﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
النبيُّ محمّد ﷺ — أسئلةٌ تُسأل عن الإسلام
سيرتُه ومغازيه وزواجُه وبنو قريظة والغنائمُ والسبي، وما يُعترض به على كلٍّ منها — ومقياسُ صدق الدعوى عند من يبحث فيها لا عند أهلها.
١٥٤ سؤالًا · ١٬٧٣٢ نصًّا منقولًا بنسبته · ولـ٨٦ سؤالًا حديثٌ محقَّقٌ بحكمه.
-
لماذا تزوّج النبيُّ عائشةَ وهي صغيرة؟
نعم، وقع، ولا أُخفّفه ولا أُقدّم بين يديه شيئًا: اللفظُ عن عائشة نفسِها «تَزَوَّجَني النَّبيُّ … وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، وبَنى بي وأنا بنتُ تِسعِ سِنينَ»، مخرَّجٌ في صحيح مسلم وحكمُه صحيح ١، وابنُ القيّم يُثبت التاريخين في ترجمتها بلا تحرُّج ثمّ يصفها بأنّها «أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق» يستفتيها أكابرُ الصحابة ٢. وآيةُ العدّة التي سُقتَها تقول ما قلتَ لا أقلَّ منه: ﴿وَٱلَّٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ﴾ ٣، والتفسيرُ الميسّر يفسّرهنّ «الصغيرات اللاتي لم يحضن» ٤ — فالنصُّ يفترض الصورةَ ويرتّب عليها حكمًا، وليس ههنا مخرجٌ ولا تأويل. لكنّ موضعَ الخلل في نقلتك من «وقع» إلى «فهو الحكم»: فالحكمُ الذي استخرجه ابنُ القيّم من أقضية النبيّ نفسِه ونسبه إلى جمهور السلف وأبي حنيفة هو «أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، … وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه» ٥، ومستندُه واقعةٌ يسوقها: بكرٌ زوّجها أبوها وهي كارهة «فخيرها النبي» ٦. وحجّتُه أنّ الأبَ «لا يتصرف … في أقل شيء من مالها إلا برضاها … فكيف يجوز أن يرقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها» ٧. فسؤالُك الأوّل — ما حكمُ زواج الصغيرة — جوابُه عند هؤلاء أنّ الرضا شرطٌ لا يُتنازَل عنه، وتفاصيلُ نكاحه صلّى الله عليه وسلّم ليست بابًا يُستنسخ: أثبت له الفقهاءُ فيه خصائصَ، منها عن ابن عقيل «لا يشترط في نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه» ٨.
١ تَزَوَّجَني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، وبَنى بي وأنا بنتُ تِسعِ سِنينَ. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 1422 · صحيح
٢ شوال وعمرها ست سنين، وبنى بها في شوال في السنة الأولى من الهجرة وعمرها تسع سنين، ولم يتزوج بكرا غيرها، … وهي أفقه نسائه وأعلمهن، بل أفقه نساء الأمة وأعلمهن على الإطلاق، وكان الأكابر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يرجعون إلى قولها ويستفتونها.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص١٠٢ · افتح الموضع
٣ وَٱلَّٰٓـِٔى يَئِسْنَ مِنَ ٱلْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشْهُرٍۢ وَٱلَّٰٓـِٔى لَمْ يَحِضْنَ ۚ وَأُو۟لَٰتُ ٱلْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مِنْ أَمْرِهِۦ يُسْرًۭا
سورة الطلاق ٦٥:٤ · افتح الموضع
٤ والنساء المطلقات اللاتي انقطع عنهنَّ دم الحيض؛ لكبر سنهنَّ، إن شككتم فلم تدروا ما الحكم فيهنَّ؟ فعدَّتهنَّ ثلاثة أشهر، والصغيرات اللاتي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك. …
التفسير الميسّر · الطلاق ٦٥:٤ · افتح الموضع
٥ وموجب هذا الحكم أنه لا تجبر البكر البالغ على النكاح، ولا تزوج إلا برضاها، وهذا قول جمهور السلف، ومذهب أبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه، وهو القول الذي ندين الله به، ولا نعتقد سواه، وهو الموافق لحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ونهيه، وقواعد شريعته، ومصالح أمته.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٨٧ · افتح الموضع
٦ «وسألته - صلى الله عليه وسلم - جارية بكر، فقالت: إن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقد أمر باستئذان البكر، ونهى عن إنكاحها بدون إذنها، وخير - صلى الله عليه وسلم - من نكحت، ولم تستأذن»
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين ص٢٥٩ · افتح الموضع
٧ وأما موافقته لقواعد شرعه، فإن البكر البالغة العاقلة الرشيدة لا يتصرف أبوها في أقل شيء من مالها إلا برضاها، ولا يجبرها على إخراج اليسير منه بدون رضاها، فكيف يجوز أن يرقها، ويخرج بضعها منها بغير رضاها إلى من يريده هو، وهي من أكره الناس فيه، أبغض شيء إليها؟ … ومعلوم أن إخراج مالها كله بغير رضاها أسهل عليها من تزويجها بمن لا تختاره بغير رضاها
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٨٨ · افتح الموضع
٨ وقال ابن عقيل: ظاهر كلام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشترط في نكاحه الولي، وأن ذلك من خصائصه.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص١٠٤ · افتح الموضع
٩ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْءَاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٢١ · افتح الموضع
١٠ لقد كان لكم -أيها المؤمنون- في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله قدوة حسنة تتأسون بها، فالزموا سنته، فإنما يسلكها ويتأسى بها مَن كان يرجو الله واليوم الآخر، وأكثرَ مِن ذكر الله واستغفاره، وشكره في كل حال.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٢١ · افتح الموضع
١١ ١. أحكامُ المرأة. وأكثرُ ما يُشتكى منه في هذا الباب — والقولُ هنا يخصّني ولا أُسنده — من الخانة الثالثة في جدولي: عُرفٌ التبس بالدين؛ من منع تعليمٍ ومنع خروجٍ وتزويجِ إكراهٍ وحرمانٍ من ميراث. ومنها ما لا سندَ له ألبتّة … ومنها ما له في كتب المذاهب قولٌ يُدافَع عنه وإن خالفه غيرُه، ولا أفصل بينهما ههنا. … والذي أقوله: هذه المسائلُ لا تُجاب في صفحة، ومن أجابك عنها في صفحةٍ فقد اختار لك قولًا وسمّاه الدين.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
تَزَوَّجَني النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وأنا بنتُ سِتِّ سِنينَ، وبَنى بي وأنا بنتُ تِسعِ سِنينَ. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 1422 صحيح
تزوَّجَني رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأنا ابنةُ ستِّ سِنينَ بمكَّةَ، مُتَوَفَّى خَديجةَ، ودخَلَ بي وأنا ابنةُ تِسعِ سِنينَ بالمدينةِ. .
· تخريج المسند لشعيب 24867 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
«البكر البالغ» — هذه الكلمةُ وحدَها تنسف جوابك. الشرطُ الذي احتججتَ به مشروطٌ بالبلوغ بلفظه، وبنتُ التسع ليست منه، فأنت أجبتَ عن سؤالٍ لم أسأله ثمّ سمّيتَه جوابًا. وعن «الخصائص»: هذه بضاعةٌ تُخرَج كلّما ضاق الأمر — يكون فعلُه حجّةً حين يوافقكم، وخصوصيةً حين يُحرجكم. والنقلةُ التي أنكرتَها ليست من صنعي: كتابُكم يقول إنّ في رسول الله ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ﴾، وتفسيرُكم الذي احتججتَ به قبل سطرين يقول إنّها في أقواله وأفعاله وأحواله — لا في أقواله وحدها. فقُلها صريحةً: أهذا الفعلُ حسنٌ يُتأسّى به، أم ليس بحسن؟ وأيَّهما قلتَ خسرتَ شيئًا.
الشقُّ الأوّل صحيحٌ وأقبله كما هو: نصُّ ابن القيّم في «البكر البالغ» ٥، فمسألةُ الصغيرة لم تُحسم به، والقرآنُ نفسُه يفترض وقوعَها حين يرتّب عليها عدّة ٣٤ — فلا أملك نصًّا يحرّمها، ومن أوهمك أنّه يملكه فقد دلّس. والكتاب يقول في هذا الباب بعينه إنّ «تزويجِ إكراهٍ» ممّا «له في كتب المذاهب قولٌ يُدافَع عنه وإن خالفه غيرُه»، وإنّ «هذه المسائلُ لا تُجاب في صفحة، ومن أجابك عنها في صفحةٍ فقد اختار لك قولًا وسمّاه الدين» ١١ — فخذ منّي مثلَه: لا فصلَ ههنا، وامتناعٌ معلَنٌ أشرفُ من جوابٍ مصنوع. وأمّا الشقُّ الثاني فلا أقصّه ولا أقرأ نصفَه: الآيةُ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌۭ﴾ ٩ فسّرها الميسّرُ بأنّها في «أقوال رسول الله … وأفعاله وأحواله» ثمّ ختمها بـ«فالزموا سنته» ١٠ — والذي يحوّل فعلَه إلى حكمٍ يلزمني هو الفقه، وهو نفسُه الذي فرّق بين ما يخصّه وما يعمّ قبل أن يُحرجه أحد ٨، وهو نفسُه الذي أخرج من أقضيته أنّ الرضا شرط ٦ وأنّ التصرّف في بضعها أعظمُ من التصرّف في مالها ٧. فالمتأسّي به في هذا الباب لا يخرج بـ«تزوّج بنتَ تسع»، يخرج بـ«لا تُنكِح امرأةً وهي كارهة» — وهذا ما أملكه، لا ما يريحك.
-
كيف تعرفون أنّه كان صادقًا في دعوى الوحي — لا كاذبًا ولا مخدوعًا؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الفرعان الأوّلان لم يُقفز عنهما، بل عُرضا عليه في حياته بأصحابهما — عرض عليه عتبةُ بن ربيعة المالَ والشرفَ والمُلك، وهي كلُّ ما يطلبه كاذب، ثمّ عرض عليه الطبَّ صريحًا: «وإن كان هذا الذي بك رئيا لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه»، فالمخدوعُ الصادقُ النيّة فرضٌ مموَّلٌ من سيّد قومه لا اكتشافٌ لاحق ١. وقريشٌ لم تكتفِ بالعرض بل عقدت امتحانًا بخبير: «فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر»، فانتُدب عتبةُ وقال: «والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك» ٢، ثمّ رجع بقوله: «ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة» ٣. والقرآنُ نفسُه يسوق الفرعين بلفظهما لا بتلطيف: ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ … وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ﴾ ٤ وشرحُه «وما محمد الذي تعرفونه بمجنون … وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم» ٥ للفرع الثاني، و﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ﴾ ٦ وشرحُه «ولو ادَّعى محمد علينا شيئًا لم نقله، لانتقمنا» ٧ للأوّل. وأنت محقٌّ في أنّ حسنَ الخلق لا يفصل، وهذا مُعلَنٌ عندنا قبل أن تسأله: معيارُ «أثرِه في حامله» مُصرَّحٌ بضعفه في الكتاب، ومكتوبٌ فيه أنّ اجتياز المعايير «لا يُنتج يقينًا» ٨. فالمعروضُ للوزن ليس حالَه بل مقولَه، والنصُّ يضع لنفسه شرطَ تكذيبٍ في المضمون: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ ٩ — «حيث جاء على نسق محكم» ١٠.
١ قال: إن كنت إنما تريد المال بما جئت به من هذا القول، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد شرفا سودناك حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي بك رئيا لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه، أو لعل هذا الشعر شعر جاش به صدرك
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز في علم المعاني ص٥٨٢ · افتح الموضع
٢ قال أبو جهل يوما، والملأ من قريش: إنه قد التبس علينا أمر محمد فلو التمستم رجلا عالما بالسحر والكهانة والشعر فأتاه فكلمه ثم أتانا ببيان من أمره فقال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت السحر والكهانة والشعر وعلمت من ذلك علما وما يخفى علي إن كان كذلك
أبو جعفر النحاس · إعراب القرآن ص٣٦ · افتح الموضع
٣ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، وما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، خلو بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه … قال أبو ذر: وكان أنيس أحد الشعراء، قال: والله لقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد، ولقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون.
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز في علم المعاني ص٥٨٣ · افتح الموضع
٤ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍۢ … وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَٰنٍۢ رَّجِيمٍۢ
سورة التكوير ٨١:٢٢–٢٥ · افتح الموضع
٥ وما محمد الذي تعرفونه بمجنون، ولقد رأى محمد جبريل الذي يأتيه بالرسالة في الأفق العظيم، وما هو ببخيل في تبليغ الوحي. وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، مطرود من رحمة الله، ولكنه كلام الله ووحيه.
التفسير الميسّر · التكوير ٨١:٢٢ · افتح الموضع
٦ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ ٱلْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِٱلْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ ٱلْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَٰجِزِينَ
سورة الحاقة ٦٩:٤٤–٤٧ · افتح الموضع
٧ ولو ادَّعى محمد علينا شيئًا لم نقله، لانتقمنا وأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه نياط قلبه، فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا. …
التفسير الميسّر · الحاقة ٦٩:٤٤ · افتح الموضع
٨ وبقي معيارٌ واحدٌ نصرّح بضعفه — أثرُه في حامله — لأنّ ضعفَه مذكورٌ بأسبابٍ تُفحص لا بذوقٍ يُدّعى … وأكثرُها يُسقط ولا يرفع، وهذا حدُّها لا عيبُها … اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص. وذاك أقلُّ ممّا يظنّ الحماس، وأكثرُ ممّا يظنّ الرفض.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٩ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا
سورة النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
١٠ أفلا ينظر هؤلاء في القرآن، وما جاء به من الحق، نظر تأمل وتدبر، حيث جاء على نسق محكم يقطع بأنه من عند الله وحده؟ ولو كان مِن عند غيره لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.
