَل في حسابه ٧ — وأقربُ ما في السنّة إلى الثالثة نصٌّ موضوعُه المسلمُ المكلَّف لا طفلةٌ ولا بهيمة: «ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ… إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه» ١٠. وأمّا الغزالةُ فلا شيء: «لا أملك فيها شيئًا محدَّدًا… ولن أصنع للغزالة إنصافًا لأُتمّ به جدولًا» ٧.
١ وأمّا سؤالك أنت فجوابي فيه واحد: لماذا هذا القدرُ بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف. وكلُّ من قال لك غيرَ ذلك إمّا أنّه لم يفهم سؤالك، وإمّا أنّه رأى أنّ سكوته أثقلُ عليه من كلامٍ لا يملكه.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٢ وحالةُ رو الثانية تُري أنّ الحدَّ أوسعُ من ذلك: الطفلةُ قُتلت بفعل حرّ، والجوابُ يبيّن لِمَ لم يُمنع القاتلُ من الاختيار، ولا يقول شيئًا في لِمَ لم تُصرَف عنها النتيجةُ بعد أن اختار.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٣ القارئُ الذي مرّ بأربعة أجوبةٍ لكلٍّ «قوّةٌ» و«حدّ» يخرج بانطباعٍ أنّه أُعطي شيئًا في كلّ صورة، وهذا غيرُ صحيح. وهذا هو الجدول، ولا أُخفي فيه صفرًا… فالمحصّلة: صيغةُ رو في الغزالة لا يمسّها إلا الشكّيةُ الإلهية — بحدّيها المعلَنَين… ومن قرأ الفصلَ فخرج بأنّ الأجوبةَ الأربعة تتقاسم الصورَ فقد قرأ غيرَ ما فيه.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٤ وحدُّه الأوّل — وهو الذي يقتل الجواب من داخله: من قال «لا أعرف حكمته» جاز عليه أن لا يعرف خيريَّتَه أيضًا. فإن كانت ملَكاتي أضعفَ من أن ترى الخيرَ الكامن في احتراق غزالة، فهي أضعفُ من أن تحكم بأنّ ما أراه من إحسانٍ إحسانٌ في الحساب الكلّيّ… وحدُّه الثاني — وهو أشهرُ ما رُدّ به وقد أسقطتُه في النسخة الأولى: الشللُ الأخلاقيّ… والحجّةُ التي تُسكِت الاعتراضَ تُسكِت معها كلَّ نداءٍ للإغاثة.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٥ لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ
سورة الأنبياء ٢١:٢٣ · افتح الموضع
٦ إن من دلائل تفرُّده سبحانه بالخلق والعبادة أنه لا يُسأل عن قضائه في خلقه، وجميع خلقه يُسألون عن أفعالهم.
التفسير الميسّر · الأنبياء ٢١:٢٣ · افتح الموضع
٧ وآخرُ ما أقوله ليس حجّة، هو تحريرُ وعد. الدينُ لا يَعِدك بأن تفهم. لم يقل لك أحدٌ يُعتدّ به إنّك ستُعطى الملفَّ لتقرأه. الذي يُوعَد به شيءٌ آخر: أن تُنصَف… في الطفل: أنّ الذي مات لم يُعدَم — أنّ ما جرى له ليس الكلمةَ الأخيرة فيه؛ وأنّ من ظلمه يُؤخَذ منه؛ وأنّ ما احتمله لا يُهمَل في حسابه. هذه ثلاثةُ أشياء محدَّدة يمكن أن تصدق أو تكذب، لا لفظٌ حسن. وأمّا الغزالةُ في الغابة فلا أملك فيها شيئًا محدَّدًا… ولن أصنع للغزالة إنصافًا لأُتمّ به جدولًا.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٨ وَوُضِعَ ٱلْكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلْكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةًۭ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحْصَىٰهَا ۚ وَوَجَدُوا۟ مَا عَمِلُوا۟ حَاضِرًۭا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًۭا
سورة الكهف ١٨:٤٩ · افتح الموضع
٩ ووُضِع كتاب أعمال كل واحد في يمينه أو في شماله، فتبصر العصاة خائفين مما فيه بسبب ما قدموه من جرائمهم، ويقولون حين يعاينونه: يا هلاكنا! ما لهذا الكتاب لم يترك صغيرة مِن أفعالنا ولا كبيرة إلا أثبتها؟! ووجدوا كل ما عملوه في الدنيا حاضرًا مثبتًا. ولا يظلم ربك أحدًا مثقال ذرة، فلا يُنقَص طائع من ثوابه، ولا يُزاد عاص في عقابه.
التفسير الميسّر · الكهف ١٨:٤٩ · افتح الموضع
١٠ ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 5641 · صحيح
١١ ولكلٍّ كلفةٌ مختلفة، وأثقلُها الأوّل: إن كان السندُ نصًّا يقول عن الله إنّه رحيم، فأنا أثبتُّ الرحمةَ بشهادة المتّهَم — وهذا دورٌ ظاهر ما لم يُثبت صدقُ الخبر بطريقٍ لا يمرّ بمضمونه. ولستُ أعطيك واحدًا من الثلاثة في هذا الفصل، وأثرُ ذلك في وزن ما هنا معلوم: الجوابُ يبقى مشروطًا بما لم يُقدَّم بعد.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
١٢ وما لم يسقط: صيغةُ رو — بحالتيها، الغزالةِ والطفلة — وصيغةُ درابر. لم أردّهما في هذا الفصل، وليس عندي ما يردّهما ردًّا حاسمًا.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 5641 صحيح
عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له. .
صهيب بن سنان الرومي · مسلم · صحيح مسلم 2999 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه اعترافٌ بالعجز ثمّ تبديلٌ للسؤال. سألتُ: أيُّ خيرٍ كان لا يُنال إلا بالسماح بهذا؟ فأجبتَ: لا أعرف، لكنّها ستُنصَف. والإنصافُ تعويضٌ لا تبرير — وأنت تأخذ وعدَ التعويض من النصّ المتَّهَم نفسِه، فتُثبت رحمةَ المتَّهَم بشهادته. وأمّا «لا أعرف» فليست جوابًا بل تسليمٌ صريحٌ بأنّ الفرضَ بقي أقلَّ ترجيحًا كما كان، ثمّ استُبدل بالبرهان أدبُ الاعتراف.
شقُّك الأوّل مُقَرٌّ به في الفصل بلفظٍ أحدَّ من لفظك: «إن كان السندُ نصًّا يقول عن الله إنّه رحيم، فأنا أثبتُّ الرحمةَ بشهادة المتّهَم — وهذا دورٌ ظاهر ما لم يُثبت صدقُ الخبر بطريقٍ لا يمرّ بمضمونه»، ويُتبعه بأنّه لا يُقدّم ذلك الطريقَ هنا، «فالجوابُ يبقى مشروطًا بما لم يُقدَّم بعد» ١١. فالوعدُ جوابٌ داخليّ لا يلزم من لم يقبل مصدرَ الخبر، والنزاعُ ينتقل بتمامه إلى إثبات صدق الخبر بطريقٍ لا يمرّ بمضمونه — وذاك بابٌ آخر لم يُفتح في هذا الموضع. وشقُّك الثاني لا يُنازَع أصلًا: «وما لم يسقط: صيغةُ رو — بحالتيها، الغزالةِ والطفلة — وصيغةُ درابر. لم أردّهما في هذا الفصل، وليس عندي ما يردّهما ردًّا حاسمًا» ١٢. والذي بقي ليس انتصارًا يُدَّعى: هو أنّ الفرقَ بين وعدٍ بالفهم ووعدٍ بالإنصاف فرقٌ يُختبر، وأنّ الثاني ثلاثُ دعاوى محدَّدة تصدق أو تكذب لا لفظٌ حسنٌ يُقال عند قبر ٧.
-
رجلٌ صادقٌ بارٌّ محسنٌ للناس طولَ عمره، لكنه لم يؤمن — أتُحبَط أعمالُه كلُّها ويخلد في النار، ومسلمٌ سيّئُ العمل ينجو؟
لا؛ والدعوى مكسورةٌ في طرفَيها معًا. فالانتماءُ لا يُنجي مسلمًا سيّئًا: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا﴾ ١، وتفسيرُها أنّ الأمر «لا يُنال… بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون» وإنّما «بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه» ٢. وإحسانُ غير المؤمن غيرُ منكورٍ ولا مبخوس: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ ٣، وفي صحيح مسلم: «وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا» ٥ — فالأجرُ مدفوعٌ لا ممحوٌّ، والنزاعُ في موضع دفعه لا في استحقاقه. والذي يُبطِل العملَ في هذا التقرير ليس تصديقَ دعوًى في الرأس بل جهةُ العمل ومقصدُه: «وكان عملهم باطلا لأنه لم يكن لوجه الله» ٤، وشرطُ القَبول عند ابن القيّم «أن يكون خالصا لوجهه، موافقا لشرعه» ٧. وهذا الميزانُ يقع على المسلم أوّلًا لا آخرًا: في رواية مسلم يُسحَب شهيدٌ وعالمٌ قارئٌ ومنفِقٌ على وجوههم إلى النار لأنّ أعمالهم كانت «ليقال»، وابنُ رجب يقرأ عليهم آيةَ ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا﴾ نفسَها التي تُتلى على الكافر ١١. فمن عمل ليُقال سقط عملُه وإن مات شهيدًا ١١، ومن عمل لوجه الله قُبل ٧ — وهذا ميزانٌ يجوز أن يُنازَع فيه، لكنه ليس بطاقةَ حزب.
١ لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَآ أَمَانِىِّ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوٓءًۭا يُجْزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدْ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًۭا
سورة النساء ٤:١٢٣ · افتح الموضع
٢ لا يُنال هذا الفضل العظيم بالأماني التي تتمنونها أيها المسلمون، ولا بأماني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وإنما يُنال بالإيمان الصادق بالله تعالى، وإحسان العمل الذي يرضيه. ومن يعمل عملا سيئًا يجز به، ولا يجد له سوى الله تعالى وليّاً يتولى أمره وشأنه، ولا نصيرًا ينصره، ويدفع عنه سوء العذاب.
التفسير الميسّر · النساء ٤:١٢٣ · افتح الموضع
٣ مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَٰلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ
سورة هود ١١:١٥ · افتح الموضع
٤ أولئك ليس لهم في الآخرة إلا نار جهنم يقاسون حرَّها، وذهب عنهم نَفْع ما عملوه، وكان عملهم باطلا لأنه لم يكن لوجه الله.
التفسير الميسّر · هود ١١:١٦ · افتح الموضع
٥ إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخِرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لَم تَكُنْ له حَسَنةٌ يُجزى بها. .
أنس بن مالك · مسلم · صحيح مسلم 2808 · صحيح
٦ قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدعانَ كانَ في الجاهِليَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المِسكينَ، فهل ذاك نافِعُه؟ قال: لا يَنفَعُه؛ إنَّه لَم يَقُلْ يَومًا: رَبِّ اغفِرْ لي خَطيئَتي يَومَ الدِّينِ. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 214 · صحيح
٧ فشبه سبحانه أعمالهم في حبوطها وذهابها باطلا كالهباء المنثور لكونها على غير أساس من الإيمان والإحسان وكونها لغير الله عز وجل وعلى غير أمره برماد طيرته الريح العاصف فلا يقدر صاحبه على شيء منه وقت شدة حاجته إليه… فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، موافقا لشرعه، والأعمال أربعة، فواحد مقبول وثلاثه مردودة؛ فالمقبول الخالص الصواب، فالخالص أن يكون لله لا لغيره، والصواب أن يكون مما شرعه الله على لسان رسوله، والثلاثة المردودة ما خالف ذلك.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٣٠ · افتح الموضع
٨ قال: فقلت: والله لا أدع شيئا صنعته في الجاهلية إلا صنعت في الإسلام مثله، وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها» كما دل عليه حديث أبي سعيد المتقدم.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٢٩٦ · افتح الموضع
٩ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
١٠ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
١١ وخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد… قال كذبت، ولكنك قاتلت، لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن… قال كذبت، ولكنك تعلمت العلم، ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال، قارئ، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال كله… قال: كذبت، ولكنك فعلت، ليقال: هو جواد، فقد قيل، ثم أمر به، فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار.» … قال الله عز وجل: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون - أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} [هود: 15 - 16]
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٧٦ · افتح الموضع
إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مُؤمِنًا حَسَنةً، يُعطى بها في الدُّنيا ويُجزى بها في الآخِرةِ، وأمَّا الكافِرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها للَّهِ في الدُّنيا، حتَّى إذا أفضى إلى الآخِرةِ لَم تَكُنْ له حَسَنةٌ يُجزى بها. .
أنس بن مالك · مسلم · صحيح مسلم 2808 صحيح
قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ابنُ جُدعانَ كانَ في الجاهِليَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المِسكينَ، فهل ذاك نافِعُه؟ قال: لا يَنفَعُه؛ إنَّه لَم يَقُلْ يَومًا: رَبِّ اغفِرْ لي خَطيئَتي يَومَ الدِّينِ. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 214 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا نقلٌ للمشكلة لا حلٌّ لها. جعلتم أجرَ الطبيبِ راحةً في دنياه ثمّ أحرقتموه أبدًا، والسؤالُ كان عن الأبد لا عن الدنيا؛ ودفعُ الأجر «هنا» بدل «هناك» ليس عدلًا، هو تصفيةُ حسابٍ قبل الإعدام. ثمّ إنّ قولكم «لم يكن لوجه الله» هو الاتّهامُ بعينه لا جوابُه: أنتم تحاسبون على وجهةِ الباطن، وهي أخصُّ ما في الرأس وأبعدُ ما يكون عن اليد. فالميزانُ باقٍ على حاله وإنّما غُيِّر اسمُه — من «صدَّق الدعوى» إلى «قصد الجهةَ الصحيحة» — وكلاهما ولاءٌ لا عمل.