التفسير الميسّر · النساء ٤:٨٢ · افتح الموضع
١١ روى الشيخان وغيرهما عن عائشة قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم … حتى فجأه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه فقال اقرأ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني … فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٧٣ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
وامتحانُ عتبةَ لا يزن شيئًا في هذا الباب: رجلٌ في القرن السابع يُحسن الفرقَ بين الشعر والسجع ولا يملك من أدوات العصب والنفس شيئًا، فنفيُه «الكهانة» ليس نفيًا لصرع الفصّ الصدغيّ ولا للهلوسة، إذ لم تكن في ذهنه أصلًا. وعرضُ الطبّ أسوأ: طبُّ مكّةَ يومئذٍ رُقًى، وإخفاقُه لا يُسقط تشخيصًا لم يُخلق بعد — فأنتم تحتجّون بأنّ خصومَه لم يهتدوا إلى تفسيرٍ ما كان في مقدورهم أن يهتدوا إليه. ثمّ إنّ كلّ ما سُقتَ منقولٌ في كتبٍ يرويها من صدَّق الدعوى، وأنتم أنفسُكم ترون في كتبكم الغطَّ والرجفةَ ثمّ تسمّونها وحيًا.
أمّا النقلُ فنحن نرويه ولا نُخفيه: خبرُ أوّل الوحي فيه الغطُّ ثلاثًا و«فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجف بوادره» مثبتٌ في كتب علومنا نفسِها ١١ — ولو كنّا نُخبّئ ما يضرّ لَما بقي بيدك ما تحتجّ به. وأمّا أنّ عتبةَ لم يملك تشخيصًا حديثًا فحقٌّ نُسلّمه، ولذلك لا يُقدَّم دليلًا على المضمون بل على أمرٍ واحدٍ كان في مقدوره: أنّ الصنفَ الوحيد المتاح لهم لتفسير رجلٍ يأتيه ما ليس منه — الكهانة — امتُحن بأهله فسقط، وأنيسٌ وكان شاعرًا «وضع قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد» ٣. وأمّا التفسيرُ العصبيّ فمحلُّه الحالُ لا المقول، ونوبةٌ لا تُنتج نصًّا يعرض نفسَه للنقض باتّساقه ويقول ﴿لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا﴾ ٩ — فمن رجّح التفسيرَ الطبّيَّ لزمه أن يبيّن كيف يُنتج مقولًا يُقاس فيه هذا، لا أن يقف عند وصف الحال. ولا يُخرجك هذا كلُّه إلى يقين، ولا نزعم ذلك: نصُّ كتابنا أنّ الميزان «يُسقط ولا يرفع»، وأنّ غايةَ ما بعد الفحص أنّ «الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص» ٨ — وذاك أقلُّ ممّا تُتَّهم به دعوانا، وأكثرُ ممّا تُسلّمه أنت.
-
أنا أومن بالله وحده. فلماذا يُشترط عليّ الإيمانُ بمحمّدٍ حتى أنجو؟
لا؛ الشهادةُ ليست ولاءً لرجل. القرآنُ يُلزم محمّدًا نفسَه أن يقول ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ﴾ ١، ويقطع على أيّ نبيٍّ أن يقول للناس ﴿كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ٢؛ بل الآيةُ التي تحتجّ بها تُتمّ نفسَها ﴿وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا﴾ — فهو مبلِّغٌ لا رقيبٌ ولا ربٌّ ثانٍ ٣. ولا يُطلب منك تصديقُ «رجلٍ عربيٍّ» بعينه: صيغةُ الإيمان في النصّ ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ﴾، فمن ردّ واحدًا ردّ الجميع ومن قبِل قبِل موسى وعيسى معه ٤. وأمّا لماذا لا يكفي الإقرارُ وحدَه فلأنّه يعطيك أنّ الله موجود ولا يعطيك ما يريده على التفصيل: «ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم» ٥. وأمّا المليارُ الذي لم يبلغه الخبرُ فالنصُّ يحسمها ضدَّ ما نُسب إليه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٦، وتفسيرُها «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه» ٧، وهي عند الفقهاء قاعدةٌ مطّردة لا استثناء ٨. فسؤالُك الحقيقيُّ بعد هذا ليس «لماذا رسول» بل «بأيّ ميزانٍ أختبر دعوى من قال إنّه تكلّم» — وله جوابٌ بمعاييرَ تُجرى، لا بدعوةٍ إلى التسليم ٩.
١ قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا
سورة الكهف ١٨:١١٠ · افتح الموضع
٢ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًۭا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّۦنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ
سورة آل عمران ٣:٧٩ · افتح الموضع
٣ مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا
سورة النساء ٤:٨٠ · افتح الموضع
٤ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ ۚ وَقَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ
سورة البقرة ٢:٢٨٥ · افتح الموضع
٥ ومن هاهنا تعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٦٧ · افتح الموضع
٦ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٧ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر — سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٨ …فإن الله - تعالى - لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٦ · افتح الموضع
٩ قلتَ: هبْ أنّي سلّمتُ بخالق. هذا لا يعطيني دينًا. الطريقُ من «ثمّ علّةٌ أولى» إلى «هذا الكتابُ كلامُه» طريقٌ لم يمشِ فيه أحدٌ أمامي بخطواتٍ أستطيع تتبُّعَها. فبأيّ ميزانٍ أختبر دعوى من قال إنّه تكلّم؟
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٠ رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٦٥ · افتح الموضع
١١ أرسَلْتُ رسلا إلى خَلْقي مُبشِّرين بثوابي، ومنذرين بعقابي؛ لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل. وكان الله عزيزًا في ملكه، حكيمًا في تدبيره.
التفسير الميسّر — سورة النساء ٤:١٦٥ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سقتَه من داخل الدعوى: تحتجّ بالقرآن على من لا يسلّم أصلًا بأنّه من الله، فالجوابُ دائريّ. ثمّ إنّ قاعدتك «لا عذاب قبل قيام الحجّة» تنقلب عليك: إن كان من لم يبلغه الخبرُ في عافية، فالتبليغُ نفسُه هو ما يصنع الخطر — والأرحمُ ألّا يُبلَّغ أحد. فدينُك إمّا ظالمٌ لمن لم يسمع، وإمّا مُهلكٌ لمن سمع.
شطرُك الأوّل مُسلَّمٌ لك بلا مناورة: ما سبق يبيّن ما يقوله الإسلامُ عن نفسه ولا يثبته، وإثباتُه بابٌ آخر يبدأ من سؤالك بحرفه: «هبْ أنّي سلّمتُ بخالق. هذا لا يعطيني دينًا» ٩. وأمّا الشطرُ الثاني فمبنيٌّ على أنّ البديل من الإرسال نجاةٌ عامّة، والنصُّ يجعل البديلَ جهلًا عامًّا: ﴿رُّسُلًۭا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةٌۢ بَعْدَ ٱلرُّسُلِ﴾ ١٠ — «لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل» ١١؛ أي أنّ الإرسال يرفع عذرًا كان قائمًا، لا أنّه يخترع تهمةً لم تكن. ولا أُخفي ما يبقى بعد هذا: القاعدةُ تنفي العقابَ عمّن لم تبلغه الحجّة ولا تُفصّل مصيرَه، ولم أجد في المصادر ما يفصّله — فمن أراد التفصيل فليس عندي.
-
ما وقع لبني قريظة — قتلُ المقاتلة وسبيُ الذراري — كيف يستقيم مع «رحمةً للعالمين»؟
لم يُقتل طفلٌ واحد: القتلُ نُفّذ في «كل من جرت عليه الموسى»، و«من لم ينبت، ألحق بالذرية»، و«لم يقتل من النساء أحد سوى امرأة واحدة» ألقت رحًى على رأس رجلٍ فقتلته ١. وهذا الفرزُ يذكره ابنُ القيّم قاعدةً في القضاء لا حادثةً عارضة: «فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة ، ويستبقي من لم تكن فيه» ٢. والمناطُ مظاهرةُ المحاصِرين في حربٍ قائمة، لا الدينُ ولا النسب: بينهم وبين النبيّ «كتاب أمن» مكتوبٌ مع يهود المدينة الثلاث ٣، والقرآنُ يسمّي فعلَهم بلفظه ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ ٤، ويفسّرها الميسَّرُ «لإعانتهم الأحزاب في قتال المسلمين» ٥. ولم يكن ذلك حكمًا مطّردًا على يهود المدينة: بنو قينقاع نزلوا على حكمه «في رقابهم وأموالهم، ونسائهم وذريتهم» ثمّ «وهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة» ٦، وبنو النضير خرجوا «بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح» ٧. وما لا أُخفيه: العددُ «ما بين الستمائة إلى السبعمائة»، و«حفر لهم خنادق في سوق المدينة، وضربت أعناقهم» ١، والنساءُ والذرّيةُ سُبين بلفظ الحكم نفسِه «أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبى ذَراريُّهم» ٨، وبلفظ القرآن ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًۭا﴾ ٤.
١ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل كل من جرت عليه الموسى منهم، ومن لم ينبت، ألحق بالذرية، فحفر لهم خنادق في سوق المدينة، وضربت أعناقهم، وكانوا ما بين الستمائة إلى السبعمائة، ولم يقتل من النساء أحد سوى امرأة واحدة كانت طرحت على رأس سويد بن الصامت رحى، فقتلته
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٢١ · افتح الموضع
٢ واعتبر إنبات الشعر حول القبل في البلوغ، وجعله آية وعلامة له، فكان يقتل من الأسرى يوم قريظة من وجدت فيه تلك العلامة ، ويستبقي من لم تكن فيه، ولهذا جعله طائفة من الفقهاء - كالشافعي - علامة في حق الكفار خاصة.
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص١٣٨ · افتح الموضع
٣ فصالح يهود المدينة، وكتب بينهم وبينه كتاب أمن، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٣ · افتح الموضع
٤ وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ فَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٢٦ · افتح الموضع
٥ وأنزل الله يهود بني قريظة من حصونهم؛ لإعانتهم الأحزاب في قتال المسلمين، وألقى في قلوبهم الخوف فهُزموا، تقتلون منهم فريقًا، وتأسرون فريقًا آخر.
التفسير الميسّر — سورة الأحزاب ٣٣:٢٦ · افتح الموضع
٦ فنزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رقابهم وأموالهم، ونسائهم وذريتهم، فأمر بهم فكتفوا، وكلم عبد الله بن أبي فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألح عليه، فوهبهم له، وأمرهم أن يخرجوا من المدينة، ولا يجاوروه بها
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٤ · افتح الموضع
٧ فأرسلوا إليه: نحن نخرج عن المدينة، فأنزلهم على أن يخرجوا عنها بنفوسهم وذراريهم، وأن لهم ما حملت الإبل إلا السلاح
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٥ · افتح الموضع
٨ أنَّ أُناسًا نَزَلوا على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسَلَ إليه فجاءَ على حِمارٍ، فلَمَّا بَلَغَ قَريبًا مِنَ المَسجِدِ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قوموا إلى خَيرِكُم، أو سَيِّدِكُم. فقال: يا سَعدُ، إنَّ هؤلاء نَزَلوا على حُكمِكَ. قال: فإنِّي أحكُمُ فيهم أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبى ذَراريُّهم، قال: حَكَمتَ بحُكمِ اللهِ، أو: بحُكمِ المَلِكِ .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 3804 · صحيح
٩ ونازل حصون بني قريظة، وحصرهم خمسا وعشرين ليلة، ولما اشتد عليهم الحصار، عرض عليهم رئيسهم كعب بن أسد ثلاث خصال: إما أن يسلموا ويدخلوا مع محمد في دينه، وإما أن يقتلوا ذراريهم، ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به، أو يقتلوا عن آخرهم
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٩ · افتح الموضع
١٠ فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن … فقامت إليه الأوس، فقالوا: ( «يا رسول الله! قد فعلت في بني قينقاع ما قد علمت وهم حلفاء إخواننا الخزرج، وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى. قال: فذاك إلى سعد بن معاذ. قالوا: قد رضينا … يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن فيهم
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٢٠ · افتح الموضع
١١ وكان هديه صلى الله عليه وسلم أنه إذا صالح قوما فنقض بعضهم عهده، وصلحه، وأقرهم الباقون، ورضوا به، غزا الجميع، وجعلهم كلهم ناقضين، كما فعل بقريظة، والنضير، وبني قينقاع، وكما فعل في أهل مكة، فهذه سنته في أهل العهد، وعلى هذا ينبغي أن يجري الحكم في أهل الذمة كما صرح به الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وخالفهم أصحاب الشافعي، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة دون من رضي به وأقر عليه
محمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٢٢ · افتح الموضع
نَزَلَ أهلُ قُرَيظةَ على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسَلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى سَعدٍ، فأتاه على حِمارٍ، فلَمَّا دَنا قَريبًا مِنَ المَسجِدِ، قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للأنصارِ: قوموا إلى سَيِّدِكُم أو خَيرِكُم، ثُمَّ قال: إنَّ هؤلاء نَزَلوا على حُكمِكَ، قال: تَقتُلُ مُقاتِلَتَهُم، وتَسبي ذُرِّيَّتَهُم، قال: فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قَضَيتَ بحُكمِ اللهِ، ورُبَّما قال: قَضَيتَ بحُكمِ المَلِكِ. ولَم يَذكُرِ ابنُ المُثَنَّى: ورُبَّما قال: قَضَيتَ بحُكمِ المَلِكِ. وفي روايةٍ: لقد حَكَمتَ فيهم بحُكمِ اللهِ، وقال مَرَّةً: لقد حَكَمتَ بحُكمِ المَلِكِ. .
أبو سعيد الخدري · مسلم · صحيح مسلم 1768 صحيح
أنَّ أُناسًا نَزَلوا على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ، فأرسَلَ إليه فجاءَ على حِمارٍ، فلَمَّا بَلَغَ قَريبًا مِنَ المَسجِدِ، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: قوموا إلى خَيرِكُم، أو سَيِّدِكُم. فقال: يا سَعدُ، إنَّ هؤلاء نَزَلوا على حُكمِكَ. قال: فإنِّي أحكُمُ فيهم أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبى ذَراريُّهم، قال: حَكَمتَ بحُكمِ اللهِ، أو: بحُكمِ المَلِكِ .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 3804 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
ستّمائةٌ إلى سبعمائةِ رجلٍ ضُربت أعناقُهم في خنادقَ حُفرت لهم في سوق المدينة — وهذا رقمُكم أنتم لا رقمُ خصومكم. والفارقُ بين من عاش ومن مات شعرةٌ نبتت، لا جريمةٌ ثبتت في حقّ رجلٍ بعينه: لم يُسأل واحدٌ منهم ماذا فعل. وقولُكم «لم يُقتل طفل» لا يجعله حرًّا؛ فقد سُبي هو وأمُّه وقُسّم مالُ أبيه، وذاك حسابٌ عليه بذنبٍ ليس ذنبَه. وأمّا التحكيمُ فإجراءٌ لا يُزيح مسؤوليةً: من عرَض الحَكَم، وأرسل إليه، وقال لحكمه «قَضَيتَ بحُكمِ اللهِ» فقد تبنّاه تبنّيًا تامًّا — ولو شاء لردّه كما ردّ في قينقاع من قبل.
الخطُّ لم يكن سنًّا ابتداءً بل وصفًا، ولفظُ الحكم يقوله: «أن تُقتَلَ مُقاتِلَتُهم، وتُسبى ذَراريُّهم» ٨، والبلوغُ علامةٌ استُدلّ بها على المقاتِل لا معيارٌ قائمٌ بنفسه ٢. ولم يكونوا طرفًا وضع سلاحَه بلا سابقة: حوصروا «خمسا وعشرين ليلة»، وعرض عليهم رئيسُهم كعب بن أسد ثلاثَ خصالٍ إحداها «أن يقتلوا ذراريهم، ويخرجوا إليه بالسيوف مصلتة يناجزونه حتى يظفروا به» ٩، «فأبوا عليه أن يجيبوه إلى واحدة منهن» ١٠. والحَكَمُ لم يُنتزع من أبعد الناس عنهم بل من أقربهم: الأوسُ حلفاؤهم هم الذين قاموا يقولون «وهؤلاء موالينا، فأحسن فيهم فقال: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟»، وظلّوا يلحّون على سعدٍ في الطريق «يا سعد أجمل إلى مواليك، فأحسن فيهم» ١٠، وفي البخاري ومسلم أنّهم «نَزَلوا على حُكمِ سَعدِ بنِ مُعاذٍ» ٨. ويبقى موضعُ الثقل قائمًا — أيُؤاخَذ الساكتُ بفعل قومه؟ — والفقهاءُ الذين نقلوا الخبرَ لم يُجمعوا عليه: نقل ابنُ القيّم أنّ أصحابَ أحمد يجعلون الراضيَ ناقضًا «كما فعل بقريظة»، ثمّ «وخالفهم أصحاب الشافعي، فخصوا نقض العهد بمن نقضه خاصة دون من رضي به وأقر عليه» ١١. فالمسألةُ متنازَعٌ فيها داخل التراث الذي حفظ الرواية، لا محسومةٌ فيه.
-
زواجُه من زينب بنت جحش بعد طلاق زيدٍ إيّاها — أنزل الله فيه قرآنًا؟
نعم، نزل فيها قرآنٌ ولم ينكره مسلمٌ قطُّ؛ أنسُ بنُ مالكٍ يقول إنّ هذه الآيةَ نزلت في شأن زينب بنت جحش وزيد بن حارثة ١. والشيئان اللذان تسأل عنهما منصوصان في التفسير لا مستنبَطان: الذي أخفاه ما أوحى الله به إليه من طلاق زيدٍ لزوجه وزواجِه هو منها، والذي خشيه قولةُ المنافقين «تزوّج محمدٌ مطلَّقةَ متبنّاه» ٢. فموضعُ اللوم في الآية خشيةُ الناس لا الرغبةُ في المرأة — «وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ» ٣ — وقرّر ابن القيّم أنّ الذي أخفاه عزمُه على الزواج إن طلّقها زيد، وأنّ الله «أعلمه أنّه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحلّ الله له» ٤. و«رآها فأعجبته» تنقضه القصّةُ من أوّلها: هو الذي خطبها لزيد، فظنّت أنّه يخطبها لنفسه، فلمّا علمت أنّه يريدها لمولاه أبَت ٥ — وهي ابنةُ عمّته أميمة، لا امرأةً طرأت على بصره ٦. والطلاقُ ابتدأه زيدٌ شاكيًا، فأمره أن يُمسك ٧. وأمّا أنّ التبنّي أُبطل لتُخرَّج واقعتُه، فالآيةُ تُعلن غرضَها بنفسها «لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ» ٣، والتبنّي أُبطل بآيةٍ أخرى: كان الصحابةُ يدعونه زيدَ بنَ محمّدٍ حتى نزلت «ٱدْعُوهُمْ لِءَابَآئِهِمْ» ٨.
١ عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ هذه الآيةَ: {وتُخفي في نَفسِكَ ما اللهُ مُبديه} نَزَلَت في شَأنِ زَينَبَ بنتِ جَحشٍ وزَيدِ بنِ حارِثةَ. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 4787 · صحيح
٢ وتخفي -يا محمد- في نفسك ما أوحى الله به إليك من طلاق زيد لزوجه وزواجك منها، والله تعالى مظهر ما أخفيت، وتخاف المنافقين أن يقولوا: تزوج محمد مطلقة متبناه، والله تعالى أحق أن تخافه
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٣٧ · افتح الموضع
٣ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىٓ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَىٰهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌۭ مِّنْهَا وَطَرًۭا زَوَّجْنَٰكَهَا لِكَىْ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌۭ فِىٓ أَزْوَٰجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا۟ مِنْهُنَّ وَطَرًۭا ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٣٧ · افتح الموضع
٤ فظن هذا الزاعم أن ذلك في شأن العشق … وهذا من جهل هذا القائل بالقرآن وبالرسل، وتحميله كلام الله ما لا يحتمله، ونسبته رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ما برأه الله منه … وأخفى في نفسه أن يتزوجها إن طلقها زيد، وكان يخشى من قالة الناس أنه تزوج امرأة ابنه؛ لأن زيدا كان يدعى ابنه، فهذا هو الذي أخفاه في نفسه، وهذه هي الخشية من الناس التي وقعت له. ولهذا ذكر سبحانه هذه الآية يعدد فيها نعمه عليه لا يعاتبه فيها، وأعلمه أنه لا ينبغي له أن يخشى الناس فيما أحل الله له، وأن الله أحق أن يخشاه، فلا يتحرج ما أحله له لأجل قول الناس
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٤٤ · افتح الموضع
٥ قوله تعالى وما كان لمؤمن الآيات أخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة قال خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب وهو يريدها لزيد فظنت أنه يريدها لنفسه فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت فأنزل الله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الآية فرضيت وسلمت
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص١٧٣ · افتح الموضع
٦ ثم تزوج زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة، وهي ابنة عمته أميمة، وفيها نزل قوله تعالى: {فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37] وبذلك كانت تفتخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٠٤ · افتح الموضع
٧ وأخرج الحاكم عن أنس قال جاء زيد بن حارثة يشكو إلى رسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش فقال النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عليك أهلك فنزلت وتخفي في نفسك ما الله مبديه
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص١٧٤ · افتح الموضع
٨ نزلت في زيد بن حارثة كان عبدا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقه وتبناه قبل الوحي، فلما تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله تعالى هذه الآية. … عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزلت في القرآن: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} رواه البخاري
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٣٥١ · افتح الموضع
٩ ولَو كانَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كاتِمًا شيئًا ممَّا أُنزِلَ عليه لَكَتَمَ هذه الآيةَ: {وإذ تَقولُ للذي أنعَمَ اللهُ عليه وأنعَمتَ عليه أمسِكْ عَلَيْكَ زَوجَك واتَّقِ اللهَ وتُخفي في نَفسِك ما اللهُ مُبديه وتَخشى النَّاسَ والله أحَقُّ أن تَخشاه} [الأحزاب: 37]. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 177 · صحيح
١٠ وَٱمْرَأَةًۭ مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِىِّ إِنْ أَرَادَ ٱلنَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ
سورة الأحزاب ٣٣:٥٠ · افتح الموضع
١١ لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٥٢ · افتح الموضع
عَن أنَسِ بنِ مالِكٍ رَضيَ اللهُ عنه: أنَّ هذه الآيةَ: {وتُخفي في نَفسِكَ ما اللهُ مُبديه} نَزَلَت في شَأنِ زَينَبَ بنتِ جَحشٍ وزَيدِ بنِ حارِثةَ. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 4787 صحيح
ولَو كانَ مُحَمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كاتِمًا شيئًا ممَّا أُنزِلَ عليه لَكَتَمَ هذه الآيةَ: {وإذ تَقولُ للذي أنعَمَ اللهُ عليه وأنعَمتَ عليه أمسِكْ عَلَيْكَ زَوجَك واتَّقِ اللهَ وتُخفي في نَفسِك ما اللهُ مُبديه وتَخشى النَّاسَ والله أحَقُّ أن تَخشاه} [الأحزاب: 37]. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 177 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ شهودك من داخل الدائرة: المفسِّر مسلم، وابنُ القيّم فقيهٌ يذبّ عن نبيّه بعد ستّة قرون، والأثرُ الذي يقول «هي التي أبَت» رواه من يقدّسه. والنصُّ يبقى كما هو ولا يزحزحه شيءٌ من ذلك: رجلٌ يُخبر أنّ الله أوحى إليه أنّه سيتزوّج امرأةَ من كان الناسُ يدعونه ابنَه، ثمّ يقع ما أُوحي به بحذافيره، ثمّ يُبطَل نظامُ التبنّي فيسقط الحرج، ثمّ يُعقد النكاحُ في النصّ المقدَّس نفسِه بضمير الجلالة: «زوّجناكها». وقولُك «الغرضُ عامٌّ للمؤمنين» لا يفصل شيئًا؛ كلُّ مدّعي وحيٍ يجعل حكمَه شريعةً للناس لا امتيازًا لنفسه. بل في السورة نفسِها ما هو خاصٌّ به وحده بنصّها الصريح: «خالصةً لك من دون المؤمنين».
القرينةُ تنعكس إذا سألتَ عن اتّجاهها: أهذا نصٌّ يخدم صاحبَه أم يفضحه؟ الآيةُ تُثبت عليه أنّه أخفى وأنّه خشي الناس، وقد قالت عائشةُ ما هو أصرحُ من كلّ تأويل: «ولَو كانَ مُحَمَّدٌ … كاتِمًا شيئًا ممَّا أُنزِلَ عليه لَكَتَمَ هذه الآيةَ» ٩. والطعنُ نفسُه لم يُطمس بل حُفظ في كتب النزول بلفظ خصومه: «تزوج محمد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها» ٨ — ومن فصّل النصَّ على مقاسه لا يُبقي في كتبه لفظَ التهمة التي وُجّهت إليه. وأمّا «خالصةً لك من دون المؤمنين» فحقٌّ لا نُنكره، وهو أقوى ما في اعتراضك ١٠؛ غير أنّ الخصوصيّةَ في السورة عينِها تجري عليه قيدًا كما تجري رخصةً: مُنع أن يستبدل بأزواجه أزواجًا «وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ» ١١. ونصٌّ يُساق لخدمة الشهوة لا يُغلق على صاحبه البابَ بلفظ الإعجاب بالحُسن نفسِه، ولا يُثبت عليه عتابًا يتلوه أتباعُه في صلاتهم أربعةَ عشرَ قرنًا ٣.
-
لماذا حُدّد للمسلمين أربعُ زوجاتٍ واستُثني هو من الحدّ؟
نعم، الاستثناءُ منصوصٌ ولا يُنكَر — والنصُّ هو الذي ينصّ عليه لا خصومُه: حدُّ المؤمنين «مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ» ١، والتفسيرُ يقرّ في الآية عينِها «ولكنا رخصنا لك في ذلك، ووسَّعْنا عليك ما لم يُوسَّع على غيرك» ٢. لكنّ اللفظَ الذي يُبنى عليه الاعتراضُ لا يقول ما يُحمَّل: ﴿خَالِصَةًۭ لَّكَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ عند الشافعيِّ في النكاح بالهبة بغير مهر، لا في العدد ٣. والقياسُ نفسُه — «من استثنى نفسَه فنصُّه يخدمه» — تكسره السورةُ نفسُها بعد آيتين: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ﴾ ٤، «قصره على أزواجه، وحرم عليه ما سواهن» ٥. وأصرحُ من ذلك الآيةُ التي سِيقت شاهدًا عليه: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ ٦ — عتابٌ على أنّه منع نفسَه حلالًا لا على أنّه أخذ زيادة؛ وبها يستدلّ ابن القيّم على أنّه لا يملك تحليلًا ولا تحريمًا: «فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له، فكيف يجعل لغيره التحريم؟» ٧. والأربعةُ حدٌّ نُفِّذ لا كُتب: أسلم غيلانُ الثقفيُّ وعنده عشرُ نسوةٍ فقيل له «أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرَهنَّ» ٨.
١ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟
سورة النساء ٤:٣ · افتح الموضع
٢ قد علمنا ما أوجبنا على المؤمنين في أزواجهم وإمائهم بألا يتزوجوا إلا أربع نسوة، وما شاؤوا من الإماء، واشتراط الوليِّ والمهر والشهود عليهم، ولكنا رخصنا لك في ذلك، ووسَّعْنا عليك ما لم يُوسَّع على غيرك؛ لئلا يضيق صدرك في نكاح مَن نكحت مِن هؤلاء الأصناف.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٥٠ · افتح الموضع
٣ [خالصة بهبة ولا مهر فأعلم: أنها للنبي (صلى الله عليه وسلم) دون المؤمنين.]
الشافعي · أحكام القرآن للشافعي — جمع البيهقي ص١٩٨ · افتح الموضع
٤ لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَٰجٍۢ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ رَّقِيبًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٥٢ · افتح الموضع
٥ {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} قصره على أزواجه، وحرم عليه ما سواهن إلا ما ملكت يمينه من الإماء.
ابن قتيبة · غريب القرآن ص٣٥١ · افتح الموضع
٦ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
سورة التحريم ٦٦:١ · افتح الموضع
٧ فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له، فكيف يجعل لغيره التحريم؟
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٧٩ · افتح الموضع
٨ أسلَم غَيلانُ الثَّقفيُّ وعندَه عشرُ نسوةٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرَهنَّ ) .
عبدالله بن عمر · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4157 · صحيح
٩ اختلف المفسرون فيها على قولين: أحدهما: أنها منسوخة بقوله: {إنا أحللنا لك أزواجك}
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٥٤٤ · افتح الموضع
١٠ والقول الثاني: أنها محكمة، ثم فيها قولان: … {لا يحل لك النساء من بعد} قال حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٥٤٥ · افتح الموضع
أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرَهنَّ .
عبدالله بن عمر · ابن القيم · أعلام الموقعين 2/252 صحيح
أسلَم غَيلانُ الثَّقفيُّ وعندَه عشرُ نسوةٍ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ( أمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائرَهنَّ ) .
عبدالله بن عمر · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4157 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
قُلْ في ﴿خَالِصَةًۭ لَّكَ﴾ ما شئت؛ التفسيرُ الذي احتججتَ به هو نفسُه القائل «ووسَّعْنا عليك ما لم يُوسَّع على غيرك» — فالعددُ مستثنًى بإقرارك أنت، وسائرُ كلامك تفريعٌ على لفظةٍ لا على الحكم. وأمّا ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعْدُ﴾ فقيدٌ لا يقوم: أكثرُ من نُقل عنه من السلف — عليٌّ وابنُ عباسٍ وعائشةُ وأمُّ سلمة — على أنّها منسوخةٌ بالآية التي تُبيح له. فالنصُّ ضيَّق ثمّ وسَّع، وهذا بعينه ما يُتوقَّع من نصٍّ يتحرّك مع صاحبه لا فوقه.
الشطرُ الأوّل مُسلَّم، ونقلُ الثاني صحيحٌ لا يُنازَع: ابنُ الجوزي يسوق النسخَ قولًا أوّلَ وينسبه إلى من سمّيت ٩. لكنّه يسوق الثانيَ محكَمًا: «والقول الثاني: أنها محكمة… قال حبسه الله عليهن كما حبسهن عليه» ١٠ — فالمسألةُ خلافيّةٌ لا مُسلَّمة، ومن بنى نقضَه على أحد قولين وسكت عن الآخر فعل ما يعيبه على غيره. والأهمُّ أنّ الردَّ لا يقوم على هذا القيد أصلًا: ميزانُ «النصُّ يخدم ناطقَه» يُختبر بما يُكلِّف الناطقَ لا بما يُعطيه، وآيةُ ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ ٦ لومٌ مسجَّلٌ عليه في بيته لا يدّعي أحدٌ نسخَها — ونصٌّ يُصاغ لصاحبه لا يُخلِّد عتابَه ولا يُبطل يمينَه عليه.
-
أكانت غزواتُه دفاعًا فعلًا، أم كانت توسّعًا؟
لا؛ ولا هي «دفاعٌ» كلُّها — والمصادرُ التي بأيدينا تحمل الشقّين معًا، وهذا أوّلُ ما يجب أن يُقال. أمّا تبوكُ التي بدأتَ بها فخرجت على خبرٍ مُبلَّغ: «بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة … وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء» ١؛ ثمّ وقف الجيشُ عندها «بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة» ٢، والذي خرج به منها صلحٌ وجزيةٌ مع صاحب أيلة وأهل جربا وأذرح ٣ — لا فتحُ إقليم. وبابُ الشام لم تفتحه تبوك بل مؤتةُ قبلها بسنة، وسببُها المنصوصُ قتلُ رسولِه الحارث بن عمير الأزدي: «ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره» ٤. وكتابُه إلى هرقل — وهو الذي تصفه بأنّه تخييرٌ بين الدخول والحرب — ليس فيه ذكرُ حربٍ ألبتّة، وخاتمتُه ﴿تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ ٥. وأوّلُ إذنٍ بالقتال في القرآن معلَّقٌ بالظلم لا بالكفر: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟﴾ ٦، والميسّرُ يقرأه كذلك: «كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار … أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان» ٧. وأمّا الشقُّ الذي يُثقل السؤالَ فأسوقه بلفظ ابن القيّم لا بلفظي: «ثم أمره بقتال من قاتله، والكف عمن لم يقاتله، ثم لما نزلت (براءة) … أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله، أو كف عن قتاله إلا من عاهده» ٨ — فالتصاعدُ الذي تصفه ليس اختراعَك، بل يقرّره عالمٌ من عندنا بلا تلطيف.
١ وذكر ابن سعد قال: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم، وجذام، وعاملة، وغسان، وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء
ابن القيّم · زاد المعاد ص٤٦١ · افتح الموضع
٢ رجعنا إلى قصة تبوك: قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة
ابن القيّم · زاد المعاد ص٤٧١ · افتح الموضع
٣ ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جربا وأذرح فأعطوه الجزية، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فهو عندهم
ابن القيّم · زاد المعاد ص٤٦٩ · افتح الموضع
٤ وكانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وكان سببها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث الحارث بن عمير الأزدي - أحد بني لهب - بكتابه إلى الشام، إلى ملك الروم أو بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه، ولم يقتل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - رسول غيره، فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر، فبعث البعوث
ابن القيّم · زاد المعاد ص٣٣٥ · افتح الموضع
٥ …من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]
ابن القيّم · زاد المعاد ص٦٠٠ · افتح الموضع
٦ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا۟ ۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ
الحج ٢٢:٣٩ · افتح الموضع
٧ (كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلما بلغ أذى المشركين مداه وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من "مكة" مهاجرًا إلى "المدينة"، وأصبح للإسلام قوة) أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوِّهم.
التفسير الميسّر · الحج ٢٢:٣٩ · افتح الموضع
٨ …ثم أمره بقتال من قاتله، والكف عمن لم يقاتله، ثم لما نزلت (براءة) سنة ثمان أمره بقتال جميع من لم يسلم من العرب: من قاتله، أو كف عن قتاله إلا من عاهده، ولم ينقصه من عهده شيئا، فأمره أن يفي له بعهده، ولم يأمره بأخذ الجزية من المشركين، وحارب اليهود مرارا، ولم يؤمر بأخذ الجزية منهم.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٨٢ · افتح الموضع
٩ الثالث ما أمر به لسبب ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر والصفح ثم نسخ بإيجاب القتال وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من قسم المنسأ … وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعله يقتضي ذلك الحكم ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٥٦ · افتح الموضع
١٠ وأخرج الترمذي والحاكم عن عائشة قالت آخر سورة نزلت المائدة فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه . . . الحديث
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٨٣ · افتح الموضع
١١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ
المائدة ٥:٨ · افتح الموضع
١٢ وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ
التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
١٣ ٣. القتال. وهو الذي مسّه القسمُ الثالث بعلامة «الحكاية والحكم»، ولا أزعم أنّ تلك العلامةَ تستوعبه. فالقولُ إنّ بعضَ النصوص خبرٌ عن وقائع بأعيانها صحيحٌ في بعضها، ودعوى تحتاج بيانًا في بعضها الآخر — وثمّ ما هو حكمٌ عامٌّ في نظر الحرب والسلم اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
فقد أقررتَ إذن. وما سُقتَه ظروفُ وقائعَ بأعيانها، والحكمُ العامُّ فوقها: ﴿قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ … حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾ [[9]] يُعلّق القتالَ بالاعتقاد صراحةً — لا بعدوانٍ ولا بنقض عهدٍ ولا بجيشٍ على التخوم. وابنُ العربيّ يقول ما تتحرّج أنت من قوله: آيةُ السيف «نسخت مائة وأربعا وعشرين آية» [[10]]. فآياتُ الكفّ التي تحتجّ بها ميّتةٌ عند أهلها أنفسِهم، و«الدفاعُ» قراءةٌ صنعها الحرجُ المعاصر لا النصّ.
قولُ ابن العربيّ أحدُ طرفَي نزاعٍ داخليٍّ قديم، لا إجماعًا يُحتجّ به: السيوطيُّ يردّه في كتابه بعينه — «وبهذا يضعف ما لهج به كثيرون من أن الآية في ذلك منسوخة بآية السيف وليس كذلك بل هي من المنسأ» ٩ — أي حكمٌ معلَّقٌ بحالٍ يعود بعودتها، لا حكمٌ أُزيل. وأمّا أنّ ترتيبَ النزول يكشف الاتّجاه فهو أضعفُ ما في سؤالك، لأنّ رواياتِهم في «آخر ما نزل» مختلفةٌ ابتداءً: «عن عائشة قالت آخر سورة نزلت المائدة» ١٠، والمائدةُ فيها ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟﴾ ١١ — فالسهمُ لا يشير حيث تريده إلا إذا اخترتَ روايةً وتركتَ أختَها. ثمّ إنّ المقطعَ الذي تسمّيه «السيف» يليه بآيةٍ واحدة ﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ ١٢ — تأمينُ المشركِ الطالبِ وإيصالُه مأمنَه في السورة نفسِها وعلى بعد سطر. والذي لا أُعطيك إيّاه ترجيحٌ في مناط القتال، والكتاب يمتنع عنه صراحةً لا مواربةً: «اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه» ١٣.
-
لماذا لا تُشبه سيرتُه سيرةَ المسيح إن كانا من مشكاةٍ واحدة؟
القرآنُ لا يعقد بين الرجلين مسابقةً أصلًا: هو الذي يقول إنّ الرسل فُضّل بعضُهم على بعض، وإنّ عيسى أُوتي البيّنات وأُيّد بروح القدس ١، وإنّ المؤمن لا يفرّق بين أحدٍ من رسله ٢. وأمّا أنّ الزواجَ والسوقَ ينقضان دعوى النبوّة فمقياسٌ رُفع في وجهه وهو حيّ: عُيِّر باشتغاله بالنكاح والتكثّر منه فنزل ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ﴾ ٣ ٤، وقيل «ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق» فنزل ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ﴾ ٥ ٦. والعزوبةُ والانقطاعُ عن الدنيا ليسا في القرآن شرطَ نبوّةٍ ولا فرضًا كُتب على أتباع عيسى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ﴾ ٧، وتفسيرُها عند السيوطي الاعتزالُ عن الناس ورفضُ النساء وتركُ الدنيا، فعلوها من تلقاء أنفسهم ٨. والسيفُ والمُلكُ كذلك ليسا نقيضَ النبوّة فيه: ﴿وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ﴾ ٩، وفي الميسَّر أنّ الله أعطاه بعد ذلك المُلكَ والنبوّة في بني إسرائيل ١٠. وأمّا عيسى فالقرآنُ هو الذي يردّه إلى صورة العيش نفسِها التي يُعاب بها غيرُه: ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ ١١.
١ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَٰتٍۢ ۚ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ …
سورة البقرة ٢:٢٥٣ · افتح الموضع
٢ … كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّن رُّسُلِهِۦ …
سورة البقرة ٢:٢٨٥ · افتح الموضع
٣ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًۭا مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَٰجًۭا وَذُرِّيَّةًۭ …
سورة الرعد ١٣:٣٨ · افتح الموضع
٤ … قال ابن عباس عيروا رسول الله صلى الله عليه وسلم باشتغاله بالنكاح والتكثر منه فأنزل الله تعالى {ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية} …
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص١٥٢ · افتح الموضع
٥ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ …
سورة الفرقان ٢٥:٢٠ · افتح الموضع
٦ … وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق … وقولهم كيف يكون رسولا ولا هم له إلا النساء فقال ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية …
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص١٢١ · افتح الموضع
٧ … وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ …
سورة الحديد ٥٧:٢٧ · افتح الموضع
٨ والمعنى ما كتبنا على الذين اتبعوا عيسى الرهبانية من الاعتزال عن الناس، ورفض النساء، وترك الدنيا، ولكنهم فعلوها من تلقاء أنفسهم ابتغاء رضوان الله.