القيدُ الأوّل أنّ العقوبةَ لا تقع أصلًا على من لم تبلغه الحجّة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٩، «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ١٠ — فالمناطُ ليس أنّه لم يصدّق، بل أنّه ردَّ بعد قيامها عليه. والثاني أنّ العلّةَ المنصوصةَ في أشهر صورةٍ لهذا السؤال ليست فعلَ الرجل بل موقفَه من الحساب نفسِه: سُئل عن ابن جدعان وكان «يَصِلُ الرَّحِمَ، ويُطعِمُ المِسكينَ»، فكان الجواب: «لا يَنفَعُه؛ إنَّه لَم يَقُلْ يَومًا: رَبِّ اغفِرْ لي خَطيئَتي يَومَ الدِّينِ» ٦ — أي أنّه لم يُنكَر عليه برُّه، وإنّما أُخِذ عليه أنّه لم يعترف بيوم الدين قطُّ. والثالث أنّ العملَ لا يُمحى لهويّة صاحبه: من صار مؤمنًا أُثيب على برِّه الذي عمله قبل، «وهذا يدل على أن حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها» ٨ — فالمنقلبُ جهةُ العمل لا شخصُ العامل. ويبقى بعد هذا ما لا أُخفيه: من بلغته الحجّةُ ففهمها وردَّها، فعملُه مردودٌ في الآخرة، وهو واحدٌ من أقسامٍ أربعةٍ عند ابن القيّم: «والأعمال أربعة، فواحد مقبول وثلاثه مردودة» ٧ — وثلاثةٌ من هذه الأربعة تصيب المسلمَ كما تصيب غيره ١١. فموضعُ النزاع الصادق هو هذا القسمُ وحدَه، لا دعوى أنّ الحسابَ على الولاء.
-
رجلٌ عاش ومات في غابةٍ لم يبلغه اسمُ محمدٍ ولا القرآن — ما مصيرُه؟
لا، ليس الشقّان اثنين بل ثلاثة، والقرآنُ يقطع شقَّك الثاني بلفظه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ١، ومعناه في التفسير الميسّر: «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ٢. وأخذها الفقهاء قاعدةً إجرائيّةً عامّةً لا استثناءً يُصنع لحالة: «من لم يعلم بفرض الله عز وجل، ولم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره أن الفرض في ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه» ٣. وأمّا شقُّك الأوّل — «فإن نجوا فما فائدةُ الرسالة؟» — فرجلُ الغابة لا يُمنح براءةً، بل يُمتحن: «أربعةٌ يحتجُّونَ يومَ القيامةِ… ورجُلٌ مات في الفَتْرةِ… ربِّ ما أتاني لكَ رسولٌ فيأخُذُ مواثيقَهم لَيُطيعُنَّه فيُرسِلُ إليهم رسولًا أنِ ادخُلوا النَّارَ» ٤. والامتحانُ جادٌّ لا صُوريّ، ينقسم فيه الناس: «واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار» ٥. فالبلاغُ شرطُ المؤاخذة لا شرطُ الاختبار، ولذلك أُرسل الرسل ﴿رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ﴾ ٦ — فمن لم يبلغه شيءٌ فالحجّةُ له لا عليه ١.
١ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٢ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٣ ففي هذا دليل أن من لم يعلم بفرض الله عز وجل، ولم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره أن الفرض في ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه وأنه إنما يجب عليه الفرض في ذلك حين يعلمه، ويقوم عليه الحجة حين يمكنه استعلامه
الطحاوي · أحكام القرآن الكريم ص٢٧٧ · افتح الموضع
٤ أربعةٌ يحتجُّونَ يومَ القيامةِ : رجُلٌ أصَمُّ ورجُلٌ أحمَقُ ورجُلٌ هرِمٌ ورجُلٌ مات في الفَتْرةِ فأمَّا الأصَمُّ فيقولُ : يا ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أسمَعُ شيئًا وأمَّا الأحمَقُ فيقولُ : ربِّ قد جاء الإسلامُ والصِّبيانُ يحذقوني بالبَعَرِ وأما الهرِمُ فيقولُ : ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أعقِلُ وأمَّا الَّذي مات في الفَتْرةِ فيقولُ : ربِّ ما أتاني لكَ رسولٌ فيأخُذُ مواثيقَهم لَيُطيعُنَّه فيُرسِلُ إليهم رسولًا أنِ ادخُلوا النَّارَ قال : فوالَّذي نفسي بيدِه لو دخَلوها كانت عليهم بَرْدًا وسلامًا .
الأسود بن سريع · ابن حبان · صحيح ابن حبان 7357 · صحيح
٥ «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولا بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جواب فصل، وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة، لا على مجرد علمه، كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٨ · افتح الموضع
٦ رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٦٥ · افتح الموضع
٧ ودليل على أن من مات مشركا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم … وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل والله أعلم.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٥٩٨ · افتح الموضع
أربعةٌ يحتجُّونَ يومَ القيامةِ : رجُلٌ أصَمُّ ورجُلٌ أحمَقُ ورجُلٌ هرِمٌ ورجُلٌ مات في الفَتْرةِ فأمَّا الأصَمُّ فيقولُ : يا ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أسمَعُ شيئًا وأمَّا الأحمَقُ فيقولُ : ربِّ قد جاء الإسلامُ والصِّبيانُ يحذقوني بالبَعَرِ وأما الهرِمُ فيقولُ : ربِّ لقد جاء الإسلامُ وما أعقِلُ وأمَّا الَّذي مات في الفَتْرةِ فيقولُ : ربِّ ما أتاني لكَ رسولٌ فيأخُذُ مواثيقَهم لَيُطيعُنَّه فيُرسِلُ إليهم رسولًا أنِ ادخُلوا النَّارَ قال : فوالَّذي نفسي بيدِه لو دخَلوها كانت عليهم بَرْدًا وسلامًا .
الأسود بن سريع · ابن حبان · صحيح ابن حبان 7357 صحيح
أحاديثُ امتِحان المجنونِ ومن ماتَ في الفترةِ .
- · ابن حجر العسقلاني · فتح الباري لابن حجر 3/291 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
الامتحانُ مخرجٌ مصنوعٌ بعد وقوع الإشكال لا مذهبٌ يُعتقد: تُقرَّر القاعدةُ في الجدل ثمّ تُلغى عند الحكم — فابنُ القيّم نفسُه يقطع بأنّ «من مات مشركا فهو في النار، وإن مات قبل البعثة». ثمّ إنّ امتحانًا يوم القيامة خبرٌ عن غيبٍ لا يُختبر ولا يُكذَّب، فهو يشتري العدلَ بثمنٍ لا يدفعه أحد.
الثانيةُ صحيحةٌ ولا أدفعها: الامتحانُ خبرٌ لا يُختبر بتجربة، وغايةُ ما يُقال أنّ القاعدةَ التي تحمله مقرَّرةٌ في النصّ ابتداءً ومعلَّلٌ بها إرسالُ الرسل أصلًا، لا مُستحدثةٌ جوابًا ١ ٦. وأمّا الأولى فتنقل عبارةَ ابن القيّم مبتورةً عن تعليلها الملاصق لها: هو يبني الحكمَ على أنّ أولئك قد بلغتهم فبدّلوا — «لأن المشركين كانوا قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم واستبدلوا بها الشرك» — ويُصرّح في السياق نفسِه «وإن كان سبحانه لا يعذب بمقتضى هذه الفطرة وحدها»، ويردّ الاستحقاقَ إلى «مخالفته دعوة الرسل» ٧. فالنزاعُ في واقعةٍ لا في قاعدة: أبلغتهم الدعوةُ أم لم تبلغهم؟ ورجلُ غابتك خارجٌ عن محلّ النزاع بنصّ الشرط الثالث: «ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره» ٣.
-
إن كان يعلم قبل خلقي أنّي سأكفر وأدخل النار، فأيُّ اختيارٍ لي؟ وعلى ماذا أُحاسَب؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع في نقل الآية: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾ نصفُ جملةٍ، ونصفُها الأوّل يُثبت مشيئتَك ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ — والآيتان متجاورتان في السورة نفسِها ١، ويقرؤهما التفسيرُ الميسّر جملةً واحدة: المشيئةُ منسوبةٌ إليك والقدرةُ على وقوعها منه ٢. وقياسُ المشركين لم يُترك قائمًا: هم لم يقولوا «شاء الله» فحسب ٣، بل زعموا معها أنّه «رضيه منكم وأحبه لكم» — وذاك موضعُ الظنّ الذي رُدّوا به ٤، والجوابُ الصريح في الآية التي تليها ﴿قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥. وأمّا ما تُحاسَب عليه فمحدودٌ بوسعك وبكسبك أنت ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ﴾ ٦، ولا عقوبةَ أصلًا قبل بلوغ الحجّة ٧. وابن القيّم يقرأ آيتَك بعينها ويستشهد بها، ثمّ يخرج بضدّ ما تخرج به: إرادتان — إرادةٌ منك أن تفعل وإرادةٌ منه أن يعينك — ويختم بـ«فمن جاء بغير إناء رجع بالحرمان، ولا يلومن إلا نفسه» ٨. وسؤالُك طُرح بلفظه فيما ينقله ابن رجب: «ففيم العمل؟» فكان الجوابُ «اعملوا» ٩.
١ لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَوَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ
سورة التكوير ٨١:٢٨–٢٩ · افتح الموضع
٢ … لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق والإيمان، وما تشاؤون الاستقامة، ولا تقدرون على ذلك، إلا بمشيئة الله رب الخلائق أجمعين.
التفسير الميسّر · التكوير ٨١:٢٨–٢٩ · افتح الموضع
٣ سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍۢ … قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍۢ فَتُخْرِجُوهُ لَنَآ ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
سورة الأنعام ٦:١٤٨ · افتح الموضع
٤ … قل لهم -أيها الرسول-: هل عندكم -فيما حرَّمتم من الأنعام والحرث، وفيما زعمتم من أن الله قد شاء لكم الكفر، ورضيه منكم وأحبه لكم- من علم صحيح فتظهروه لنا؟ إن تتبعون في أمور هذا الدين إلا مجرد الظن، وإن أنتم إلا تكذبون.
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:١٤٨ · افتح الموضع
٥ قُلْ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ ۖ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ
سورة الأنعام ٦:١٤٩ · افتح الموضع
٦ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ
سورة البقرة ٢:٢٨٦ · افتح الموضع
٧ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٨ والرب تعالى يريد من عبده أن يفعل، ولا يقع الفعل حتى يريد سبحانه من نفسه أن يعينه… فهما إرادتان: إرادة من عبده أن يفعل وإرادة من نفسه أن يعينه، ولا سبيل له إلى الفعل إلا بهذه الإرادة، ولا يملك منها شيئا، كما قال تعالى: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين}… وليس معه إناء يوضع فيه العطاء، فمن جاء بغير إناء رجع بالحرمان، ولا يلومن إلا نفسه.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٣٢٨ · افتح الموضع
٩ وفيه أيضا عن جابر أن «رجلا قال: يا رسول الله، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له»
ابن رجب · جامع العلوم والحكم ص٤٨٢ · افتح الموضع
١٠ والإيمان بالقدر على درجتين: إحداهما: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير، وشر، وطاعة، ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم… وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم… والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال العباد كلها من الكفر، والإيمان، والطاعة، والعصيان، وشاءها منهم، فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها القدرية
ابن رجب · جامع العلوم والحكم ص١٠٢ · افتح الموضع
١١ فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» رواه البخاري ومسلم.
ابن رجب · جامع العلوم والحكم ص١٥٢ · افتح الموضع
١٢ ولو شاء الله تعالى أن لا يشرك هؤلاء المشركون لما أشركوا، لكنه تعالى عليم بما سيكون من سوء اختيارهم واتباعهم أهواءهم المنحرفة.
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:١٠٧ · افتح الموضع
١٣ وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا۟ وَّهُم مُّعْرِضُونَ
سورة الأنفال ٨:٢٣ · افتح الموضع
١٤ إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًۭا وَإِمَّا كَفُورًا
سورة الإنسان ٧٦:٣ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا نقلٌ للمسألة لا حلٌّ لها. فـ«الإناء» الذي أُطالَب بإحضاره يحتاج إعانةً هو الآخر، وابن القيّم نفسُه يقول في السطر ذاته «ولا يملك منها شيئا» [[8]] — فالفارقُ بيني وبين الناجي عطاؤه لا فعلي. ثمّ إنّكم تقرّون أنّه ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [[5]] وأنّه ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [[10]] ولم يفعل — فالبقيّةُ اختيارُه لا اختياري. وفي كتبكم أنّه «خلق أفعال العباد كلها من الكفر، والإيمان... وشاءها منهم» [[11]]، وأنّ الكتابَ يسبق على من بينه وبين الجنّة ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها [[12]]. فما بقي لي إلا أن أُنفّذ ما كُتب ثمّ أُحاسَب عليه.
الردُّ في العبارة نفسِها التي يُساق بها الاعتراض: الميسّر يفسّر ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟﴾ بأنّه «عليم بما سيكون من سوء اختيارهم واتباعهم أهواءهم المنحرفة» ١٢ — فالمشيئةُ والاختيارُ مقرونان في الجملة الواحدة لا متعاقبَين فيها. والعلمُ يوصَف في النصّ بأنّه علمٌ بما فيهم ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًۭا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ ١٣، والطريقان معلنان مفتوحين على الهداية الواحدة ﴿إِنَّا هَدَيْنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًۭا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ١٤. والنصُّ الذي سُقتَه يصف المكتوبَ في موضعه بأنّه ثوابٌ وعقابٌ «جزاء لأعمالهم» ١٠، والخبرُ الذي سُقتَه يسوق الجهتين معًا لا جهةَ الشقاء وحدها ١١. وما لا أدّعيه: ليس في هذه النصوص بيانٌ لكيفيّة اجتماع الإرادتين، ولستُ أزعم أنّ عندي ما يسدّ هذا الموضع؛ والمنقولُ أنّ السؤال حين طُرح كان جوابُه عملًا لا تفسيرًا: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» ٩.