السيوطي · معترك الأقران في إعجاز القرآن ص٤٤٦ · افتح الموضع
٩ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُ …
سورة البقرة ٢:٢٥١ · افتح الموضع
١٠ … وقتل داود -عليه السلام- جالوتَ قائدَ الجبابرة، وأعطى الله عز وجل داود بعد ذلك الملك والنبوة في بني إسرائيل، وعَلَّمه مما يشاء من العلوم. …
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٢٥١ · افتح الموضع
١١ مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌۭ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌۭ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ …
سورة المائدة ٥:٧٥ · افتح الموضع
١٢ لا تُفصِّل معيارًا على مقاس دعوًى بعينها. إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة. … اجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا. يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ هذا احتجاجٌ بالقرآن على من يخاصم القرآن. سؤالي كان: أيُّ السيرتين أشبهُ برجلٍ أرسله الله — رجلٌ لم يملك شيئًا ولم يرفع سيفًا ولم يتزوّج، أم رجلٌ خرج من مدينته لاجئًا ودخلها فاتحًا، وتزوّج تسعًا، وقسّم الغنائم وأخذ خُمسها؟ فجئتني بآياتٍ من كتاب الثاني تقول إنّ هذا لا يضرّه. وهذه مصادرةٌ على المطلوب: النصُّ الذي يُختبَر لا يصلح شاهدًا في اختباره. ثمّ إنّ آياتك دفعُ اعتراضٍ لا إقامةُ دليل — وكلُّ مدّعٍ يستطيع أن يقول: وسابقوني فعلوا مثلَ فعلي.
شطرُه الأوّل حقّ، ولذلك لم يُسَق ما سبق دليلًا على النبوّة بل نقضًا لمقياسٍ بعينه: من جعل صورةَ حياةِ عيسى ميزانًا للنبوّة فقد اشتقّ الميزانَ من الجواب الذي يريده، و«إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة» ١٢. والشطرُ الثقيل لا يُنكَر: نعم تزوّج وقاتل وقسم، وكتابُه يقرّره ولا يواريه، ويجعل الفرقَ بين الرسل درجاتٍ لا صورةَ عيش ١. وأمّا أنّه دفعٌ لا دليل فصحيح، وذاك حدُّه لا عيبُه: الدفعُ يُسقط المقياسَ ويبقى السؤالُ قائمًا يُوزن بميزانٍ آخر، واجتيازُ المعايير لا يُنتج يقينًا بل يُنتج أنّ الدعوى بقيت قائمةً بعد الفحص ١٢. والمقياسُ نفسُه يُسقط في القرآن داودَ: قتل قائدَ الجبابرة ثمّ أُوتي المُلكَ والنبوّة ٩ ١٠.
-
السبيُ وملكُ اليمين في بيته — صفيّةُ وجويريةُ ومارية. كيف يكون هذا رضًا؟
نعم — في الحكم العامّ لم يكن رضاها شرطًا، وكتبُنا تقولها بحروفها فلا أُخفيها عنك: ابنُ القيّم يقرّر أنّهم «كانوا يطئونهن بعد الاستبراء» بلا اشتراط إسلامٍ ولا سواه ١، ويقول في سبايا أوطاس إنّ النبيَّ «لم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط» ٢؛ والآيةُ التي سُقتَها قائمةٌ بلفظها ٣ وتفسيرُها الميسّر: «وأبَحْنا لك ما مَلَكَتْ يمينك من الإماء» ٤. لكنّ الثلاثةَ الذين سمّيتَهم ليسوا صورةَ هذا الحكم، وفرقُهم في المصدر لا في التسمية: صفيّةُ لم تبقَ مملوكةً أصلًا — «فأعتقها، وجعل عتقها صداقها»، وصارت تلك «سنة للأمة» يُقتدى بها بعده ٥. وجويريةُ وقعت في سهم ثابت بن قيس فـ«كاتبته على نفسها» — أي إنّ طلبَ التحرّر فعلُها هي قبل أن يدخل النبيُّ في الأمر — ثمّ أدّى عنها كتابتَها وتزوّجها، فأُعتق بهذا التزويج «مائة أهل بيت من بني المصطلق» ١ ٦. ومارية بقيت سُرّيّةً ولا أُجمّل ذلك: «فتسرى مارية» ٧. والنصُّ يفتح المخارجَ حيث لا يُلغي البابَ: يأمر بالمكاتبة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ويحرّم الإكراهَ — في البغاء وحدَه لا فيما وراءه — «والإثم على مَن أكْرههن» ٨ ٩؛ وفي الأسرى تذكر الآيةُ خصلتين ﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ ١٠، بينما ينقل كتابُنا عن ابن عباس أنّه «خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد» — فأربعٌ لا اثنتان، وهذه زيادةُ ثقلٍ لا تخفيف ١١. والكتاب لا يزعم أنّ المسألة محسومة: من انتظر من نصٍّ إلهيٍّ «لا رقَّ بعد اليوم» «يسأل سؤالًا وجيهًا» ١٢، والذي يقوله بلا نزاعٍ أنّ البابَ أُغلق عمليًّا وأنّ من حاول إحياءه قوبل بإنكارٍ واسع ١٣.
١ ولما قسم سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السبي لثابت بن قيس بن شماس، فكاتبته على نفسها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابتها وتزوجها … ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام … فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٠٢ · افتح الموضع
٢ ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٩ · افتح الموضع
٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَٰجَكَ ٱلَّٰتِىٓ ءَاتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ …
سورة الأحزاب ٣٣:٥٠ · افتح الموضع
٤ يا أيها النبي إنَّا أبَحْنا لك أزواجك اللاتي أعطيتهن مهورهن، وأبَحْنا لك ما مَلَكَتْ يمينك من الإماء، مما أنعم الله به عليك
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٥٠ · افتح الموضع
٥ وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجته بذلك
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٠٨ · افتح الموضع
٦ وكان من جملة السبي جويرية بنت الحارث سيد القوم، وقعت في سهم ثابت بن قيس، فكاتبها، فأدى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوجها، فأعتق المسلمون بسبب هذا التزويج مائة أهل بيت من بني المصطلق قد أسلموا، وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٢٣٠ · افتح الموضع
٧ وأهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مارية وأختيها سيرين وقيسرى، فتسرى مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١١٧ · افتح الموضع
٨ … وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
سورة النور ٢٤:٣٣ · افتح الموضع
٩ ولا يجوز لكم إكراه جواريكم على الزنى طلبًا للمال، وكيف يقع منكم ذلك وهن يُرِدْن العفة وأنتم تأبونها؟ … ومن يكرههنَّ على الزنى فإن الله تعالى من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، والإثم على مَن أكْرههن.
التفسير الميسّر · النور ٢٤:٣٣ · افتح الموضع
١٠ … فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا …
سورة محمد ٤٧:٤ · افتح الموضع
١١ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأسرى بين الفداء والمن والقتل والاستعباد، يفعل ما شاء» ، وهذا هو الحق الذي لا قول سواه.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٦٠ · افتح الموضع
١٢ وهنا موضعُ الإشكال، وأقولها بلا تلطيف: من يقول «كنتُ أنتظر من نصٍّ إلهيٍّ أن يقول: لا رقَّ بعد اليوم» يسأل سؤالًا وجيهًا. … ولا أزعم لك أنّ المسألة محسومةٌ عندي ولا عندهم.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١٣ وما يمكن قولُه بلا نزاع: أنّ البابَ أُغلق عمليًّا في العالم كلِّه، وأنّ من حاول إحياءه من الجماعات المسلّحة في زماننا قوبل بإنكارٍ واسعٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
أقررتَ بالقاعدة ثمّ انصرفتَ عنها إلى ثلاث سِيَر. وثلاثُ حالاتٍ لا تصنع حكمًا، والحكمُ هو ما أقررتَ به أنت: لا رضاها شرطٌ ولا دينُها، والمانعُ الوحيدُ حيضةٌ تُستبرأ بها — أي أنّ المحسوبَ نسبُ الولد لا إرادتُها. و«أعتقها وجعل عتقها صداقها» سيّدٌ يقرّر لا امرأةٌ تُعاقِد: من رأت رجالَ قومها يُقتلون صباحًا ثمّ قيل لها مساءً «أعتقتُكِ وتزوّجتُكِ» ليست طرفًا في عقد. أمّا المكاتبةُ والمنُّ والفداءُ فمخارجُ من الرقّ لا شروطٌ للفراش، ولا تمسّ سؤالي بحرف.
الاعتراضُ صحيحٌ في أكثره ولم أدفعه: القاعدةُ كما نقلتُها بحروفها، والاستبراءُ فيها مانعٌ يتعلّق بالرحم لا شرطُ رضًا — وذاك لفظُ المصدر نفسِه: «ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط» ٢. وثلاثةٌ تبقى قائمةً بعده: أنّ جويرية كاتبت مالكَها بنفسها قبل أن يدخل النبيُّ في أمرها، وهو فعلُها هي في نصّ المصدر لا استنباطٌ منّي ١؛ وأنّ صفيّة خرجت من الملك إلى النكاح وصار ذلك «سنة للأمة» لا واقعةً مفردة ٥؛ وأنّ تزويج جويرية تبعه عتقُ مئةِ بيتٍ من قومها ٦. وما لا أزعمه أنّ هذه الثلاثة تحلّ سؤالك — فحكمٌ عامٌّ لا ترفعه ثلاثُ وقائع، وهذا بعينه ما يقوله كاتبُ الموقع حين يرفض أن يسمّي المسألة محسومةً عنده ولا عند أهل العلم ١٢.
-
أليست البدايةُ اعتراضَ القوافل التجاريّة؟
نعم، والآيةُ التي تسوقها آيتُنا نحن — لكنّها في موضعها عتابٌ لا إقرار: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ﴾ ١، ويقرؤها الميسّر: «وأنتم تحبون الظَّفْر بالعير دون القتال» في مقابل ما أراده الله ٢ — فالنصُّ يفصل بين ما اشتهاه القومُ وما قُصد بهم، ومن ساقه دليلًا على أنّ الغنيمة هي المقصد فقد قلبه على وجهه. وأمّا «طرفٌ ثالثٌ يمرّ» فهو الوصفُ الذي لا يثبت: العيرُ عيرُ قريشٍ وفيها أموالُ قريش ٣، وقريشٌ هي التي أخرجت القومَ ﴿مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ﴾ ٤ — «اضطرهم كفار مكة» بلفظ الميسّر ٥. وليست دعوى مظلوميّةٍ فحسب: ابن القيّم يجعلها ملكًا قائمًا — «فأضاف الدور إليهم وهذه إضافة تمليك» — ويسوق بيتَ النبيّ نفسِه وقد استولى عليه عقيلٌ، فأقرّ النبيُّ نسبةَ الدار إليه ولم ينتزعها من يده ٦. وبدرٌ نفسُها تنقض القراءةَ التي تبني عليها: أبو سفيان نجا بالعير وكتب إلى قريش «ارجعوا، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم»، فأبى أبو جهل ومضى ٧ — فالمالُ سلِم، والقتالُ وقع بإصرار الطرف الآخر بعد أن زال سببُه. والشقُّ الثقيل لا أخبّئه: سريّةُ نخلة أصابت في الشهر الحرام، فقال لهم «ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام» ووقف العير «وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا»، ثمّ نزلت الآيةُ فأخذها وقسمها فكانت أوّل غنيمةٍ في الإسلام ٨.
١ وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّآئِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ ٱلشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلْحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقْطَعَ دَابِرَ ٱلْكَٰفِرِينَ
سورة الأنفال ٨:٧ · افتح الموضع
٢ واذكروا -أيها المجادلون- وَعْدَ الله لكم بالظَّفْر بإحدى الطائفتين: العير وما تحمله مِن أرزاق، أو النفير، وهو قتال الأعداء والانتصار عليهم، وأنتم تحبون الظَّفْر بالعير دون القتال، ويريد الله أن يحق الإسلام، ويُعْليه بأمره إياكم بقتال الكفار، ويستأصل الكافرين بالهلاك.
التفسير الميسّر — سورة الأنفال ٨:٧ · افتح الموضع
٣ وخرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها يعترضون عيرا لقريش ذاهبة إلى الشام، وقد كان جاءه الخبر بفصولها من مكة فيها أموال لقريش
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص١٤٨ · افتح الموضع
٤ لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًۭا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ
سورة الحشر ٥٩:٨ · افتح الموضع
٥ وكذلك يُعطى من المال الذي أفاءه الله على رسوله الفقراء المهاجرون، الذين اضطرهم كفار "مكة" إلى الخروج من ديارهم وأموالهم يطلبون من الله أن يتفضل عليهم بالرزق في الدنيا والرضوان في الآخرة …
التفسير الميسّر — سورة الحشر ٥٩:٨ · افتح الموضع
٦ قال الله تعالى: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم} … فأضاف الدور إليهم وهذه إضافة تمليك، «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: أين تنزل غدا بدارك بمكة؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من رباع) » ولم يقل: إنه لا دار لي، بل أقرهم على الإضافة وأخبر أن عقيلا استولى عليها، ولم ينزعها من يده
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٣٨٢ · افتح الموضع
٧ وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا، وأحرز العير كتب إلى قريش: أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم، فأتاهم الخبر، وهم بالجحفة، فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرا
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص١٥٥ · افتح الموضع
٨ فقال لابن جحش وأصحابه: "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام"، ووقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا … فأنزل الله تعالى: {يسألونك عن الشهر الحرام} الآية، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسم الباقي بين أصحاب السرية، فكان أول غنيمة في الإسلام
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٧٠ · افتح الموضع
٩ فأخذهم أبو جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم، ولم يقتلوا منهم أحدا … رد إليهم كل شيء أخذ منهم، حتى العقال، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأبي بصير يأمرهم أن يقدموا عليه، ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، وألا يتعرضوا لأحد من قريش وعيرها … وأمنت عير قريش
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٢٥٢ · افتح الموضع
١٠ (كان المسلمون في أول أمرهم ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم، فلما بلغ أذى المشركين مداه وخرج النبي صلى الله عليه وسلم من "مكة" مهاجرًا إلى "المدينة"، وأصبح للإسلام قوة) أَذِنَ الله للمسلمين في القتال؛ بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وإن الله تعالى قادر على نصرهم وإذلال عدوِّهم.
التفسير الميسّر — سورة الحج ٢٢:٣٩ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
التسويغُ كلُّه لاحقٌ للفعل: الحشر ٨ والحج ٣٩ نزلتا بعد أن بدأ الأخذُ، فهما إذنُ الآخذِ لنفسه لا ميزانٌ فوقه. و«العتابُ» في الأنفال ٧ عتابٌ على إيثار السلامة على القتال، لا على الطمع في المال — فالآيةُ تلوم من أراد الأهون، لا من أراد الغنيمة. ونخلةُ تحسم الأمر ضدّك لا لك: أنكر، ثمّ نزل عليه ما أحلّ له ما أنكره فقسمه — وهذا بعينه الشكلُ الذي يُتّهم به مدّعي الوحي: نصٌّ يأتي عند الحاجة فيرفع المانع. وأصحابُ العير تجّارٌ لم يرفعوا سلاحًا، ومصادرةُ مالِ التاجر لجُرمِ قومه عقوبةٌ جماعيّةٌ لا قصاص، وملكيّةُ دارٍ سُلبت بمكّة لا تُنشئ حقًّا في جِمالٍ تمرّ بالطريق.
الدعوى تُختبر حيث تنقلب الحال، لا بآيةٍ تُساق. فلمّا انعقدت الهدنة اعترض أبو جندلٍ وأبو بصيرٍ عيرًا لقريش «وأخذوا ما كان معهم»، فأمر النبيُّ بردّ «كل شيء أخذ منهم، حتى العقال»، وأن «لا يتعرضوا لأحد من قريش وعيرها» — «وأمنت عير قريش» ٩. العيرُ هي هي، والقومُ هم هم، والمالُ صار في اليد ثمّ رُدّ إلى آخر عقال؛ فالذي تغيّر الحالُ لا الشهوة، وشهوةُ الغنيمة لا تردّ ما قبضته. وأمّا الترتيبُ فالميسّر يقرّر أنّهم كانوا «ممنوعين من قتال الكفار، مأمورين بالصبر على أذاهم»، وأنّ الإذن جاء «بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان» بعد الإخراج ١٠ — فالإذنُ معلَّقٌ في النصّ بالإخراج لا بالمغنم، والدعوى في هذا قابلةٌ للنقض ولم تُنقض. وأمّا نخلةُ فقد أعطيتُك أثقلَ ما فيها بلفظه ولم أخفّفه ٨، ويبقى فيها ما لا يُلغى: أنّ حدًّا كان قائمًا حتى انتُهك فأُنكر ووُقف المال — ومن لا حدَّ عنده لا يُنكر شيئًا ولا يقف عن مالٍ في يده.
-
أأمر بقتل من هجاه من الشعراء؟
لا، ليس الشعرُ هو السبب — ولستُ أنقلك إلى بابٍ آخر، فالمصدرُ الذي تحتجّ به هو الذي يقول ذلك. في زاد المعاد أنّ كعبًا «فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال»، وبعد رجوعه على تلك الحال صدر الأمر ١؛ وعند الزجّاج أنّ قومَه «عاقدوه ألا يكونوا عليه ولا معه» ثمّ نكثوا، وأنّ كعبًا «خرج في ستين رجلا إلى مكة وعاقد المشركين على التظاهر على النبي عليه السلام»، فحينئذٍ وُجّه إليه محمد بن مسلمة ٢. والعلّةُ المنصوصة في ختام الحادثة نفسِها — وهي عبارةٌ قاسيةٌ لا أُخفيها — «فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله»: نقضُ عهدٍ ومحاربة، لا امتناعٌ عن دين ٣. والهجاءُ نفسُه قوبل بالهجاء لا بالسيف، فأَمَر حسّانَ: «اهجُهم -أو هاجِهم- وجِبريلُ معكَ» ٤. وشعراءُ قريشٍ الذين هجَوه ثمّ جاؤوا لم يُقتلوا — «فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا مسلما» ٥ — ولمّا استأذن أنصاريٌّ في ضرب عنق كعب بن زهير وهو ممّن هجاه قال: «دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه» ٦. وأمّا آيتاك فقائمتان في محلّهما: ﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍۢ﴾ ٧ محلُّها عند الميسّر الإجبارُ على الإسلام — «وما أنت -أيها الرسول- عليهم بمسلَّط؛ لتجبرهم على الإسلام، وإنما بُعِثْتَ مبلِّغًا» ٨ — وكذلك ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ ٩، ولا شيءَ من ذلك في خبرٍ علّتُه المنصوصة نقضُ العهد والمحاربة ٣.
١ وكان رجلا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله ". فانتدب له محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة … وأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقولوا ما شاءوا من كلام يخدعونه به، فذهبوا إليه في ليلة مقمرة
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٧٠ · افتح الموضع
٢ كان بنو النضير لما دخل النبي عليه السلام المدينة عاقدوه ألا يكونوا عليه ولا معه، - فلما كان يوم أحد وظهر المشركون على المسلمين نكثوا ودخلهم الريب، وكان كعب، بن الأشرف رئيسا لهم فخرج في ستين رجلا إلى مكة وعاقد المشركين على التظاهر على النبي عليه السلام، فأطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك، فلى ما صار إلى المدينة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محمد بن مسلمة ليقتله
أبو إسحاق الزجاج · معاني القرآن وإعرابه ص١٤٢ · افتح الموضع
٣ فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل من وجد من اليهود لنقضهم عهده ومحاربتهم الله ورسوله
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٧١ · افتح الموضع
٤ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحَسَّانَ: اهجُهم -أو هاجِهم- وجِبريلُ معكَ. .
البراء بن عازب · البخاري · صحيح البخاري 3213 · صحيح
٥ كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى وهبيرة بن أبي وهب، قد هربوا في كل وجه، فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا مسلما
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٤٥٤ · افتح الموضع
٦ أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٤٥٦ · افتح الموضع
٧ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ ۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍۢ ۖ فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ
سورة ق ٥٠:٤٥ · افتح الموضع
٨ نحن أعلم بما يقول هؤلاء المشركون مِن افتراء على الله وتكذيب بآياته، وما أنت -أيها الرسول- عليهم بمسلَّط؛ لتجبرهم على الإسلام، وإنما بُعِثْتَ مبلِّغًا، فذكِّر بالقرآن من يخشى وعيدي؛ لأن مَن لا يخاف الوعيد لا يذَّكر.
التفسير الميسّر · سورة ق ٥٠:٤٥ · افتح الموضع
٩ لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
١٠ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْخَآئِنِينَ
سورة الأنفال ٨:٥٨ · افتح الموضع
١١ وإن خفت -أيها الرسول- من قومٍ خيانة ظهرت بوادرها فألق إليهم عهدهم، كي يكون الطرفان مستويين في العلم بأنه لا عهد بعد اليوم. إن الله لا يحب الخائنين في عهودهم الناقضين للعهد والميثاق.
التفسير الميسّر · سورة الأنفال ٨:٥٨ · افتح الموضع
١٢ وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا۟ فِى دِينِكُمْ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ ۙ إِنَّهُمْ لَآ أَيْمَٰنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ
سورة التوبة ٩:١٢ · افتح الموضع
١٣ ومثل هذا ما أذن فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا، وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول، وهذا كله من الاحتيال المباح؛ لكون صاحب الحق قد أذن فيه ورضي به، والأمر المحتال عليه طاعة لله وأمر مباح.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٦٧ · افتح الموضع
١٤ وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن قتله حد لا بد من استيفائه … وقتل كعب بن الأشرف اليهودي، وقال: ( «من لكعب فإنه قد آذى الله ورسوله» ) وكان يسبه
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣٨٥ · افتح الموضع
١٥ ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه، كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدا قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر بالعداوة والسب، فكان قتله أرجح من إبقائه … فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣٨٧ · افتح الموضع
قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لحَسَّانَ: اهجُهم -أو هاجِهم- وجِبريلُ معكَ. .
البراء بن عازب · البخاري · صحيح البخاري 3213 صحيح
اهجُ قريشًا ، فإنه أشدُّ عليهم من رشقِ النَّبلِ .
عائشة أم المؤمنين · الألباني · صحيح الجامع 2523 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه لا يمسّ موضعَ الشكوى. فالقرآنُ نفسُه يشترط في العهد أن يُطرح في العلن قبل أن يُقاتَل صاحبُه: ﴿فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ — وكعبٌ لم يُنبذ إليه شيء، بل أُذن لخمسةٍ أن يكذبوا عليه حتى يستدرجوه من حصنه ليلًا فيُقتل. ثمّ إنّ ابنَ القيّم — وهو مصدرُكم لا مصدري — لا يقرأ الحادثةَ واقعةً حربيّةً أصلًا، بل يجعل قتلَ كعبٍ دليلًا على «أنّ قتله حد لا بد من استيفائه» في السابّ، ويعلّل بأنّه «كان يسبه». فالفقيهُ الذي تنقلون عنه يقرؤها كما أقرؤها: عقوبةٌ على القول.
أمّا النبذُ فالآيةُ ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةًۭ فَٱنۢبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ﴾ ١٠ موضوعُها عند الميسّر «خيانة ظهرت بوادرها» — أي ما يُتوقَّع قبل وقوعه، فيُعلَم الطرفان «أنه لا عهد بعد اليوم» ١١؛ فإذا وقع النكثُ فعلًا فالحكمُ الآخر ﴿وَإِن نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُم مِّنۢ بَعْدِ عَهْدِهِمْ … فَقَٰتِلُوٓا۟ أَئِمَّةَ ٱلْكُفْرِ﴾ ١٢، وليس فيه نبذٌ مستأنَف. وأمّا الكذبُ المأذون فيه فقد صنّفه ابنُ القيّم في بابه ونظيرِه: «وأذن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول، وهذا كله من الاحتيال المباح» ١٣ — حكمٌ على حيلةِ حربٍ، لا على غدرٍ بمسالم. وأمّا الأثقلُ فأُقرّ به ولا أراوغ: ابنُ القيّم يقول ذلك بنصّه ١٤. لكنّه هو نفسُه يقيّده بعد صفحتين: كفَّ عن قتل من سبّه وآذاه حين رجحت مصلحةُ التأليف، «فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة» ١٥ — فالسبُّ وحدَه لا يوجب القتل عنده، وإلا لما كان في الباب كفٌّ أصلًا؛ والذي رجّح في كعبٍ عنده أنّه «جاهر بالعداوة والسب» ١٥، والعداوةُ المجاهَرةُ هي التي في الخبر: خروجٌ إلى مكة وعقدٌ مع المحاربين ٢.
-
إن كان معصومًا فلماذا يعاتبه القرآنُ ويستغفر له ذنبَه؟
المعضلةُ منخرمةٌ من مقدّمتها: أنت تعرض طرفين — أخطأ أو لم يخطئ — والمقرَّرُ عند من يقول بالعصمة ليس واحدًا منهما، بل «والأنبياء عندنا معصومون عن الكبائر غير معصومين عن الصغائر» ١. وموضعُ العتاب مسمًّى لا مبهَم: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ٢ يقول فيه التفسير الميسّر إنّ العفو وقع «عمَّا وقع منك مِن تَرْك الأولى والأكمل، وهو إذنك للمنافقين في القعود عن الجهاد» ٣ — أي اختيارُ الحسن دون الأحسن. وكذلك ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾: «ظهر التغير والعبوس في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعرض لأجل أن الأعمى عبد الله بن أم مكتوم جاءه مسترشدا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام» ٤ — فالمصحَّحُ ترتيبُ أولويّةٍ بين داعيَين. وشقُّك الثاني — «فإن لم يخطئ فالعتابُ عبث» — يسقط بأنّ العتابَ يُشرِّع: من ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ﴾ ٥ يستخرج ابنُ القيّم قاعدةً تلزم الأمّة كلَّها: «فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له، فكيف يجعل لغيره التحريم؟» ٦. وأمّا الاستغفارُ فمقامٌ لا سجلُّ جرائم: «واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً» ٧، ولمّا سألته عائشةُ عن قيامه حتى تتفطّر رجلاه «وقد غُفِرَ لَكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فقال: يا عائِشةُ، أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا» . وأمّا كونُه ميزانًا: الميزانُ ليس رجلًا يمتنع أن يُراجَع، بل كتابٌ دوَّن مراجعتَه بنفسه — والوصفان مجتمعان في سطرٍ كتبه السيوطي قبل قرون: «ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه بقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم» ٨.
١ في عيسى عليه السلام فنفى عنه الشقاوة وأثبت له السعادة والأنبياء عندنا معصومون عن الكبائر غير معصومين عن الصغائر
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص١٧١ · افتح الموضع
٢ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ
سورة التوبة ٩:٤٣ · افتح الموضع
٣ عفا الله عنك -أيها النبي- عمَّا وقع منك مِن تَرْك الأولى والأكمل، وهو إذنك للمنافقين في القعود عن الجهاد، لأي سبب أَذِنْتَ لهؤلاء بالتخلف عن الغزوة، حتى يظهر لك الذين صدقوا في اعتذارهم وتعلم الكاذبين منهم في ذلك؟
التفسير الميسّر · التوبة ٩:٤٣ · افتح الموضع
٤ ظهر التغير والعبوس في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعرض لأجل أن الأعمى عبد الله بن أم مكتوم جاءه مسترشدا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام.