-
لماذا خُلقنا للاختبار أصلًا؟ ولماذا لم يخلقنا في الجنّة ابتداءً وقد كفانا مؤنةَ الامتحان؟
نعم، هو اختبارٌ يعرف المُختبِرُ نتيجتَه — والنصُّ يقولها قبلك ولا يواريها: سُئل النبيُّ «أعُلِمَ أهلُ الجَنَّةِ مَن أهلِ النَّارِ؟» فقال «نَعَم»، فقيل «ففيمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟» فأجاب «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له» ١. ولم يُجَب بأنّ العلمَ يصنع الفعل: يقرأ ابنُ رجبٍ الحديثَ نفسَه فيقرّر أنّ السبقَ في الكتاب «مقدر بحسب الأعمال» ٢ — أي أنّ الكتابَ يتبع الفعلَ ولا يُنشئه. والغايةُ المعلَنةُ ليست تحصيلَ خبرٍ يجهله الله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا﴾ ٣، وتفسيرُها «أيكم خيرٌ عملا وأخلصه» ٤ — فالبلاءُ إخراجُ الفعل إلى الوجود لا إلى العلم، وهذا وصفٌ تشترك فيه أنت وهم. وأمّا «لم أوقّع» فالنصُّ لا يتهرّب منها بل يدّعي عهدًا مأخوذًا ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ٥، ثمّ يقيّد العقوبةَ بشرطٍ خارجيّ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٦ يعمّمه ابنُ القيّم: «فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه» ٧. وأمّا «لماذا لا الجنّةُ ابتداءً» فأثقلُ الثلاثة: أقوى ما يُجاب به أنّ العالمَ «موضعُ تكوينٍ لأشخاص» لا «دارَ لذّةٍ أُسيء صنعُها» ٨ — وحدُّه مُعلَنٌ في الكتاب لا مخبوء: «ألمٌ يقتل صاحبَه لا يبنيه. طفلٌ يموت في السنة الثانية لم يُصنع له خُلق» ٩.
١ قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أعُلِمَ أهلُ الجَنَّةِ مَن أهلِ النَّارِ؟ قال: فقال: نَعَم، قال: قيلَ: ففيمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ قال: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. .
عمران بن الحصين · مسلم · صحيح مسلم 2649 · صحيح
٢ ففي هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما، وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب للسعادة أو الشقاوة.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص١٦٨ · افتح الموضع
٣ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًۭا ۚ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْغَفُورُ
سورة الملك ٦٧:٢ · افتح الموضع
٤ الذي خلق الموت والحياة؛ ليختبركم - أيها الناس-: أيكم خيرٌ عملا وأخلصه؟ وهو العزيز الذي لا يعجزه شيء، الغفور لمن تاب من عباده. وفي الآية ترغيب في فعل الطاعات، وزجر عن اقتراف المعاصي.
التفسير الميسّر · سورة الملك ٦٧:٢ · افتح الموضع
٥ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِىٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ۖ قَالُوا۟ بَلَىٰ ۛ شَهِدْنَآ ۛ أَن تَقُولُوا۟ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَٰفِلِينَ
سورة الأعراف ٧:١٧٢ · افتح الموضع
٦ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٧ ومراده - صلى الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب الآخرة؛ فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٦ · افتح الموضع
٨ عالمٌ لا يُؤلم فيه شيءٌ عالمٌ لا يوجد فيه صبرٌ ولا شجاعةٌ ولا رحمةٌ ولا إيثار — لا لأنّ الناس فيه أشرار، بل لأنّ هذه المعاني تُقاس إلى ما تُقابله، فتسقط منها صورُها التي نعرفها. … وهذا هو مذهبُ جون هِك في «صناعة الأرواح»: أنّ العالم ليس دارَ لذّةٍ أُسيء صنعُها، بل موضعُ تكوينٍ لأشخاص
أثقلُ سؤالٍ في الباب — ٦(ب) بناءُ النفس: «صناعةُ الأرواح» عند جون هِك · افتح الموضع
٩ وحدُّه — وهو أقسى ما في الباب: ألمٌ يقتل صاحبَه لا يبنيه. طفلٌ يموت في السنة الثانية لم يُصنع له خُلق. ومن الناس من يخرج من البلاء أقسى وأضيقَ لا أرحمَ وأوسع، وهذا مشهودٌ لا يُنكَر.
أثقلُ سؤالٍ في الباب — حدُّ جواب بناء النفس · افتح الموضع
١٠ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
سورة البقرة ٢:٣٠ · افتح الموضع
١١ قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى فَمَن تَبِعَ هُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
سورة البقرة ٢:٣٨ · افتح الموضع
قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، أعُلِمَ أهلُ الجَنَّةِ مَن أهلِ النَّارِ؟ قال: فقال: نَعَم، قال: قيلَ: ففيمَ يَعمَلُ العامِلونَ؟ قال: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. .
عمران بن الحصين · مسلم · صحيح مسلم 2649 صحيح
قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، فيما يَعمَلُ العامِلونَ؟ قال: كُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. .
عمران بن الحصين · البخاري · صحيح البخاري 7551 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
«مقدَّرٌ بحسب الأعمال» دورانٌ لا جواب: إن كان الكتابُ يتبع الفعلَ، فمن الذي يسّر للشقاوة مَن يُسِّر لها؟ والعهدُ الذي لا يذكره أحدٌ ليس عهدًا بل ترقيعٌ بعد وقوع الثغرة — وأيُّ محكمةٍ تُنفّذ عقدًا على من لا يعلم أنّه وقّعه؟ وإقرارُكم بأنّ البلاءَ «إخراجُ فعلٍ إلى الوجود» اعترافٌ بالتهمة لا دفعٌ لها: مسرحيّةٌ كُتب نصُّها، وعلى نهايتها نارٌ لا تنقطع؛ والفرقُ بين هذا وبين الظلم لفظيٌّ محض.
الشقُّ الأوّل يقف عند حدٍّ لا يُتجاوَز، ونصُّهم هو الذي يقف: القرآنُ يسجّل السؤالَ بعينه على لسان الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ﴾ ثمّ لا يجيبه بحجّةٍ بل بدعوى علمٍ ﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١٠ — وهذا توقُّفٌ صريح، ومن عدّه برهانًا فقد غالط. والشقُّ الثاني لا يُحسم بالعهد وحدَه، وهم لا يعلّقون العذابَ عليه أصلًا: يعلّقونه على بلوغِ رسولٍ لا على ذكرِ ميثاق ٦ ٧ — فالمساءلةُ عندهم على ما بلغك لا على ما لا تذكره. والثالث: دعواهم أنّ الأصلَ كان الجنّةَ لا الأرض، والهبوطُ قُرن بوعدِ هدًى ﴿قُلْنَا ٱهْبِطُوا۟ مِنْهَا جَمِيعًۭا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًۭى﴾ ١١ — فالأرضُ في روايتهم ممرٌّ لا مبتدأ. وهذه روايةٌ لا برهان، وقد قيل لك إنّها روايةٌ ولم يُدَّعَ لها غير ذلك.
-
كيف تُجمع عظامٌ صارت رميمًا وترابًا، وأجسادٌ أكلها السمكُ أو أحرقتها النار؟
لا، ولستَ أوّلَ من أورده — القرآنُ يسوق الاعتراضَ بلفظِ قائله لا بلفظِ الرادِّ عليه: ﴿وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًۭا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا﴾ ١، وصاحبُ صيغتِه الأشهر أبيُّ بن خلف جاء بعظامٍ باليةٍ «ففتها وذرها في الهواء» ثمّ سأل ٢ — أي أنّه أوقع التفتُّتَ والتبدُّدَ بيده قبل أن يحتجّ بهما: ﴿قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ﴾ ٣. والجوابُ المنصوصُ لا يدّعي تتبُّعَ الذرّات: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤ — «يحييها الذي خلقها أول مرة، وهو بجميع خلقه عليم، لا يخفى عليه شيء» ٥. وذرّاتُك المتداخلةُ يتناولها لفظٌ بعينه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظٌۢ﴾ ٦ — «ما تنقص الأرض وتُفني من أجسامهم… وعندنا كتاب محفوظ» ٧ — فالمقوِّمُ عندهم علمٌ وكتاب، والدعوى تبلغ التفصيل: ﴿بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ ٨، أي الأنامل «بعد جمعها وتأليفها- خَلْقًا سويًّا، كما كانت قبل الموت» ٩. وأمّا السمكُ والنارُ فمنصوصان بأعيانهما: رجلٌ أوصى أن يُحرَق ثمّ يُسحَق ثمّ يُذرَّى نصفُه في البحر ونصفُه في البرّ، «فأَمَر اللهُ البَرَّ والبَحرَ فجَمَعاه» ١٠؛ وفي الباب أيضًا بقيّةٌ مادّيّةٌ مذكورة: «كُلُّ ابنِ آدَمَ يَأكُلُه التُّرابُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ» ١١ — وأسوقهما معًا لأنّ حديثَ المحرَّق يقع حيث لا بقيّةَ أصلًا، فلا يُخفى أحدُهما بالآخر. وأمّا «أرِنا واحدًا رجع» فالنصُّ يسوق موضعين: رجلٌ ﴿فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ﴾ ثمّ قيل له ﴿وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا﴾ ١٢، وإبراهيمُ سأل سؤالَك نفسَه ﴿رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾ فأُجيب بأجزاءٍ فُرِّقت على جبالٍ متباعدةٍ ثمّ دُعيت ١٣.
١ وَقَالُوٓا۟ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمًۭا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًۭا جَدِيدًۭا
سورة الإسراء ١٧:٤٩ · افتح الموضع
٢ …وقد ورد أن أبي بن خلف لما جاء بعظام بالية ففتها وذرها في الهواء وقال: يا محمد من يحي العظام وهي رميم! فأنزل الله تعالى: {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم}
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٢٥ · افتح الموضع
٣ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًۭا وَنَسِىَ خَلْقَهُۥ ۖ قَالَ مَن يُحْىِ ٱلْعِظَٰمَ وَهِىَ رَمِيمٌۭ
سورة يس ٣٦:٧٨ · افتح الموضع
٤ قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِىٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍۢ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
سورة يس ٣٦:٧٩ · افتح الموضع
٥ قل له: يحييها الذي خلقها أول مرة، وهو بجميع خلقه عليم، لا يخفى عليه شيء.
التفسير الميسّر — يس ٣٦:٧٩ · افتح الموضع
٦ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظٌۢ
سورة ق ٥٠:٤ · افتح الموضع
٧ قد علمنا ما تنقص الأرض وتُفني من أجسامهم، وعندنا كتاب محفوظ من التغيير والتبديل، بكل ما يجري عليهم في حياتهم وبعد مماتهم.
التفسير الميسّر — ق ٥٠:٤ · افتح الموضع
٨ بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ
سورة القيامة ٧٥:٤ · افتح الموضع
٩ …أيظنُّ هذا الإنسان الكافر أن لن نقدر على جَمْع عظامه بعد تفرقها؟ بلى سنجمعها، قادرين على أن نجعل أصابعه أو أنامله -بعد جمعها وتأليفها- خَلْقًا سويًّا، كما كانت قبل الموت.
التفسير الميسّر — القيامة ٧٥:٣–٤ · افتح الموضع
١٠ "لقد دخَل رجُلٌ الجَنَّة ما عمِل خَيرًا قَطُّ، قال لأهلِه حين حضَره الموتُ: إذا أنا مِتُّ فأَحرِقوني، ثُم اسْحَقوني، ثُم اذْروا نِصفي في البَحرِ، ونِصفي في البَرِّ، فأَمَر اللهُ البَرَّ والبَحرَ فجَمَعاه، ثُم قال: ما حمَلكَ على ما صنَعْتَ؟ قال: مَخافتُكَ، قال: فغفَر له بذلك". .
أبو سعيد الخدري · شعيب الأرناؤوط · تخريج المسند لشعيب 11096 · صحيح
١١ كُلُّ ابنِ آدَمَ يَأكُلُه التُّرابُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ وفيه يُرَكَّبُ. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2955 · صحيح
١٢ أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍۢ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْىِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامٍۢ ثُمَّ بَعَثَهُۥ … وَٱنظُرْ إِلَى ٱلْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًۭا
سورة البقرة ٢:٢٥٩ · افتح الموضع
١٣ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِۦمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةًۭ مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ ٱجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍۢ مِّنْهُنَّ جُزْءًۭا ثُمَّ ٱدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًۭا ۚ وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ
سورة البقرة ٢:٢٦٠ · افتح الموضع
١٤ واذكر -أيها الرسول- طلب إبراهيم من ربه أن يريه كيفية البعث… قال: فخذ أربعة من الطير فاضممهن إليك واذبحهن وقطعهن، ثم اجعل على كل جبل منهن جزءًا، ثم نادِهن يأتينك مسرعات. فنادى إبراهيم عليه السلام، فإذا كل جزء يعود إلى موضعه، وإذا بها تأتي مسرعة.