التفسير الميسّر · عبس ٨٠:١ · افتح الموضع
٥ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَٰجِكَ ۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
سورة التحريم ٦٦:١ · افتح الموضع
٦ فإذا كان سبحانه لم يجعل لرسوله أن يحرم ما أحل الله له، فكيف يجعل لغيره التحريم؟
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٧٩ · افتح الموضع
٧ واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 6307 · صحيح
٨ الخامس العتاب كقوله ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله … ومن ألطفه ما عاتب الله به خير خلقه بقوله عفا الله عنك لم أذنت لهم
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٢١٣ · افتح الموضع
٩ وقوله: {ولقد همت به وهم بها} ، أي هم بدفعها أي عن نفسه في هذا التأويل بتنزيله يوسف صلى الله عليه وسلم عما لا يليق به لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الصغائر والكبائر
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٤٩ · افتح الموضع
١٠ عفا الله عنك في معناه قولان: أحدهما أنه افتتاح الكلام كما تقول: أصلحك الله كان كذا وكذا، والقول الآخر وهو أولى لأن المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم ويدل على هذا لم أذنت لهم لأنه لا يقال: لم فعلت ما أمرتك به؟
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص١١٩ · افتح الموضع
١١ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا
سورة الفتح ٤٨:٢ · افتح الموضع
١٢ فتحنا لك ذلك الفتح، ويسَّرناه لك؛ ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات الكثيرة وبما تحملته من المشقات، ويتم نعمته عليك بإظهار دينك ونصرك على أعدائك
التفسير الميسّر · الفتح ٤٨:٢ · افتح الموضع
كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا صَلَّى قامَ حَتَّى تَتَفَطَّرَ رِجلاه، قالت عائِشةُ: يا رَسولَ اللهِ أتَصنَعُ هذا وقد غُفِرَ لَكَ ما تَقدَّمَ مِن ذَنبِكَ وما تَأخَّرَ؟ فقال: يا عائِشةُ، أفلا أكونُ عَبدًا شَكورًا .
· تخريج المسند لشعيب 24844 حسن
واللهِ إنِّي لَأستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه في اليَومِ أكثَرَ مِن سَبعينَ مَرَّةً. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 6307 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
«ترك الأولى» مصطلحٌ صُنع بعد النصّ ليُخرجه من ظاهره. القرآنُ لا يقول «ترك الأولى»، يقول ﴿ذَنۢبِكَ﴾ صريحةً ويأمره بالاستغفار منه، و«الذنب» في سائر الكتاب معصية. ثمّ إنّ مكتبتكم نفسَها تنقض جوابَكم: الزركشيُّ يقرّر أنّ الأنبياء معصومون من الصغائر والكبائر جميعًا — فأيُّ القولين دينُكم؟ وعقيدةٌ تتّسع لتبتلع كلَّ شاهدٍ ضدَّها لا تُخبر بشيء أصلًا.
الخلافُ واقعٌ ولا أستره: الزركشيُّ يقول «لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم معصومون من الصغائر والكبائر» ٩ والكرمانيُّ يقول خلافَه ١ — والنزاعُ في الصغائر وحدها، لا في التبليغ. لكنّ دعوى «المصطلح المصنوع بعدُ» تسقط بالنصّ: النحّاسُ يرجّح في ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ﴾ أنّ «المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم ويدل على هذا لم أذنت لهم لأنه لا يقال: لم فعلت ما أمرتك به؟» ١٠ — فالمفسِّرون أثبتوا الفعلَ المعاتَبَ عليه ولم يفرّوا منه، والفرارُ منه هو ما تنسبه إليهم. وأمّا ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ١١ فالميسّرُ يعلّقها بالفتح لا بجناية: «ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؛ بسبب ما حصل من هذا الفتح من الطاعات الكثيرة وبما تحملته من المشقات» ١٢. ويبقى بعدَ الخلافِ كلِّه أنّ هذه المواضع في الكتاب الذي يُحتجّ به له لا في كتاب خصومه ٢.
-
من علّمه ما جاء به؟ أليس فيه ما يشبه ما عند أهل الكتاب؟
لا. آيةُ اللسان ليست جوابَ القرآن عن المادّة بل عن تهمةٍ عُلِّقت برجلٍ بعينه؛ وأمّا المادّةُ فالمنفيُّ فيها الطريقُ نفسُه: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ﴾ ١، وشرحُها في الميسّر: «ولو كنت قارئًا أو كاتبًا من قبل أن يوحى إليك لشك في ذلك المبطلون، وقالوا: تعلَّمه من الكتب السابقة أو استنسخه منها» ٢ — فاعتراضُك محكيٌّ في النصّ ومُجابٌ عنه بالمصدر لا باللكنة. وأصرحُ منه ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ﴾ ٣ وشرحُه: «وما كنت من الشاهدين لذلك، حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق» ٤، ثمّ ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًۭا فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا﴾ ٥ — نفيُ حضورٍ ومجاورةٍ وتلقٍّ، لا نفيُ لغة. وآيتُك ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ﴾ ٦ رُدَّت باللسان لأنّ التهمةَ عُلِّقت برجلٍ لسانُه هو الحجّةُ عليه، فالجوابُ على قدر الدعوى المسوقة لا على قدر ما تريده أنت منها. وقريشٌ التي رمَت بالتهمة كانت تعرف صاحبَها: قالوها «مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا» ٧، و«لم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم» ٨، في أمّةٍ يصفها هو بقوله: «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ» ٩. وأثقلُ ما في الباب أنّ الطريقَ الذي تفترضه سلكه رجلٌ بعينه في الزمان نفسِه ونعرف مخرَجَه: النضر بن الحارث قائلُ «أساطير الأولين» — «دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد» ١٠ — فكان ما جاء به «حديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة» ١١. فالتفسيرُ الطبيعيُّ جُرّب في وقته باسمٍ معروفٍ ومخرَجٍ معروف، وليس هو هذا.
١ وَمَا كُنتَ تَتْلُوا۟ مِن قَبْلِهِۦ مِن كِتَٰبٍۢ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًۭا لَّٱرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ
العنكبوت ٢٩:٤٨ · افتح الموضع
٢ من معجزاتك البينة -أيها الرسول- أنك لم تقرأ كتابًا ولم تكتب حروفًا بيمينك قبل نزول القرآن عليك، وهم يعرفون ذلك، ولو كنت قارئًا أو كاتبًا من قبل أن يوحى إليك لشك في ذلك المبطلون، وقالوا: تعلَّمه من الكتب السابقة أو استنسخه منها.
التفسير الميسّر · العنكبوت ٢٩:٤٨ · افتح الموضع
٣ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِىِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ
القصص ٢٨:٤٤ · افتح الموضع
٤ وما كنت -أيها الرسول- بجانب الجبل الغربي من موسى إذ كلَّفناه أَمْرنا ونَهْينا، وما كنت من الشاهدين لذلك، حتى يقال: إنه وصل إليك من هذا الطريق.
التفسير الميسّر · القصص ٢٨:٤٤ · افتح الموضع
٥ وَلَٰكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُونًۭا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًۭا فِىٓ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ
القصص ٢٨:٤٥ · افتح الموضع
٦ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ
النحل ١٦:١٠٣ · افتح الموضع
٧ وكانوا مرة لجهلهم وحيرتهم يقولون: {وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا} مع علمهم أن صاحبهم أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب شيئا
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٠٣ · افتح الموضع
٨ وقد علموا أنه - صلى الله عليه وسلم - أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة ولا بمثاقبة، ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم … مما صدقه فيه العلماء بها ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك
السيوطي · معترك الأقران في إعجاز القرآن ص١٨٠ · افتح الموضع
٩ إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذا وهَكَذا. يَعني مَرَّةً تِسعةً وعِشرينَ، ومَرَّةً ثَلاثينَ. .
عبدالله بن عمر · البخاري · صحيح البخاري 1913 · صحيح
١٠ قالوا: وحيثما جاء في القرآن {أساطير الأولين} فقائلها النضر بن الحارث بن كلدة وإنما كان يقولها لأنه دخل بلاد فارس وتعلم الأخبار ثم جاء وكان يقول أنا أحدثكم أحسن مما يحدثكم محمد وإنما يحدثكم أساطير الأولين
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٥٦ · افتح الموضع
١١ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، وذلك أنه كان يخرج تاجرا إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدث بها قريشا ويقول لهم: إن محمدا عليه الصلاة والسلام يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، فنزلت فيه هذه الآية.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٣٤٤ · افتح الموضع
١٢ وسألته - صلى الله عليه وسلم - خديجة - رضي الله عنها - عن ورقة بن نوفل، فقالت: إنه كان صدقك، ومات قبل أن تظهر، فقال: رأيته في المنام وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٣١٠ · افتح الموضع
١٣ قوله تعالى ولقد نعلم الآية ( ك ) أخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة اسمه بلعام وكان أعجمي اللسان وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا أنما يعلمه بلعام فأنزل الله ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر الآية
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص١٣٣ · افتح الموضع
١٤ كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 · صحيح
إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشَّهرُ هَكَذا وهَكَذا. يَعني مَرَّةً تِسعةً وعِشرينَ، ومَرَّةً ثَلاثينَ. .
عبدالله بن عمر · البخاري · صحيح البخاري 1913 صحيح
كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
وورقةُ بن نوفل يهدم هذا كلَّه: رجلٌ في بيت زوجته يكتب الإنجيل بالعبرانية، ورواةُ الخبر أنتم لا أنا. ثمّ إنّ خبرَ النضر نقلٌ عن المفسّرين لا سندٌ متّصل، وتسميةُ من عُلِّق به التعليمُ يقول السيوطيُّ عنها بنفسه إنّها «بسند ضعيف» — فأنتم تحتجّون بجنسٍ من الأخبار ترفضونه لو خالفكم. وأمّا «الأمّيّة» فشهادةُ النصّ على نفسه ولا تُقبل، ومكةُ والمدينةُ ممرُّ رواةٍ وأحبارٍ وقصّاص، والسماعُ لا يحتاج قلمًا ولا قراءة — فنفيُ الكتابة نفيٌ لأضعف القنوات وسكوتٌ عن أقواها.
أمّا ورقة فخبرُه من كتبنا لا من كتبك، ونصُّه يقطع لا يصل: سُئلت خديجةُ عنه فقالت «إنه كان صدقك، ومات قبل أن تظهر» ١٢ — فمن جعله مصدرًا فقد جعل المصدرَ ينقطع قبل أن تبدأ المادّة. وأمّا التضعيف فحقٌّ، وأنا أنقله بحكمه ولا أطويه: «أخرج ابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة اسمه بلعام وكان أعجمي اللسان» ١٣ — والضعفُ يُسقط تعيينَ الرجل، ولا يمسّ الآيةَ ولا نفيَ الطريق في العنكبوت والقصص ١ ٣. وأمّا السماعُ بلا قلمٍ فهو أقوى ما قلتَ، ولذلك لم يُنفَ القلمُ وحدَه بل نُفيت المجاورةُ والتلاوةُ عليهم ٥ — وتلك قناةُ السماع لا قناةُ الكتاب. وأزيدك ما يثقل عليّ لا عليك: القناةُ كانت مفتوحةً فعلًا وموثَّقةً في أصحّ كتبنا — «كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ» — وكان أمرُه فيها: «لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم» ١٤؛ ومقتبسٌ لا يُقيم أتباعَه على الحذر من الخزانة التي اقتبس منها. وهذه قرينةٌ لا برهان، وأقولها بحدّها.
-
لماذا لم يأتِ بمعجزةٍ محسوسةٍ كما جاء موسى وعيسى؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: انشقاقُ القمر ليس زيادةَ كتبٍ متأخّرة، هو في القرآن نفسِه — ﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ ١، ويليه في الآية التالية ﴿وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةًۭ يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌۭ مُّسْتَمِرٌّۭ﴾ ٢، وشرحُه في التفسير الميسّر: «وانفلق القمر فلقتين، حين سأل كفار "مكة" النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فدعا الله، فأراهم تلك الآية» ٣. فالطبقةُ التي تعدّها نافيةً هي بعينها التي تُثبت الآيةَ المحسوسة وتصف إعراضَهم عنها بعد وقوعها، والبخاريُّ يوافقها ولا يزيد عليها: «انشَقَّ القَمَرُ في زَمانِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم» ٤. والذي رُدَّ في ﴿قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ﴾ ٥ ليس الآيةَ مطلقًا بل الآيةَ المقترَحةَ بالطلب — قال الزجّاج (ت ٣١١هـ) في نظيرتها من سورة الرعد: «وإنما طلبوا غير الآيات التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو انشقاق القمر… فالتمسوا مثل آيات عيسى وموسى» ٦. وعلّةُ المنع منصوصةٌ لا مسكوتٌ عنها: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا﴾ ٧، «فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا» ٨ — فهو امتناعٌ عن آيةِ الاستئصال، لا اعتذارٌ عن عجز. وأمّا الحديثُ الذي يُساق شاهدًا للنفي فيقول عكسَه: «ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ» ٩ — يُثبت لكلّ نبيٍّ آيةً ويجعل المخصوصَ به الوحيَ، وشرحُه عند السيوطي: «معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة» ١٠.
١ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ
سورة القمر ٥٤:١ · افتح الموضع
٢ وَإِن يَرَوْا۟ ءَايَةًۭ يُعْرِضُوا۟ وَيَقُولُوا۟ سِحْرٌۭ مُّسْتَمِرٌّۭ
سورة القمر ٥٤:٢ · افتح الموضع
٣ دنت القيامة، وانفلق القمر فلقتين، حين سأل كفار "مكة" النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فدعا الله، فأراهم تلك الآية.
التفسير الميسّر · سورة القمر ٥٤:١ · افتح الموضع
٤ انشَقَّ القَمَرُ في زَمانِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. .