التفسير الميسّر — البقرة ٢:٢٦٠ · افتح الموضع
١٥ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ
سورة الواقعة ٥٦:٦١ · افتح الموضع
كُلُّ ابنِ آدَمَ يَأكُلُه التُّرابُ، إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ وفيه يُرَكَّبُ. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2955 صحيح
"لقد دخَل رجُلٌ الجَنَّة ما عمِل خَيرًا قَطُّ، قال لأهلِه حين حضَره الموتُ: إذا أنا مِتُّ فأَحرِقوني، ثُم اسْحَقوني، ثُم اذْروا نِصفي في البَحرِ، ونِصفي في البَرِّ، فأَمَر اللهُ البَرَّ والبَحرَ فجَمَعاه، ثُم قال: ما حمَلكَ على ما صنَعْتَ؟ قال: مَخافتُكَ، قال: فغفَر له بذلك". .
· تخريج المسند لشعيب 11096 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه نقلٌ من الكتاب الذي أُطالبك بالدليل عليه، وقدرةٌ مُدَّعاةٌ لا تُختبر. ولم تُجب سؤالي أصلًا: لستُ أسأل «أيقدر؟» بل «من الذي يُبعث؟» — فإن جُمعت ذرّاتٌ ورُكّبت فتلك نسخةٌ تشبهني لا أنا؛ وإن كانت ذرّاتي بعينها في جسد رجلٍ آخر فأحدُنا يأخذها والآخرُ يُصنع من غيرها، فأيُّهما الأصل؟ و«كتابٌ حفيظ» نقلٌ للمسألة من موضعٍ يُفحص إلى موضعٍ لا يُفحص، لا حلٌّ لها. وأمّا رجلٌ أُميت مئة عامٍ وطيرٌ على الجبال فأخبارٌ في المصدر المتنازَع فيه نفسِه.
الاعتراضُ يردّ ما لم يُدَّعَ. النصُّ لا يقول إنّ ذرّاتِك بأعيانها تُستعاد: ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَٰلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ ١٥، ولفظُ المعترضين أنفسِهم «خَلْقًۭا جَدِيدًۭا» لا «خلقًا مُعادًا بمادّته» ١ — والمقوِّمُ في ﴿وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظٌۢ﴾ ٦ علمٌ وكتابٌ «بكل ما يجري عليهم في حياتهم وبعد مماتهم» ٧، فسؤالُ «أيُّ الجسدين» يفترض أنّ المُثبِتَ للشخص هو المادّة، وتلك مقدّمتُك لا مقدّمةُ النصّ. وأمّا «أرِني» فهو لفظُ إبراهيم لا لفظي ١٣، وجوابُه أنّ «كل جزء يعود إلى موضعه» بعد أن فُرِّقت الأجزاءُ على جبالٍ متباعدة ١٤ — وهي أدقُّ صورةٍ في الباب لسؤالك عن التبدُّد. وأصدقُ ما يُقال لك بعدها: هذه أخبارٌ يرويها النصّ ١٢، لا تجربةٌ تُعاد بين يديك اليوم، والنصُّ لا يعرض عليك إعادتَها؛ الذي يُنازَع فيه ابتداءً ليس صدقَ الخبر بل ملازمتُك بين تفرُّقِ المادّة وانقطاعِ الشخص، وعليها يقع حديثُ المحرَّق نصًّا ١٠.
-
أطفالُ الكفّار الذين ماتوا صغارًا — إلى الجنّة أم إلى النار؟
لا؛ لا يُعاقَب الطفلُ بكفر أبيه — والآيةُ التي تحتجّ بها تقول الحكمَ كاملًا في موضعٍ واحد: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ١، ومعناها في التفسير الميسّر: «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ٢. وسُئل النبيُّ عن هذه الصورة بعينها — أطفالِ المشركين — فقال: «اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ» ٣، وقرّر ابنُ القيّم أنّ هذا ليس توقّفًا بل «أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار»، والجزاءُ على «ما يظهر منهم يوم القيامة، لا على مجرد علمه» ٤. وأمّا لفظُ «هم منهم» في ذراري المشركين فحدُّه عنده: «التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب الآخرة» ٥. ونسبةُ الطفل إلى ملّة أبيه مرفوعةٌ من أصلها: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» ٦ — فالأبُ يُلحقه بها ولا يولد بها. وشقُّك الثاني — «فالتبليغُ ضرر» — يقوم على أنّ الجنّة حالةٌ واحدةٌ تُدخل أو لا تُدخل، والنصُّ يقول غيرَه: ﴿وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟﴾ ٧، أي «منازل عند الله يوم القيمة؛ بأعمالهم التي عملوها في الدنيا» ٨؛ ثمّ إنّ الشريعة تنهى عن قتل أطفال المشركين في دار الحرب ٩ — ولو كان موتُهم صغارًا مكسبًا لهم لكان القتلُ إحسانًا لا جريمة.
١ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٢ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٣ سُئلَ رسولُ اللهِ عن أطفالِ المشركينَ فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ .
أبو هريرة · الألباني · تخريج كتاب السنة 209 · حسن
٤ «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم، ولا قولا بمجازاة الله لهم على ما يعلمه منهم أنهم عاملوه لو كانوا عاشوا، بل هو جواب فصل، وأن الله يعلم ما هم عاملوه وسيجازيهم على معلومه فيهم بما يظهر منهم يوم القيامة، لا على مجرد علمه، كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٨ · افتح الموضع
٥ «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال هم منهم» حديث صحيح، ومراده - صلى الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان، لا التبعية في عقاب الآخرة؛ فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٦ · افتح الموضع
٦ وقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: {فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30] » .
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٩٩ · افتح الموضع
٧ وَلِكُلٍّۢ دَرَجَٰتٌۭ مِّمَّا عَمِلُوا۟ ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَٰلَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
سورة الأحقاف ٤٦:١٩ · افتح الموضع
٨ ولكل فريق من أهل الخير وأهل الشر منازل عند الله يوم القيمة؛ بأعمالهم التي عملوها في الدنيا، كل على وَفْق مرتبته؛ وليوفيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يُظلمون بزيادة في سيئاتهم، ولا بنقص من حسناتهم.
التفسير الميسّر · الأحقاف ٤٦:١٩ · افتح الموضع
٩ … دل ذلك «1» : على تثبيت النهي عن قتل أطفال المشركين: في دار الحرب «2» وكذلك: دلت «3» عليه السنة، مع ما دل عليه الكتاب: من تحريم القتل بغير حق «4» .»
الشافعي (جمع البيهقي) · أحكام القرآن للشافعي ص٢٦٦ · افتح الموضع
سُئلَ رسولُ اللهِ عن أطفالِ المشركينَ فقال: اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ .
أبو هريرة · الألباني · تخريج كتاب السنة 209 حسن
اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ [أطفالُ المُشرِكين]. .
- · ابن تيمية · الفتاوى الكبرى 1/79 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
«اللهُ أعلَمُ بما كانوا عامِلينَ» امتناعٌ عن الجواب لا جواب. والامتحانُ في الآخرة رقعةٌ لا آيةَ فيها ولا لفظَ لها في الحديث الذي نقلتَه — ألصقها الشُرّاحُ بعدُ لسدّ ثغرةٍ في العقيدة، وابنُ القيّم نفسُه يُقرّ بأنّ من أهل ملّتكم من قرأ الحديثَ توقّفًا. ثمّ إنّ محاكمةَ طفلٍ لم يُذنب قطُّ، في موقفٍ يرى فيه الحقائقَ عيانًا، ليست محاكمةً حرّة: فأنتم لم تحلّوا المشكلة، نقلتُموها من الدنيا إلى الآخرة وسمّيتُم النقلَ حلًّا.
قراءةُ التوقّف قائلٌ بها فعلًا، وابنُ القيّم يذكرها ليردّها لا ليُخفيها ٤. لكنّ الحكمَ الذي سألتَ عنه لا يتوقّف على أيّ القراءتين تأخذ: القاعدةُ في الآية لا في الحديث — ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ١، وتفسيرُها «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه» ٢ — فبالامتحان أو بالتوقّف، لا يُعاقَب بذنب أبيه في الحالين. وأمّا ظنُّك أنّ الجزاء يقع على علمٍ سابقٍ بما كان سيفعل، فهو نصُّ ما نفاه ابنُ القيّم: «لا على مجرد علمه» بل على «ما يظهر منهم» ٤. وأمّا كيفيّةُ ذلك الامتحان وهل يقع فيه اختيارٌ معتبَر — فليس فيما نُقل ههنا وصفٌ لها، ولا أزيد على ما عندي.
-
القرآنُ يقول «ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هداها ولكن حقّ القولُ منّي لأملأنّ جهنّم» — أفهو يختار ألّا يهدي، ثم يعاقب على الضلال؟
الأمرُ على خلاف ما يُقرأ به: الآيةُ ليست خبرًا عن بدء الخلق، بل جوابٌ يُقال يومَ القيامة لمجرمين ناكسي رؤوسهم سألوا أن يُردّوا إلى الدنيا ليعملوا صالحًا ١ ٢، وقال أبو جعفر النحاس إنّ سياق الكلام يدلّ على أنّه في الآخرة: «لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا» ٤. والقولُ الذي «حقّ» ليس حصّةً عدديّةً يُراد بلوغُها، بل هو ما قيل لإبليسَ جوابًا عن قسمه ليُغوينّهم أجمعين: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٥ ٦ — أي وصفٌ لمن يدخلها معلَّقٌ بفعلهم هم وهو الاتّباع، لا رقمٌ مضروبٌ يُستكمَل. و«حقّ القول» في لسان القرآن وجوبُ العذاب بعد الرفض لا قبله: ﴿لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰٓ أَكْثَرِهِمْ﴾ يفسّرها الميسّرُ بـ«لقد وجب العذاب على أكثر هؤلاء الكافرين، بعد أن عُرِض عليهم الحق فرفضوه» ٧. وتفسيرُ آيةِ السجدة نفسِها ينصّ على العلّة: «وذلك لاختيارهم الضلالة على الهدى» ٣. وما نفته ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ هو الإكراهُ لا بذلُ الهدى، بدليل ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ ٨.
١ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا۟ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
سورة السجدة ٣٢:١٢ · افتح الموضع
٢ وَلَوْ شِئْنَا لَءَاتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
سورة السجدة ٣٢:١٣ · افتح الموضع
٣ ولو شئنا لآتينا هؤلاء المشركين بالله رشدهم وتوفيقهم للإيمان، ولكن حق القول مني ووجب لأملأنَّ جهنم من أهل الكفر والمعاصي، من الجِنَّة والناس أجمعين؛ وذلك لاختيارهم الضلالة على الهدى.
التفسير الميسّر · السجدة ٣٢:١٣ · افتح الموضع
٤ ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها مفعولان قيل: في معناه قولان: أحدهما أن سياق الكلام يدل على أنه في الآخرة أي لو شئنا لرددناهم إلى الدنيا والمحنة كما سألوا ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين أي حق القول مني لأعذبن من عصاني بعذاب جهنم وعلم الله جل وعز أنه لو ردهم لعادوا كما قال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه [الأنعام: 28] .
أبو جعفر النحاس · إعراب القرآن ص٢٠٠ · افتح الموضع
٥ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ … قَالَ فَٱلْحَقُّ وَٱلْحَقَّ أَقُولُ … لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
سورة ص ٣٨:٨٢–٨٥ · افتح الموضع
٦ قَالَ ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًۭا مَّدْحُورًۭا ۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ
سورة الأعراف ٧:١٨ · افتح الموضع
٧ لقد وجب العذاب على أكثر هؤلاء الكافرين، بعد أن عُرِض عليهم الحق فرفضوه، فهم لا يصدقون بالله ولا برسوله، ولا يعملون بشرعه.
التفسير الميسّر · يس ٣٦:٧ · افتح الموضع
٨ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ
سورة يونس ١٠:٩٩ · افتح الموضع
٩ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ
سورة هود ١١:١١٩ · افتح الموضع
١٠ وقد اقتضت حكمته سبحانه وتعالى أنه خَلَقهم مختلفين: فريق شقيٌّ وفريق سعيد، وكل ميسر لما خُلِق له. وبهذا يتحقق وعد ربك في قضائه وقدره: أنه سبحانه سيملأ جهنم من الجن والإنس الذين اتبعوا إبليس وجنده ولم يهتدوا للإيمان.
التفسير الميسّر · هود ١١:١١٩ · افتح الموضع
١١ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
سورة الأنعام ٦:٢٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا صرفٌ للنصّ عن ظاهره، وأنتم تنقضونه بأنفسكم. ففي هود ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ يجعل الاختلافَ نفسَه غايةَ الخلق [[9]]، وتفسيرُكم المعتمَد يقول صراحةً إنّ الله «خَلَقهم مختلفين: فريق شقيٌّ وفريق سعيد، وكل ميسر لما خُلِق له» [[10]] — فالشقاءُ قسمةٌ عند الخلق لا كسبٌ بالعمل، وكلامُكم عن «الاختيار» زينةٌ فوق قسمةٍ سابقة. ثم إنّ نقلَ المشهد إلى الآخرة لا يُنجيكم بل يُثقلكم: هؤلاء طلبوا أن يُردّوا ليعملوا صالحًا — أي أرادوا الهدى صراحةً — فمُنعوا، والتعليلُ المذكورُ في سياق المنع هو «حقّ القولُ منّي لأملأنّ جهنّم».
أمّا «وكلٌّ ميسّرٌ لما خُلق له» فالعبارةُ نفسُها تُتمّ نفسَها في الموضع الذي أخذتَها منه: يقول الميسّرُ إنّه «سيملأ جهنم من الجن والإنس الذين اتبعوا إبليس وجنده ولم يهتدوا للإيمان» ١٠ — فالتعريفُ بالاتّباع وترك الاهتداء، وهو التعريفُ نفسُه في ص والأعراف ٥ ٦، ووصفٌ يتعلّق بفعلٍ ليس قُرعةً سابقةً عليه. وأمّا منعُ الرجعة فالقرآنُ يعلّله بدعوًى واقعيّةٍ عنهم لا بحاجةِ النار إلى ملء: ﴿وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ﴾ ١١ — أي أنّ طلبَهم ليس إرادةَ هدًى بل رجاءَ نجاةٍ عند معاينة العذاب، وردُّهم لا يغيّر شيئًا. وهذا بعينه ما احتجّ به النحاس في تفسير الآية المسؤول عنها، فوصل بين «لو ردّهم» و«لعادوا» ٤. ويبقى في هود ما يُثقل ولا أدفعه: تعليلُ الاختلاف بالحكمة وقولُ ﴿وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٩ مسألةٌ في علم الله وقدره أوسعُ من هذا السؤال، لكنّها ليست هي المدّعى — والمدّعى أنّ النار غايةٌ مقصودةٌ ملؤها، وهذا هو الذي يُكذّبه لفظُ «منك وممّن تبعك» في الآيتين اللتين فيهما أصلُ القول ٥ ٦.
-
﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ﴾ — فكيف تسع النارَ الخالدة؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: المعضلةُ مصنوعةٌ بقطع الجملة في نصفها. فاللفظُ واحدٌ من ثلاثة أشطرٍ في جملةٍ واحدة، قبله ﴿قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ﴾ وبعده ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ١ — فالسَّعةُ ومن تُكتب له مقولتان في نَفَسٍ واحد، وهو ما قرأه السيوطيُّ نصًّا: «فبيَّن من كتبها لهم» ٢، و«وسعت» عند النحّاس دعوى طاقةٍ لا إحصاءُ داخلين: «من دخل فيها لم تعجز عنه» ٣. وأمّا الخلودان فالنصُّ لا يقرّرهما متساويين: الزركشيُّ يقابل صيغتَي الآيتين فيجد خلودَ النار مستثنًى منه «بلفظ مطمع» ومؤكَّدًا بـ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ﴾ «أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار»، وخلودَ الجنة مستثنًى ثمّ يُرفع الاستثناءُ نفسُه ٤ — فالميلُ مبنيٌّ في التركيب نحو الرحمة لا نحو النار. وذلك الاستثناءُ في ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ ٥ يسمّيه التفسيرُ الميسّر: «إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار» ٦. والحديثان «سَبَقَت رَحمَتي غَضَبي» ٧ و«إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي» ٨ سَبْقٌ وغَلَبة، ولفظُهما يفترض غضبًا يُسبَق ويُغلَب لا غضبًا معدومًا. فالنقيضان اللذان طُلب منّا اختيارُ أحدهما لم يُقرَّر أوّلُهما في النصّ أصلًا: أنت تختبر دعوى «الرحمةُ تنال كلَّ أحد»، والنصُّ يقول «الرحمةُ لا تضيق عن أحد» — ودعوى الطاقة لا تُكذَّب بأنّ أحدًا لم يدخل.
١ ۞ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةًۭ وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ ۖ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍۢ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ
سورة الأعراف ٧:١٥٦ · افتح الموضع
٢ وأيضا فقد قال في الأنعام: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} "الأنعام: 54" وهو موجز، وبسطه هنا بقوله: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون} "156" إلى آخره، فبين من كتبها لهم.
جلال الدين السيوطي · أسرار ترتيب القرآن ص٨٦ · افتح الموضع
٣ قال عذابي أصيب به من أشاء أي الذين أشاء أي المستحقين له. ورحمتي وسعت كل شيء أي من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٧٤ · افتح الموضع
٤ ومنه قوله تعالى: {فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق. خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك} فإنه سبحانه لما علم أن وصف الشقاء يعم المؤمن العاصي والكافر استثنى من حكم بخلوده في النار بلفظ مطمع حيث أثبت الاستثناء المطلق، وأكده بقوله: {إن ربك فعال لما يريد} ، أي أنه لا اعتراض عليه في إخراج أهل الشقاء من النار. ولما علم أن أهل السعادة لا خروج لهم من الجنة أكد خلودهم بعد الاستثناء بما يرفع أصل الاستثناء حيث قال {عطاء غير …
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٤٨ · افتح الموضع
٥ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌۭ لِّمَا يُرِيدُ
سورة هود ١١:١٠٧ · افتح الموضع
٦ فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار. إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.
التفسير الميسّر · هود ١١:١٠٧ · افتح الموضع
٧ قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: سَبَقَت رَحمَتي غَضَبي. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2751 · صحيح
٨ لَمَّا قَضى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتابِه فهو عِندَه فوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 3194 · صحيح
٩ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُوا۟ فَمَأْوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ ۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِى كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ
سورة السجدة ٣٢:٢٠ · افتح الموضع
١٠ {لابثين فيها أحقابا} يقال: "الحقب ثمانون سنة. وليس هذا مما يدل على غاية، كما يظن بعض الناس . وإنما يدل على الغاية التوقيت: خمسة أحقاب أو عشرة. وأراد: أنهم يلبثون فيها أحقابا، كلما مضى حقب تبعه حقب آخر".
ابن قتيبة الدينوري · غريب القرآن ص٥٠٨ · افتح الموضع
١١ قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لمن مُلكُ السموات والأرض وما فيهن؟ قل: هو لله كما تقرون بذلك وتعلمونه، فاعبدوه وحده. كتب الله على نفسه الرحمة فلا يعجل على عباده بالعقوبة.
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:١٢ · افتح الموضع
١٢ والذي أراه فيمن قرأتُ لهم وحادثتُهم — وهي عيّنةٌ لا مسحٌ، فخذها على قدرها: أنّ الخروج يقع عند الخلود في النار جزاءً لذنبٍ ينتهي، وعند آيات الرقّ والسبي، … وهذه هي الأبواب، وليست في هذه الفصول.
قبل الفصول الثلاثة: إلى من قرأ ثمّ خرج · افتح الموضع
قال اللهُ عَزَّ وجَلَّ: سَبَقَت رَحمَتي غَضَبي. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2751 صحيح
لَمَّا قَضى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتابِه فهو عِندَه فوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 3194 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
فقد أنقذتم الاتّساقَ بإفراغ اللفظ. طاقةٌ لا تبلغ صنفًا من الخلق أبدًا مديحٌ لا صفة، ومن قال «وسعت كل شيء» ثمّ عنى «تسع من يدخلها» فقد قال ما لا يُكذَّب لأنّه لا يقول شيئًا — وعلى هذا القياس يوصف سجنٌ بأنّ رحمةَ حارسه وسعت كلَّ شيء. ثمّ إنّ البابَ الذي سمّيتموه مفتوحًا مُوصَدٌ بنصّكم أنتم: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓا۟ أَن يَخْرُجُوا۟ مِنْهَآ أُعِيدُوا۟ فِيهَا﴾.
الآيةُ التي سُقتَ قائمةٌ ولا تُؤوَّل ٩، ومخرجُ «الأحقاب المنتهية» مسدودٌ عند أهل اللغة أنفسِهم — ابنُ قتيبة: «وليس هذا مما يدل على غاية، كما يظن بعض الناس» ١٠ — فالجوابُ ليس «النارُ تفنى»، ومن قاله لك فقد أعطاك ما لا يملكه. وأمّا الإفراغُ فلا: الوُسعُ يعمل فعلًا في غير المكتوب لهم — ﴿كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ فسّرها الميسَّرُ: «فلا يعجل على عباده بالعقوبة» ١١ — فهي رحمةٌ جاريةٌ على من لم تُكتب له، لا وعدٌ معلَّق. وفرقُه عن سجّانك أنّ الزركشيَّ يُخرج الأثرَ من بنية اللفظ لا من حسن الظنّ: استثناءٌ مفتوحٌ في جهة النار ومُلغًى في جهة الجنة ٤. وأصدقُ ما يُقال بعدُ أنّ سؤالَك ثقيلٌ لا مستهانٌ به: الكتاب يعدُّه من الأبواب التي يخرج منها الناسُ فعلًا، ويقول إنّ فصولَه لا تعالجه ١٢.
-
«كلّما نضجت جلودُهم بدّلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب» — أهذا عدلٌ أم تفنُّنٌ في إطالة الألم؟
الأمرُ على خلاف ما يُصوَّر: ليس في النصّ جلدٌ بريءٌ يُصنع ليُحرق. الآيةُ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ﴾ ١، وهذا الفهمُ بعينه عُرض على الزجّاج (ت ٣١١هـ) فردَّه: «فإن قال قائل بدل الجلد الذى عصى بالجلد الذي غير العاصي، فذلك غلط من القول. لأن العاصي والآلم هو الإنسان لا الجلد» ٢. و«غيرها» عند الأخفش (ت ٢١٥هـ) غيرُها في النضج لا في الذات: «وهي تلك الجلود بعينها التي عصت الله تعالى ولكن أذهب عنها النضج» ٣. فالتجديدُ إبقاءُ المحكوم عليه قائمًا لا اختراعُ ضحيّةٍ ثانية — والتفسيرُ الميسّر يقرأ الغايةَ «ليستمر عذابهم وألمهم» ٤، أي استمرارُ التنفيذ لا زيادةٌ في الحكم. وأمّا أن لا غايةَ سوى الإيلام فالنصُّ يسمّي الغاية: ﴿جَزَآءًۭ وِفَاقًا﴾ ٥ — «جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا» ٦ — والوِفاقُ مقياسٌ يقيّد لا يُطلق؛ والردعُ موضعُه قبل الوقوع لا بعده: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٧. والعذابُ مُدرَّجٌ لا مصبوبٌ صبًّا واحدًا — «إنَّ أهونَ أهلِ النَّارِ عَذابًا يَومَ القيامةِ رَجُلٌ على أخمَصِ قدَمَيه جَمرَتانِ» ٨ — والتدريجُ لا معنى له في ألمٍ مقصودٍ لذاته.
١ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا
سورة النساء ٤:٥٦ · افتح الموضع
٢ فإن قال قائل بدل الجلد الذى عصى بالجلد الذي غير العاصي، فذلك غلط من القول. لأن العاصي والآلم هو الإنسان لا الجلد. وجائز أن يكون بدل الجلد النضج. وأعيد كما كان جلده الأول، كما تقول: قد صغت من خاتمي خاتما آخر فأنت وإن غيرت الصوغ فالفضة أصل واحد.
أبو إسحاق الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٦٤ · افتح الموضع
٣ وقوله: {بدلناهم جلودا غيرها} يعني غيرها في النضج، لأن الله عز وجل يجددها فيكون أشد للعذاب عليهم. وهي تلك الجلود بعينها التي عصت الله تعالى ولكن أذهب عنها النضج، كما يقول الرجل للرجل: "أنت اليوم غيرك أمس" وهو ذلك بعينه الا انه نقص منه شيء أو زاد فيه.
الأخفش الأوسط · معانى القرآن ص٣٢٩ · افتح الموضع
٤ إن الذين جحدوا ما أنزل الله من آياته ووحي كتابه ودلائله وحججه، سوف ندخلهم نارًا يقاسون حرَّها، كلما احترقت جلودهم بدَّلْناهم جلودًا أخرى؛ ليستمر عذابهم وألمهم. إن الله تعالى كان عزيزًا لا يمتنع عليه شيء، حكيمًا في تدبيره وقضائه.
التفسير الميسّر — النساء ٤:٥٦ · افتح الموضع
٥ جَزَآءًۭ وِفَاقًا
سورة النبأ ٧٨:٢٦ · افتح الموضع
٦ يجازَون بذلك جزاء عادلا موافقًا لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا.
التفسير الميسّر — النبأ ٧٨:٢٦ · افتح الموضع
٧ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٨ إنَّ أهونَ أهلِ النَّارِ عَذابًا يَومَ القيامةِ رَجُلٌ على أخمَصِ قدَمَيه جَمرَتانِ يَغلي منهما دِماغُه كما يَغلي المِرجَلُ والقُمقُمُ. .
النعمان بن بشير · البخاري · صحيح البخاري 6562 · صحيح
٩ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ
سورة يونس ١٠:٥٢ · افتح الموضع
١٠ لَمَّا قَضى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتابِه فهو عِندَه فوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 3194 · صحيح
١١ وهو مع ذلك حكيم فيما يدبر، لأن الملحدين ربما سألوا عن العذاب كيف وقع فأعلم الله عز وجل أن جميع ما فعله بحكمة.
أبو إسحاق الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٦٥ · افتح الموضع
إنَّ أهونَ أهلِ النَّارِ عَذابًا يَومَ القيامةِ رَجُلٌ على أخمَصِ قدَمَيه جَمرَتانِ يَغلي منهما دِماغُه كما يَغلي المِرجَلُ والقُمقُمُ. .
النعمان بن بشير · البخاري · صحيح البخاري 6562 صحيح
لَمَّا قَضى اللهُ الخَلقَ كَتَبَ في كِتابِه فهو عِندَه فوقَ العَرشِ: إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 3194 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
التدريجُ لا يُنقذ شيئًا: «أهونُ» العذاب عندكم جمرتان يغلي منهما الدماغ [[8]] — فإن كان هذا أدناه فما أعلاه؟ و«الوفاق» لفظٌ تدّعونه ولا تقيسونه: أيُّ عملٍ في عمرٍ متناهٍ يوافقه عذابٌ لا ينقطع؟ ثمّ إنّ مصدرَكم نفسَه يقول إنّ التجديد «فيكون أشد للعذاب عليهم» [[3]] — فالزيادةُ مُقَرَّةٌ بلفظكم لا بلفظي.
الشقُّ الأوّلُ حقٌّ ولا أخفّفه: الشدّةُ في النصّ لا تُنكر، ولفظُ «أشد للعذاب» لفظُ الأخفش ٣، وأهونُ أهلها ما سمعتَ ٨ — غير أنّ «أشدّ» عنده وصفُ أثرِ التجديد في الإحساس لا إثباتُ حكمٍ زائدٍ على الاستحقاق، إذ الجلدُ عنده هو الأوّل بعينه ٣. وأمّا الوفاقُ فليس دعوى بلا مقياس: النصُّ يجمع الدوامَ وقياسَه في جملةٍ واحدة — ﴿ذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ٩ — فهو يقرّ بالخلود ويردّه إلى الكسب لا إلى إرادةِ إيلامٍ مجرَّدة. وأثقلُ ما في اعتراضك المناسبةُ بين عملٍ متناهٍ وعذابٍ لا ينقطع، ولا أزعم أنّ عندي لها ميزانًا يُحسم به؛ والذي في النصّ أنّ الميزانَ نفسَه مائلٌ إلى الرحمة: «إنَّ رَحمَتي غَلَبَت غَضَبي» ١٠. وسؤالُك ليس طارئًا ولا مسكوتًا عنه: الزجّاج يذكر أنّ ختامَ الآية «عَزِيزًا حَكِيمًۭا» إنّما جاء لأنّ سائلًا سأل عن العذاب «كيف وقع» ١١ — وهي إحالةٌ على حكمةٍ لا بيانٌ لتفصيلها، فمن طلب التفصيلَ لم يجده في هذا الموضع.
-
حورٌ عينٌ وأنهارٌ من خمرٍ وكواعبُ أترابًا — أهذه جنّةُ روحٍ أم مكافأةُ رجل؟
نعم، الوصفُ حسّيٌّ ولا يُلطَّف: ﴿وَحُورٌ عِينٌۭ﴾ ١ و﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًۭا﴾ ٢ و﴿وَأَنْهَٰرٌۭ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّٰرِبِينَ﴾ ٣، وتفصيلُه في هذه المواضع موجَّهٌ في لفظه إلى الرجال — يقول التفسيرُ الميسّر في ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَٰهُنَّ إِنشَآءًۭ﴾: «خلقناهن لأصحاب اليمين» ٤. لكنّ الحصرَ الذي تبني عليه ليس في النصّ: هو يُعلن في موضع الوصف أنّ المذكورَ عيّنةٌ لا قائمة ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ﴾ ٥، ثمّ يُعلن أنّ أعظمَه لم يُذكر أصلًا ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ﴾ ٦. وقولُك إنّ التحريمَ تأجيلٌ ينكسر على تعليل التحريم نفسِه: العلّةُ منصوصةٌ ﴿أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ﴾ ٧، والموصوفُ هناك منفيٌّ عنه هذا بعينه ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ ٨ — فسّرها ابنُ قتيبة بأنّها لا تغتال العقول ولا تذهب بها ٩، والزجّاجُ بأنّ ﴿وَلَا يُنزِفُونَ﴾ لا يسكرون ١٠؛ فالمنهيُّ عنه أثرٌ لا اسم، وحيث سقط الأثرُ لم يبقَ إلا اشتراكُ لفظ. وأمّا «أين نصيبُ المرأة» فالوعدُ منصوصٌ باسمها ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ﴾ ١١، ونصيبُها في اللذّة نفسِها ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ﴾ ١٢. وسؤالُك هذا رُفع في زمن النصّ لا بعده بقرون: أمُّ عمارة الأنصارية قالت «ما أرى كل شيء الا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء» فنزلت «إن المسلمين والمسلمات» ١٣ — وأعلى ما في الجنّة خارجٌ عن القائمة الحسّيّة أصلًا: ﴿وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ١١.
١ وَحُورٌ عِينٌۭ
سورة الواقعة ٥٦:٢٢ · افتح الموضع
٢ وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًۭا
سورة النبأ ٧٨:٣٣ · افتح الموضع
٣ مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِى وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَآ أَنْهَٰرٌۭ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍۢ وَأَنْهَٰرٌۭ مِّن لَّبَنٍۢ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُۥ وَأَنْهَٰرٌۭ مِّنْ خَمْرٍۢ لَّذَّةٍۢ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنْهَٰرٌۭ مِّنْ عَسَلٍۢ مُّصَفًّۭى …
سورة محمد ٤٧:١٥ · افتح الموضع
٤ إنا أنشأنا نساء أهل الجنة نشأة غير النشأة التي كانت في الدنيا، نشأة كاملة لا تقبل الفناء، فجعلناهن أبكارًا، متحببات إلى أزواجهن، في سنٍّ واحدة، خلقناهن لأصحاب اليمين.
التفسير الميسّر — سورة الواقعة ٥٦:٣٥ · افتح الموضع
٥ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍۢ مِّن ذَهَبٍۢ وَأَكْوَابٍۢ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلْأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
سورة الزخرف ٤٣:٧١ · افتح الموضع
٦ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌۭ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ جَزَآءًۢ بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
سورة السجدة ٣٢:١٧ · افتح الموضع
٧ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ
سورة المائدة ٥:٩١ · افتح الموضع
٨ لَا فِيهَا غَوْلٌۭ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ
سورة الصافات ٣٧:٤٧ · افتح الموضع
٩ {لا فيها غول} أي لا تغتال عقولهم فتذهب بها. يقال: "الخمر غول للحلم، والحرب غول للنفوس". وغالني غولا. و"الغول":البعد.
ابن قتيبة الدينوري · غريب القرآن ص٣٦٨ · افتح الموضع
١٠ (ولا ينزفون) لا يسكرون، والنزيف السكران، وإنما قيل له نزيف ومنزوف لأنه نزف عقله.
الزجاج · معاني القرآن وإعرابه ص١٠٩ · افتح الموضع
١١ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةًۭ فِى جَنَّٰتِ عَدْنٍۢ ۚ وَرِضْوَٰنٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ
سورة التوبة ٩:٧٢ · افتح الموضع
١٢ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةًۭ فَلَا يُجْزَىٰٓ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَٰلِحًۭا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍۢ
سورة غافر ٤٠:٤٠ · افتح الموضع
١٣ ( ك ) وأخرج الترمذي وحسنه من طريق عكرمة عن أم عمارة الأنصاري أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ما أرى كل شيء الا للرجال وما أرى النساء يذكرن بشيء فنزلت إن المسلمين والمسلمات الآية
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص١٧٣ · افتح الموضع
١٤ … قالت أم سلمة: يا رسول الله لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء، فأنزل الله تعالى: {فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى} الآية. رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه…
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص١٣٨ · افتح الموضع
١٥ فأجاب الله دعاءهم بأنه لا يضيع جهد مَن عمل منهم عملا صالحًا ذكرًا كان أو أنثى، وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء…
التفسير الميسّر — سورة آل عمران ٣:١٩٥ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سُقتَه توسيعٌ بعد فوات الحصر. النصُّ حين فصّل فصّل لجهةٍ واحدة: حورٌ وكواعبُ ونساءٌ أُنشئن «لأصحاب اليمين». وحين جاء دورُ المرأة لم يزد على العموم: تدخل الجنة، ولا تُظلم، وتُرزق. والعمومُ يشمل ولا يصف — ومن فصّل لصنفٍ وأجمل لصنفٍ فقد أفصح عمّن كان يخاطب، وقولُك «ما تشتهيه الأنفس» بابٌ يُفتح بعد أن أُغلق. ثمّ إنّ «رضوان الله أكبر» جملةٌ يقولها كلُّ دينٍ عن نفسه؛ فالذي يخصّ هذا النصَّ ويُميّزه هو التفصيلُ وحدَه، والتفصيلُ لرجل.
شطرُك الأوّل مُسلَّمٌ ولا يُدفع بلَيّ: التفصيلُ الحسّيُّ لجهة الرجال، والتفسيرُ نفسُه يقولها بلا مواربة «خلقناهن لأصحاب اليمين» ٤. وينكسر شطرُك الثاني عند افتراضك أنّ النصَّ لم يُواجَه بهذا؛ وقد وُوجه: أمُّ سلمة قالت «لا أسمع الله ذكر النساء في الهجرة بشيء»، فنزل ﴿أَنِّى لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٍۢ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾ ١٤. وانظر ما الذي جاء جوابًا: لم تُساق قائمةٌ حسّيّةٌ مقابلة، بل سُوّي الميزانُ — «وهم في أُخُوَّة الدين وقَبول الأعمال والجزاء عليها سواء» ١٥. فمن قرأ ذلك اعتراضًا على لغة التفصيل فهو مصيبٌ وله ما يشاء من الاعتراض، ومن قرأه حرمانًا في القسمة فقد خلط بين اللغة والقسمة: القسمةُ منصوصٌ فيها «بِغَيْرِ حِسَابٍۢ» للذكر والأنثى معًا ١٢، والوصفُ الذي تُحاجُّ به معلَنُ النقص بلسانه ﴿مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍۢ﴾ ٦.
-
لماذا يُولد طفلٌ في مجاعةٍ وحربٍ وآخرُ في بيت غنًى وعافية، ثم يُحاسَبان بميزانٍ واحد؟
الأمرُ على خلاف ما وُصف: الميزانُ ليس واحدًا، والنصُّ يقول ذلك بلفظه لا بتأويلٍ منّا — ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا﴾ ١، وشرحُها: «لا يُكَلَّف الفقير مثل ما يُكَلَّف الغني» ٢، وهو قولُ السدّيّ عند النحاس: «لا يكلف الله الفقير نفقة الغني» ٣. والتكليفُ لا يبدأ حيث وُلدتَ بل حيث بلغتك الحجّة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٤ — «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ٥. وأمّا أنّ البيتَ الموسرَ علامةُ رضًا والبيتَ الضنكَ علامةُ سخط، فالنصُّ يُبطل الاثنين بكلمةٍ واحدة: ﴿فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ﴾ … ﴿فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَٰنَنِ﴾ … «كَلَّا» ٦ — «ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان، بل الإكرام بطاعة الله، والإهانة بمعصيته» ٧. فالموزونُ ليس ما وُضعتَ فيه: «إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم» ٨. فقولُك «الامتحانُ الذي تختلف أسئلتُه ليس امتحانًا واحدًا» صحيح — وهم لا يدّعون أنّه واحد؛ يدّعون أنّ السؤالَ يُقاس على ما أُعطي المسؤول ١.
١ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍۢ مِّن سَعَتِهِۦ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُۥ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَا ۚ سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍۢ يُسْرًۭا
سورة الطلاق ٦٥:٧ · افتح الموضع
٢ …ومن ضُيِّق عليه في الرزق وهو الفقير، فلينفق مما أعطاه الله من الرزق، لا يُكَلَّف الفقير مثل ما يُكَلَّف الغني، سيجعل الله بعد ضيق وشدة سَعَة وغنى.
التفسير الميسّر · سورة الطلاق ٦٥:٧ · افتح الموضع
٣ لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها قال السدي: لا يكلف الله الفقير نفقة الغني، وقال ابن زيد: لا يكلف الفقير أن يزكي ويصدق
أبو جعفر النحاس · إعراب القرآن ص٢٩٨ · افتح الموضع
٤ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٥ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٦ فَأَمَّا ٱلْإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكْرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّىٓ أَهَٰنَنِ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ
سورة الفجر ٨٩:١٥–١٧ · افتح الموضع
٧ ليس الأمر كما يظن هذا الإنسان، بل الإكرام بطاعة الله، والإهانة بمعصيته، وأنتم لا تكرمون اليتيم، ولا تحسنون معاملته…
التفسير الميسّر · سورة الفجر ٨٩:١٧ · افتح الموضع
٨ إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2564 · صحيح
٩ أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأَمثَلُ فالأَمْثَلُ، يُبْتَلى الرجُلُ على حسَبِ دِينِه، فإنْ كان في دِينِه صُلبًا اشتَدَّ بَلاؤه، وإنْ كان في دِينِه رِقَّةٌ ابتُلِيَ على حَسَبِ دِينِه، فما يبْرَحُ البَلاءُ بالعَبدِ حتى يَترُكَه يَمشي على الأرضِ، وما عليه خَطيئةٌ. .
سعد بن أبي وقاص · شعيب الأرناؤوط · تخريج سير أعلام النبلاء 9/160 · صحيح
١٠ وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا فيه قولان: أحدهما أن المعنى وما كنا معذبين العذاب الذي يكون عقوبة على مخالفة الشيء الذي لا يعرف إلا بالإخبار حتى نبعث رسولا، والآخر أنه عذاب الاستئصال.
أبو جعفر النحاس · إعراب القرآن ص٢٦٧ · افتح الموضع
١١ وهنا مربطُ المسألة: الاعتراض صحيحٌ تمامًا في حقّ من لم يفحص شيئًا قطّ. ومن ورث الاعتقادَ ولم يسأله سؤالًا واحدًا، فحاله في هذا حالُ من ورث نقيضَه ولم يسأله. وهذا يشمل أكثرَنا نحن، لا أكثرَهم هم — وأقولها بلا تجميل: كثيرٌ من المتديّنين لم يفحص، وكثيرٌ من التاركين لم يفحص، والفريقان يتراشقان باتّهامٍ واحدٍ يصدق عليهما معًا.
١٦. لو وُلدتُ في الهند · افتح الموضع
١٢ وأمّا سؤالك أنت فجوابي فيه واحد: لماذا هذا القدرُ بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف. وكلُّ من قال لك غيرَ ذلك إمّا أنّه لم يفهم سؤالك، وإمّا أنّه رأى أنّ سكوته أثقلُ عليه من كلامٍ لا يملكه.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
إنَّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكُم وأموالِكُم، ولَكِن يَنظُرُ إلى قُلوبِكُم وأعمالِكُم. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2564 صحيح
أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأَمثَلُ فالأَمْثَلُ، يُبْتَلى الرجُلُ على حسَبِ دِينِه، فإنْ كان في دِينِه صُلبًا اشتَدَّ بَلاؤه، وإنْ كان في دِينِه رِقَّةٌ ابتُلِيَ على حَسَبِ دِينِه، فما يبْرَحُ البَلاءُ بالعَبدِ حتى يَترُكَه يَمشي على الأرضِ، وما عليه خَطيئةٌ. .
· تخريج سير أعلام النبلاء 9/160 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه دعوى داخل النظام تشهد لنفسها. أن يقول النصُّ «التكليفُ بقدر العطاء» لا يُثبت أنّ التعديلَ وقع؛ يَعِد به فقط. ولا سبيلَ لي إلى فحص ميزانٍ لا أراه ولا أُخبَر عنه إلا من الجهة المتّهمة. ثمّ إنّكم أجبتم عن الحساب وتركتم أصلَ التفاوت: لماذا هذا الطفلُ بعينه في المجاعة؟ ووعدُ تسويةٍ بعد الموت لا يفسّر لماذا وقع الفرقُ قبله.
شقُّك الأخير مُسلَّمٌ لك بلا مساومة، ومن الكتاب نفسِه: «لماذا هذا القدرُ بعينه؟ لماذا هذا الطفلُ بعينه؟ لا أعرف. ولا أعرف أحدًا يعرف» ١٢. وشقُّك الأوّل — بيتُ الصلاة وبيتُ الشراب — مُسلَّمٌ كذلك في موضعه: «الاعتراض صحيحٌ تمامًا في حقّ من لم يفحص شيئًا قطّ… وهذا يشمل أكثرَنا نحن، لا أكثرَهم هم» ١١. لكنّ دعواك كانت أضيقَ من هذا وأدقّ: قلتَ «ميزانٌ واحد» — وتلك وحدَها هي التي سقطت، لا بحجّةٍ مقابلة بل بأنّ النصَّ لا يقولها، وبأنّ الخلافَ في أوّل شرطِ التكليف مسطورٌ في كتبهم منذ القرن الرابع: يحكي النحاس في ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾ «قولان» ثمّ يسوقهما ١٠. ويبقى صحيحًا أنّ وقوعَ التعديل خبرٌ لا مشاهَدة، فثقتُه من ثقةِ مُخبِره لا من نفسه — وذاك سؤالٌ يُوجَّه إلى المُخبِر لا إلى الميزان، ولا يُجاب ههنا. وواحدةٌ تُذكر لأنّها تقلب المُقدَّمة الصامتة في سؤالك — أنّ العافيةَ حظٌّ في الامتحان: «أشَدُّ الناسِ بَلاءً الأنبياءُ، ثم الأَمثَلُ فالأَمْثَلُ، يُبْتَلى الرجُلُ على حسَبِ دِينِه» ٩.
-
قاتلٌ يتوب قبل موته بدقيقة فيدخل الجنّة، وضحيّتُه غيرُ المؤمنة تخلد في النار — أهذا هو العدل؟
الأمرُ على خلاف ما وُصف تمامًا: الكلمةُ في اللحظة الأخيرة هي بعينها الكلمةُ التي يردّها النصّ — ﴿وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ﴾ ١، أي من أصرَّ على المعاصي ولم يرجع «إلى أن تأتيهم سكرات الموت» ٢؛ والمقبولُ مقيَّدٌ بـ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ﴾ ٥ — مهلةٌ يبقى بعدها عمرٌ يُعمل فيه، لا نُطقٌ عند الخاتمة. والقرآنُ ساق لهذا مثالَه الأشهر: فرعونُ نطق التوحيدَ كاملًا وهو يغرق ٣، فرُدَّ عليه: «فلا تنفعك التوبة ساعة الاحتضار ومشاهدة الموت والعذاب» ٤ — فالنظامُ الذي تصفه بأنّه يكافئ حسنَ التوقيت هو الذي أبطل توبةَ التوقيت بأصرح ما يكون. وحقُّ الضحيّة لا تبتلعه التوبةُ في الدارين: ندمُ القاتل وتوبتُه قبل القدرة عليه لا يرفعان عنه القصاص، بخلاف المحارب ٦، وفي الآخرة «لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة»، وتُستوفى «من الحسنات والسيئات» ٧ — وهي صورةُ سؤالك بعينها: قاتلٌ في الجنّة ومقتولٌ في النار، والدَّينُ يُقتضى. وأمّا شقُّ «من عاش عادلًا ولم ينطقها» فليس العذابُ لازمًا بمجرّد عدم النطق: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٨، «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ٩.
١ وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٨ · افتح الموضع
٢ وليس قَبول التوبة للذين يُصِرُّون على ارتكاب المعاصي، ولا يرجعون إلى ربهم إلى أن تأتيهم سكرات الموت، فيقول أحدهم: إني تبت الآن، كما لا تُقبل توبة الذين يموتون وهم جاحدون، منكرون لوحدانية الله ورسالة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. أولئك المصرُّون على المعاصي إلى أن ماتوا، والجاحدون الذين يموتون وهم كفار، أعتدنا لهم عذابًا موجعًا.
التفسير الميسّر · النساء ٤:١٨ · افتح الموضع
٣ ۞ وَجَٰوَزْنَا بِبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُۥ بَغْيًۭا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ
سورة يونس ١٠:٩٠ · افتح الموضع
٤ آلآن يا فرعون، وقد نزل بك الموت تقرُّ لله بالعبودية، وقد عصيته قبل نزول عذابه بك، وكنت من المفسدين الصادين عن سبيله!! فلا تنفعك التوبة ساعة الاحتضار ومشاهدة الموت والعذاب.
التفسير الميسّر · يونس ١٠:٩١ · افتح الموضع
٥ إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٧ · افتح الموضع
٦ … ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه …
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٣٩ · افتح الموضع
٧ … أنا المالك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حتى اللطمة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حتى اللطمة … قال: قلنا له: كيف وإنما نأتي الله عراة حفاة غرلا؟ قال: «من الحسنات والسيئات»
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص٦٧٧ · افتح الموضع
٨ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٩ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
١٠ والحقوق نوعان: حق الله، وحق الآدمي؛ فحق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات ونحوها، وإنما الصلح بين العبد وبين ربه في إقامتها، لا في إهمالها … وأما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٨٤ · افتح الموضع
١١ وَلَا تَقْتُلُوا۟ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ ۗ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًۭا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ ۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورًۭا
سورة الإسراء ١٧:٣٣ · افتح الموضع
١٢ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا
سورة النساء ٤:٩٣ · افتح الموضع
١٣ وقد روي عن ابن عباس ما يدل على أنه قصد التشديد بهذا القول. … أن ابن عباس رضي الله عنهما كان يقول: لمن قتل المؤمن توبة، فجاءه رجل فسأله، ألمن قتل مؤمنا توبة؟ قال: لا إلا النار. فلما قام قال له جلساؤه: ما هكذا؟ كنت تفتينا أنه لمن قتل مؤمنا متعمدا توبة مقبولة، فما شأن هذا اليوم؟ قال: إني أظنه رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا، فبعثوا في أثره فوجدوه كذلك
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٣٨٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا إزاحةٌ للمهلة لا ردٌّ للاعتراض: منعتَ الدقيقةَ الأخيرة وأبقيتَ العقد. فقاتلٌ يتوب في الأربعين ويموت في الثمانين تقيًّا يدخل الجنّة، والمقتولُ حيث تركتَه. ثمّ إنّك تجعل ربَّك يُسقط دَينًا ليس له: الدمُ دمُ المقتول لا دمُ الله، فبأيّ وجهٍ يعفو عنه غيرُ صاحبه؟
الدَّينُ الذي ليس لله لا يُسقطه الله، والقسمةُ منصوصةٌ لا مستنبَطة: «حق الله لا مدخل للصلح فيه كالحدود والزكوات والكفارات» و«أما حقوق الآدميين فهي التي تقبل الصلح والإسقاط والمعاوضة عليها» ١٠ — أي أنّها بيد صاحبها وحدَه، وهذا هو الفرقُ الذي تطلبه. ولذلك بقي القصاصُ قائمًا مع التوبة والندم ٦، وجُعل الحقُّ لوليّ الدم ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًۭا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلْطَٰنًۭا﴾ ١١، وبقيت المظلمةُ تُستوفى من حسناته يوم القيامة حتى اللطمة ٧ — فدخولُه ليس مجّانًا ولا الملفُّ أُغلق. ولا أُخفي أنّ في الباب ما هو أثقلُ عليك لا أخفّ: جزاءُ قاتل المؤمن عمدًا ﴿فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا﴾ ١٢، وقد أفتى ابنُ عبّاسٍ سائلًا بأن لا توبةَ له «إلا النار» ثمّ تبيّن أنّه إنّما شدّد عليه لأنّه ظنّه «رجلا مغضبا يريد أن يقتل مؤمنا»، وكان يُفتي بخلافه ١٣. فالنزاعُ في التراث كان في تضييق التوبة على القاتل لا في توسيعها، وهذا يُثقل السؤالَ من جهةٍ أخرى: أنّ الشدّة تبلغ حدًّا يُنازَع فيه، لا أنّ الرحمة سائبة.
-
لو أُعطيتُ فرصةً ثانيةً بعد أن أرى الحقيقةَ بعينيّ لآمنت — فلماذا لا تُعطى؟
لا، لم تُحاكَم على فعلٍ افتراضيّ — وأساسُ الجزاء منصوصٌ في غير هذه الآية بلا افتراضٍ فيه ألبتّة: ﴿فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ٦. وآيةُ ﴿وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ﴾ ٢ لا تُنشئ عقوبةً، بل تردّ دعوى ادّعاها أصحابُها في الآية التي قبلها: ﴿يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا﴾ ١ — فالمردودُ قولٌ قالوه، لا حكمٌ ابتُدئ عليهم. واعتراضُك بلفظه مطروحٌ في كتابٍ لرجلٍ مات سنة ٢١٥هـ — «كيف كانوا كاذبين ولم يعودوا بعد» — وجوابُه فيه أنّ الكذبَ المحكومَ به هو الواقعُ منهم فعلًا لا المفترَض: «يعني ما وافوا به القيامة من كذبهم وكفرهم» ٤. والافتراضُ نفسُه مستخرَجٌ من واقعةٍ حدثت لا من غيبٍ محض: «لأنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم» ٥، والآيةُ تصفهم قبله بـ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ ٢ — أي «ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه» ٣، فالمأخوذُ عليهم إخفاءٌ وقع لا نيّةٌ تُخمَّن. وأمّا الفرصةُ فالقرآنُ يجيب طلبَها بغير ما تظنّ: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا﴾ يُقابَل بـ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ﴾ ٧ — «أولم نُمْهلكم في الحياة قَدْرًا وافيًا من العُمُر» ٨ — فالجوابُ إحالةٌ على فرصةٍ مضت، لا احتجاجٌ بفرصةٍ متوقَّعة.
١ وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ وُقِفُوا۟ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُوا۟ يَٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
سورة الأنعام ٦:٢٧ · افتح الموضع
٢ بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا۟ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا۟ لَعَادُوا۟ لِمَا نُهُوا۟ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَٰذِبُونَ
سورة الأنعام ٦:٢٨ · افتح الموضع
٣ ليس الأمر كذلك، بل ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يعلمونه من أنفسهم من صدق ما جاءت به الرسل في الدنيا، وإن كانوا يظهرون لأتباعه خلافه. ولو فرض أن أعيدوا إلى الدنيا فأمهلوا لرجعوا إلى العناد بالكفر والتكذيب. وإنهم لكاذبون في قولهم: لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا، وكنا من المؤمنين.
التفسير الميسّر · سورة الأنعام ٦:٢٨ · افتح الموضع
٤ وفي كتاب الله عز وجل {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون} فيسأل السائل فيقول كيف كانوا كاذبين ولم يعودوا بعد. [و] انما يكونون كاذبين إذا عادوا. … أو يقول {إنهم لكاذبون} يعني ما وافوا به القيامة من كذبهم وكفرهم لأن الذين دخلوا النار كانوا كاذبين كافرين.
الأخفش الأوسط (ت ٢١٥هـ) · معاني القرآن ص٣٢٩ · افتح الموضع
٥ لأن هذا القول منهم بعد أن بعثوا وعلموا أمر القيامة وعاينوا النار، فالمعنى أن أكثر من عاين من اليهود والمشركين قد علم أن أمر الله حق فركن إلى الرفاهية، وأن الشيء متأخر عنه إلى أمد كما فعل إبليس الذي قد شاهد من براهين الله ما لا غاية بعده، فأعلم الله عز وجل أنهم لو ردوا لعادوا لأنهم قد كفروا بعد وجوب الحجة عليهم.
أبو إسحاق الزجاج (ت ٣١١هـ) · معاني القرآن وإعرابه ص٢٣٩ · افتح الموضع
٦ فَٱلْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
سورة يس ٣٦:٥٤ · افتح الموضع
٧ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَٰلِحًا غَيْرَ ٱلَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ ۚ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُ ۖ فَذُوقُوا۟ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ
سورة فاطر ٣٥:٣٧ · افتح الموضع
٨ وهؤلاء الكفار يَصْرُخون من شدة العذاب في نار جهنم مستغيثين: ربنا أخرجنا من نار جهنم، وردَّنا إلى الدنيا نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمله في حياتنا الدنيا، فنؤمن بدل الكفر، فيقول لهم: أولم نُمْهلكم في الحياة قَدْرًا وافيًا من العُمُر، يتعظ فيه من اتعظ، وجاءكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك لم تتذكروا ولم تتعظوا؟ …
التفسير الميسّر · سورة فاطر ٣٥:٣٧ · افتح الموضع
٩ وقوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) … وهذا يدل على كونهم مجبولين على الشر، معودين لمخالفة النهي والأمر
أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣هـ) · إعجاز القرآن ص٩٦ · افتح الموضع
١٠ وانتبه إلى القيد الذي في المقدّمة الثالثة: «غيرُ مقاوِم». فمن ردّ الحجّةَ بـ«الأدلّةُ ظاهرةٌ والمنكِرُ معاند» لم يخاطبها أصلًا — خاطب حجّةً أخرى.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب — §٥ الخفاءُ الإلهيّ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه يقوم على أنّ المخاطَبَ كتم ما يعلم. وأنا لم أكتم شيئًا ولم تقم عليّ حجّةٌ أعرفها، والآيةُ تعمّم ولا تستثني. ثمّ إنّ من قرأها من قدمائكم قرأها أسوأَ ممّا قرأتَها أنت: قال الباقلاني في إعجاز القرآن إنّها تدلّ «على كونهم مجبولين على الشر» — أي طبعٌ رُكِّب فيهم ثمّ عوقبوا عليه، وذاك أشنعُ من الحكم على نيّة.
القراءةُ التي ذكرتَ قائمةٌ في التراث ولا أُخفيها ٩، ويقابلها فيه ردُّ الأمر إلى فعلٍ وقع: كفرٌ بعد قيام الحجّة، لا جِبِلّةٌ سابقة ٥. وأمّا التعميمُ فالسياقُ يقيّده: موضوعُ الآية موصوفون بأنّهم ﴿كَانُوا۟ يُخْفُونَ﴾ ما يعلمون من أنفسهم ٢، ويفسَّر بأنّهم «يظهرون لأتباعه خلافه» ٣ — وذاك وصفُ كاتمٍ لا وصفُ شاكّ. وأمّا قولُك «لم أكتم» فهو فرقٌ معتبَرٌ لا يُدفع بحيلة، والكتاب يقرّره على أهله لا لهم: من ردّ حجّةَ الخفاء بأنّ «الأدلّةُ ظاهرةٌ والمنكِرُ معاند» لم يخاطبها أصلًا ١٠. فالآيةُ لا تتناولك، وسؤالُك «لماذا لا أرى» سؤالٌ آخرُ له ثقلُه، ولا يصحّ أن يُجاب بآيةٍ في قومٍ أخفَوا ما علموا.
-
ما الذي يُعيد لمن قُتل تحت التعذيب حقَّه؟ أيكفي أن يُعاقَب الجاني؟
نعم، الجنّةُ تعويضٌ لا تبرير، وهذا مقرَّرٌ عندنا بلفظه: «من قدّم التعويضَ جوابًا عن سؤال التبرير فقد بدّل السؤال» ٥. لكنّ شِقَّك الثاني لا يقع على ما في النصّ، فأوّلُ ما يجري ليس دفعَ حديقة: السؤالُ يُوجَّه إلى القتيلة نفسِها ﴿وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ﴾ ١، ويقول التفسيرُ الميسّر إنّه «سؤالُ تطييب لها وتبكيت لوائدها» ٢ — فهي الشاهدةُ المُنصَفة لا الملفُّ المغلَق، والجريمةُ تُسمّى بلسانها في وجه قاتلها. ثمّ إنّ الوفاءَ يخرج من رصيد الجاني إلى رصيد المجنيّ عليه لا من خزانةٍ ثالثة: يُعطى المظلومُ من حسنات ظالمه، فإن فنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخِذ من خطايا المظلوم فطُرحت على الظالم ٣. وليس ثمّ عفوٌ يُنشأ فوق رأس صاحب الحقّ: من عنده مظلمةٌ أُمر أن يتحلَّل منها من صاحبها قبل يومٍ ليس فيه دينارٌ ولا درهم ٤ — أي أنّ المُبرِئ هو الخصمُ نفسُه، لا طرفٌ ثالثٌ يشتري سكوتَه. وما لا يُعطيه هذا كلُّه وجهٌ يجعل التعذيبَ نفسَه مقبولًا، وهو لا يُدَّعى: الجوابُ عن «أيبقى بلا إنصاف؟» غيرُ الجواب عن «لماذا وقع الألم» ٦.
١ وَإِذَا ٱلْمَوْءُۥدَةُ سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنۢبٍۢ قُتِلَتْ
سورة التكوير ٨١:٨-٩ · افتح الموضع
٢ وإذا الطفلة المدفونة حية سُئلت يوم القيامة سؤالَ تطييب لها وتبكيت لوائدها: بأيِّ ذنب كان دفنها؟
التفسير الميسّر · سورة التكوير ٨١:٨-٩ · افتح الموضع
٣ أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2581 · صحيح
٤ مَن كانَت عِندَه مَظلِمةٌ لأخيه فليَتَحَلَّلْه مِنها؛ فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، مِن قَبلِ أن يُؤخَذَ لأخيه مِن حَسَناتِه، فإن لم يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخيه فطُرِحَت عليه. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 6534 · صحيح
٥ الإنصافُ بعد الموت تعويضٌ لا تبرير. وهو بعينه ما نبّهت عليه آدمز: أن يُجبَر المصابُ بعد مصابه شيءٌ، وأن يكون في مصابه نفسِه خيرٌ يبرّر السماحَ به شيءٌ آخر. ومن قدّم التعويضَ جوابًا عن سؤال التبرير فقد بدّل السؤال.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
٦ ثمّ إنّه لا يجيب عن «لماذا وقع الألم» أصلًا؛ يجيب عن سؤالٍ آخر: أيبقى بلا إنصاف؟ والفرقُ بين السؤالين هو كلُّ شيء — ومن خلطهما وعد بما لا يعطي.
١٢. أثقلُ سؤالٍ في الباب · افتح الموضع
أتَدرونَ ما المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِسُ فينا مَن لا دِرهَمَ له ولا مَتاعَ، فقال: إنَّ المُفلِسَ مِن أُمَّتي يَأتي يَومَ القيامةِ بصَلاةٍ، وصيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكَلَ مالَ هذا، وسَفَك دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإن فنيَت حَسَناتُه قَبلَ أن يُقضى ما عليه أُخِذَ مِن خَطاياهم فطُرِحَت عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ. .
أبو هريرة · مسلم · صحيح مسلم 2581 صحيح
مَن كانَت عِندَه مَظلِمةٌ لأخيه فليَتَحَلَّلْه مِنها؛ فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ، مِن قَبلِ أن يُؤخَذَ لأخيه مِن حَسَناتِه، فإن لم يَكُنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيِّئاتِ أخيه فطُرِحَت عليه. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 6534 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه محاسبةٌ في دفتر الجاني، ولا شيءَ منه يعود إليها. حسناتُ قاتلها ليست عمرَها الذي أُخذ، وسؤالُ «بأيّ ذنبٍ قُتلتِ» تبكيتٌ له لا ردٌّ لها؛ فأنتم نقلتم الرصيدَ من خانةٍ إلى خانة وسمّيتم النقلَ إنصافًا. ثمّ إنّ الذي يتولّى الحسابَ هو الذي كان قادرًا على منع التعذيب فلم يمنعه — ومحكمةٌ قاضيها يملك أن يوقف الجريمةَ قبل وقوعها لا تُبرَّأ بحُسن القسمة بعدها.
الشِّقُّ الأوّل مسلَّمٌ ولا يُدفَع: لا شيءَ ههنا يزعم أنّ ما وقع رُدَّ أو أُبطل، والمقولُ أنّ الدفتر لم يُغلق لا أنّ الجرح لم يقع ٦. لكنّ «نقلَ الرصيد» وصفٌ لا يصف: الفرقُ بين دَينٍ يُستوفى وسكوتٍ يُشترى أنّ المستوفيَ صاحبُ الحقّ، وأنّ المستوفَى من عين ما عند الجاني لا عطاءٌ يُنشَأ لها إسكاتًا ٣، وأنّ الإسقاطَ بيدها هي ٤ — والمشتري للسكوت لا يشترط شيئًا من الثلاثة. وأمّا الشِّقُّ الثاني فهو السؤالُ الآخر بعينه، وقد صرّحتُ أنّ هذا الباب لا يمسّه ٥، وأنّ من خلط السؤالين «وعد بما لا يعطي» ٦ — فلا أزيدك ههنا شيئًا لا أملكه.
-
إن كان الميزانُ دقيقًا لا يظلم مثقالَ ذرّة، فما معنى الشفاعة؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: ليس ثمّة طرفان يتنازعان الحكم، فالشفاعةُ نفسُها مملوكةٌ للقاضي لا لأحدٍ سواه — ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ ١، «فالأمر كله لله وحده، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه» ٢. وشرطُها منصوصٌ لا مستنبَط: ﴿يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا﴾ ٣ — إذنٌ للشافع، ورضًا عن المشفوع له سابقٌ للشفاعة؛ ومن لم يقع له ذلك ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ﴾ ٤. والصورةُ التي تصفها أنت — الوساطةُ بالنسب والوجاهة — هي بعينها التي نزل القرآنُ يهدمها: «كانوا يقولون إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله أنه لا تنفعهم الشفاعة ولا تجزي نفس عن نفس شيئا» ٥. ثمّ إنّ دعوى الميزان ليست مقابلةً حسابيّةً محضةً حتى تنقضها زيادة، بل نفيُ البخس: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا﴾ ٦ — وفي الآية التي تنفي الظلمَ بمثقال ذرّةٍ يُعلَن الفضلُ في نصفها الثاني: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا﴾ ٧. وأمّا المساومةُ والصداقة — وهما آلةُ المحسوبيّة — فمنفيّتان بالنصّ مع الشفاعة في سياقٍ واحد: ﴿يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ﴾ ٨.
١ قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعًۭا ۖ لَّهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
سورة الزمر ٣٩:٤٤ · افتح الموضع
٢ قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لله الشفاعة جميعًا، له ملك السموات والأرض وما فيهما، فالأمر كله لله وحده، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، … فالواجب أن تُطلب الشفاعة ممن يملكها، وأن تُخلص له العبادة
التفسير الميسّر · سورة الزمر ٣٩:٤٤ · افتح الموضع
٣ يَوْمَئِذٍۢ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَٰنُ وَرَضِىَ لَهُۥ قَوْلًۭا
سورة طه ٢٠:١٠٩ · افتح الموضع
٤ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ
سورة المدثر ٧٤:٤٨ · افتح الموضع
٥ وهاتان الآيتان كلاهما في حق بني إسرائيل وكانوا يقولون إنهم أبناء الأنبياء وأبناء أبنائهم وسيشفع لنا آباؤنا فأعلمهم الله أنه لا تنفعهم الشفاعة ولا تجزي نفس عن نفس شيئا
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٢٣ · افتح الموضع
٦ وَنَضَعُ ٱلْمَوَٰزِينَ ٱلْقِسْطَ لِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍۢ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ
سورة الأنبياء ٢١:٤٧ · افتح الموضع
٧ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍۢ ۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةًۭ يُضَٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًۭا
سورة النساء ٤:٤٠ · افتح الموضع
٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَنفِقُوا۟ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌۭ لَّا بَيْعٌۭ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌۭ وَلَا شَفَٰعَةٌۭ ۗ وَٱلْكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
سورة البقرة ٢:٢٥٤ · افتح الموضع
٩ وأنه لن ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته
جلال الدين السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٩٣ · افتح الموضع
١٠ يقول: فلا يظلم بأن يحمل ذنب غيره. {ولا هضما} أي ولا يهضم فينقص من حسناته. يقال: هضمه واهتضمه إذا نقصه حقه.
محمد بن عزير السجستاني · غريب القرآن المسمى بنزهة القلوب ص٤٩٢ · افتح الموضع
١١ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا
سورة النساء ٤:٤٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا يُفرغ الشفاعةَ ولا يُثبتها. إن كان الرضا عن المشفوع له سابقًا فالرجلُ ناجٍ بحكمه، والشفاعةُ تشريفٌ للشافع لا أثرَ له في القسمة — فلمَ تُذكر أصلًا؟ وإن أثّرت فقد تبدّل حكمٌ كان قد وقع، وعُدنا إلى المحسوبيّة من حيث فررتم منها. ثمّ ﴿لِمَن يَشَآءُ﴾: مشيئةٌ لا قاعدةَ معلنةً تحكمها، وتسميتُها رحمةً لا تجعلها قاعدة.
الأثرُ واقعٌ، لكنّه في محورٍ غير محور الميزان: العقوبةُ محكومةٌ بالعدل والعطاءُ بالفضل، وهما لا يتزاحمان على موضعٍ واحد — «لن ينال أحد ذرة من الخير فما فوقها إلا بفضله ورحمته ولا ذرة من الشر فما فوقها إلا بعدله وحكمته» ٩. والظلمُ في لسان النصّ نقصٌ لا فيض: «فلا يظلم بأن يحمل ذنب غيره. {ولا هضما} أي ولا يهضم فينقص من حسناته. يقال: هضمه واهتضمه إذا نقصه حقه» ١٠ — فالميزانُ يحرس الحدَّ الأدنى: ألّا يُبخس أحدٌ حقَّه ولا يُحمَّل وزرَ غيره، ومن أُعطي فوق حقّه لم يُنتزع ذلك من أحد ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌۭ شَيْـًۭٔا﴾ ٦. والمحسوبيّةُ إنّما تكون بأخذ حقّ أحدٍ لغيره، وهو المنفيُّ ههنا بعينه ٦. وأمّا المشيئةُ فليست بلا حدّ معلن: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ ١١ — بابٌ مغلقٌ بالنصّ، وما دونه موكولٌ إلى المشيئة. وهذا آخرُ ما عندي ولا أزيد عليه: القدرُ الموكولُ إلى المشيئة لا تُعرف قسمتُه بقاعدةٍ مطَّردة، ومن طلب ههنا جدولًا لم يجده ١١.