عبدالله بن عباس · البخاري · صحيح البخاري 4866 · صحيح
٥ وَقَالُوا۟ لَوْلَآ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَٰتٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ ۖ قُلْ إِنَّمَا ٱلْءَايَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٌۭ مُّبِينٌ
سورة العنكبوت ٢٩:٥٠ · افتح الموضع
٦ معناه هلا أنزل عليه وإنما طلبوا غير الآيات التي أتى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو انشقاق القمر. والقرآن الذي دعوا أن يأتوا بسورة من مثله - وما أشبه هذا النحو، فالتمسوا مثل آيات عيسى وموسى، فأعلم الله عز وجل - أن لكل قوم هاديا
أبو إسحاق الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص١٣٩ (في تفسير الرعد ١٣:٧) · افتح الموضع
٧ وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلْأَوَّلُونَ ۚ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةًۭ فَظَلَمُوا۟ بِهَا ۚ وَمَا نُرْسِلُ بِٱلْءَايَٰتِ إِلَّا تَخْوِيفًۭا
سورة الإسراء ١٧:٥٩ · افتح الموضع
٨ وما منعَنا من إنزال المعجزات التي سألها المشركون إلا تكذيب مَن سبقهم من الأمم، فقد أجابهم الله إلى ما طلبوا فكذَّبوا وهلكوا. وأعطينا ثمود -وهم قوم صالح- معجزة واضحة وهي الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم.
التفسير الميسّر · سورة الإسراء ١٧:٥٩ · افتح الموضع
٩ ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يَومَ القيامةِ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 4981 · صحيح
١٠ أخرجه البخاري قيل إن معناه أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره بالمغيبات فلا يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه
جلال الدين السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٣٠٨ · افتح الموضع
١١ فقلت: فما أنكرت من إنشقاق القمر إذا كان في ناحية أن لا يراه أهل تلك الناحية ومن تأهب للنظر له، فأما من أعرض عنه، أو كان في الامكنة التى لا يرى القمر منها فلا يراه. فقال: كما قلت لا يدفعك عنه دافع، وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه، فأما الطعن في غير هذا الوجه فليس بصحيح. فقال الملك: وكيف يطعن في النقلة؟ فقال القسيس: شبه هذا من الآيات - إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير حتى يتصل بنا العلم الضرورى به، ولما لم نعلم ذلك بالضرورة، دل على أن الخبر مفتعل باطل.
أبو بكر الباقلاني · إعجاز القرآن ص٧ · افتح الموضع
ما مِنَ الأنبياءِ نَبيٌّ إلَّا أُعطيَ ما مِثلُه آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُ وحيًا أوحاه اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثَرَهم تابِعًا يَومَ القيامةِ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 4981 صحيح
انشَقَّ القَمَرُ في زَمانِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم. .
عبدالله بن عباس · البخاري · صحيح البخاري 4866 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه يُنقذ واقعةً واحدة. أمّا نبعُ الماء من بين الأصابع وتكثيرُ الطعام وحنينُ الجذع فلا ذكر لها في القرآن، وهي بعينها التي تكاثرت في كتبٍ دُوِّنت بعد قرنين — فالنمطُ قائمٌ كما وصفتُه: القرآنُ يذكر واحدةً، والمرويّاتُ تذكر عشرات. ثمّ إنّ انشقاق القمر نفسَه لو وقع لرآه نصفُ الأرض ولسجّلته أممٌ لا مصلحة لها فيه، ولم يُنقل إلا عمّن آمن به — وحدثٌ كونيٌّ لا يشهد له إلا الفريقُ المستفيد منه هو أضعفُ ما يُحتجّ به لا أقواه.
الشقُّ الأوّل أُسلّمه ولا أنازع فيه: ما لم يرد في القرآن يُوزن بميزان الحديث لا بميزان القرآن، وسقوطُ بعضِه لا يمسّ ما هنا. لكنّ الدعوى المعروضة لم تكن هذه — كانت أنّ القرآن ينفي والمرويّاتِ تُثبت، وهي ساقطةٌ لأنّ أقدمَ الطبقتين هي المُثبِتة ١ ٣، ولأنّ المردودَ هو الآيةُ المقترَحةُ على وجه التحكّم لا الآيةُ مطلقًا ٥ ٦. والشقُّ الثاني اعتراضٌ قديمٌ لا جديد، عُرض على الباقلّاني (ت ٤٠٣هـ) في مجلس ملك الروم بلفظٍ يطابق لفظَك: «شبه هذا من الآيات - إذا صح وجب أن ينقله الجم الغفير حتى يتصل بنا العلم الضرورى به، ولما لم نعلم ذلك بالضرورة، دل على أن الخبر مفتعل باطل»، وجوابُه أنّ رؤيةَ الحدث السماويّ مشروطةٌ بالمحاذاة والتأهّب كالخسوف: «فأما من أعرض عنه، أو كان في الامكنة التى لا يرى القمر منها فلا يراه» ١١. وهذا يرفع الاستحالةَ ولا يُنتج التصديق — والقسّيسُ نفسُه نقل النزاعَ إلى موضعه الصحيح: «وإنما الكلام في الرواة الذين نقلوه» ١١، ومن ردّه لضعف طريقه فله أن يفعل، لكنّه حينئذٍ يناقش إسنادًا لا يكشف «نموًّا أسطوريًّا». وأمّا معيارُك — أنّ المتأخّر الأعظمَ خرقًا أضعفُ من المبكّر الأقلّ ادّعاءً — فهو ينقلب عليك ههنا: أعظمُ الخوارق ادّعاءً هو المذكورُ في أقدم النصّين وأوثقِهما ١ ٢، لا في آخرهما.
-
ما الذي يجعل دعواه أنّه خاتَمُ الأنبياء أصدقَ من دعوى من جاء بعده؟
الأمرُ على ما قلتَ في شطره الأوّل: ﴿وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ﴾ ليست ميزانًا، هي الدعوى موضعَ النزاع لا الفارقُ بينها وبين نظائرها ١ ٢. والميزانُ المعروض عليك مكتوبٌ قبل هذه المسألة وفيه شرطُك بلفظه: «إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة» ٣. والبندُ الذي يُقدَّم فيه ليس إعلانًا بل شرطُ تكذيبٍ منشورٌ بثمن: ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ ٤، وعليه رُبطت إباحةُ الدم والمال والذرّية، فكان أرخصُ مخرجٍ من الحرب أن يُؤتى بالنظير فاختير الأغلى — والاستدلالُ من السلوك تحت الحافز لا من تقويم الجودة ٥. والنصُّ يفرز المدّعيَ بالوصف لا بالاسم: ﴿أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ﴾ ٦، والتفسيرُ يقرؤها ثلاثَ دعاوى آخرُها دعوى القدرة على الإنزال ٧. وقد جُرّب البندُ في حياته لا بعد قرون: سجعُ مسيلمة «مضاهاةً للقرآن» منقولٌ بلفظه في كتبنا نحن ٨، وشرطُ الإغلاق نفسُه قيل في حديثٍ موضوعُه تنزيلُ عليٍّ منزلةَ هارونَ من موسى لا خصومةُ مدّعٍ، فهو سابقٌ لمن يُخرجهم ٩. وما لا يُعطى لك حكمٌ جاهز: الكتابُ يقول إنّ معيارَ سلامة النقل «يحابي نصًّا كنصّنا»، وإنّ شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فيه مردودة، ويحيل الوزنَ إليك ١٠.
١ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٤٠ · افتح الموضع
٢ ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة. وكان الله بكل شيء من أعمالكم عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٤٠ · افتح الموضع
٣ ١. لا تُفصِّل معيارًا على مقاس دعوًى بعينها. إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٤ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٥ والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (3) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي. … فلما لم تحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها.
الباقلاني · إعجاز القرآن ص٢٩ · افتح الموضع
٦ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌۭ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ …
سورة الأنعام ٦:٩٣ · افتح الموضع
٧ ومَن أشدُّ ظلمَّا ممَّن اختلق على الله تعالى قولا كذبًا، فادعى أنه لم يبعث رسولا من البشر، أو ادعى كذبًا أن الله أوحى إليه ولم يُوحِ إليه شيئًا، أو ادَّعى أنه قادر على أن يُنْزل مثل ما أنزل الله من القرآن؟ …
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:٩٣ · افتح الموضع
٨ ثم انصرفوا وجاءوه بالذي أعطاه، فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر معه … ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، ومن بين صفاق وحشا. ووضع عنهم الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنى، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نبي، فأصفقت معه بنو حنيفة على ذلك.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٥٣٣ · افتح الموضع
٩ أنتَ مِنِّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسى، إلَّا أنَّه لا نَبيَّ بَعدي. .
سعد بن أبي وقاص · مسلم · صحيح مسلم 2404 · صحيح
١٠ وننبّه على أنفسنا: هذا المعيارُ بعينه يحابي نصًّا كنصّنا. فمن ردَّ تقديمَنا له فله وجه، وليَزِنْ بالخمسة غيرَ مرتَّبة. ومن قبِل في هذا الباب شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه فقد ترك الميزان وأخذ الإعلان — ونحن أصحابُ دعوًى فلا تقبل شهادتَنا فيه.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
١١ أثمّ خلافٌ في متنه، ومن الذي يذكره؟ هذا أدقُّ الثلاثة. كلُّ نصٍّ قديمٍ فيه خلاف، فوجودُ الخلاف ليس تهمة. إنّما التهمةُ أن يكون الخلافُ معلومًا عند أهله ومكتومًا عن غيرهم. فاسأل: أين يُنشر اختلافُ النسخ؟ أفي حواشي كتبهم هم، أم في كتب من يهاجمهم وحدَهم؟
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٢ ونحن لا ننكر أن كثيرا من الكذابين قام في الوجود، وظهرت له شوكة، ولكن لم يتم له أمره، ولم تطل مدته، بل سلط عليه رسله وأتباعهم فمحقوا أثره، وقطعوا دابره، واستأصلوا شأفته. هذه سنته في عباده منذ قامت الدنيا وإلى أن يرث الأرض ومن عليها.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٥٥٩ · افتح الموضع
١٣ وميزانُه ذو كفّتين: من احتجّ بحسن أثرٍ لزمه أن يسمع من يحتجّ بسوء أثر، بالمقياس نفسه. ومن رفض إحدى الكفّتين فقد كسر الميزان لا استعمله.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
أنتَ مِنِّي بمَنزِلةِ هارونَ مِن موسى، إلَّا أنَّه لا نَبيَّ بَعدي. .
سعد بن أبي وقاص · مسلم · صحيح مسلم 2404 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
التحدّي ميزانٌ يقضي فيه الخصمُ لنفسه. من قرّر أنّ أحدًا لم يأتِ بالنظير؟ أنتم. والمعارضةُ التي تسوقونها اخترتموها أنتم ونقلتموها أنتم — سجعُ رجلٍ ضُربت عنقُه ثمّ كتب قاتلوه سيرتَه، ولو كان في الأرض نظيرٌ لَما بلغكم إلا ممسوخًا. ثمّ إنّ قولكم «قاتلوا ولم يعارضوا» يفترض أنّ المعارضة كانت ستُقبل لو وقعت، والحكمُ بقبولها بيد المدّعي وأتباعه. فأنت حيث بدأت: نصٌّ يشهد لنفسه، وقومٌ يصدّقون شهادتَه، ويقول خصمُكم مثلَه حرفًا بحرف.
شطرُك الأوّل لازمٌ ومُقرٌّ به قبل أن تقوله: الكتابُ يصرّح بأنّ هذا المعيارَ بعينه يحابي نصًّا كنصّه، وأنّ من قبِل فيه شهادةَ صاحب الدعوى على نفسه «ترك الميزان وأخذ الإعلان» ١٠. لكنّ حجّة الباقلاني لا تقوم على تقويم جودةٍ يُحكَم فيه بالذوق، بل على الكلفة: الثمنُ الدمُ والمالُ والذرّية، والمخرجُ القريبُ في لسانهم وعادتهم، فلم يُؤخذ ٥. وسؤالُ النقل الذي يُطرح عليك هو: أين يُنشر ما يضرّ — في حواشي أهله أم عند خصومه وحدَهم ١١؟ وسجعُ مسيلمة ونصُّ رسالته إلى المدينة محفوظان في كتبنا لا في كتب من يهاجمنا ٨ — وهذا لا يُثبت صدقَ المنقول، إنّما يقول إنّك تناقش النصَّ لا شبحَه. وما لا يفرز يُقال إنّه لا يفرز: احتجاجُ ابن القيّم بأنّ الكذّابين «لم يتمّ له أمرُه ولم تطل مدّتُه» ١٢ لا يصلح ميزانًا أمام دعوًى لها اليومَ ملايين، وهو من صنف «أثرِ الدعوى» الذي يصرّح الكتابُ بأنّه ذو كفّتين ومن رفض إحداهما كسر الميزان ١٣ — فلا نحتجّ به عليك، ولا نقبله منك في الاتجاه الآخر.
-
أليس المسارُ كلُّه مسارَ رجلٍ أراد المُلك فبلغه؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع في شطره الأوّل: الاعتراضُ الذي واجهه في حياته كان عكسَ هذا — أنّه لم يكن ذا مُلكٍ ولا مال، ﴿وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١، أي «فهلا نُزِّل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين» ٢، وطلبوا معها أن يُلقى إليه كنزٌ أو تكون له جنّةٌ يأكل منها ٣. ثمّ عُرض عليه الطريقُ إلى قبولهم صريحًا — أن يبدّل شيئًا ممّا أُوحي إليه فيصير عندهم خليلًا: ﴿وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا﴾ ٤ — والنصُّ يسجّل رفضَه ويتوعّده هو بضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات لو مال إليهم ميلًا قليلًا ٥. والمتنُ الذي يُقال إنّه كان يوسّع سلطتَه ينزع عنه ما يدّعيه طالبُها عادةً — خزائنَ الله وعلمَ الغيب ودعوى المَلَكيّة ٦ — ويجعل حياتَه رهنًا بصدقه: «ولو ادَّعى محمد علينا شيئًا لم نقله، لانتقمنا وأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه نياط قلبه» ٧، ويسجّل عتابَه في المتلوّ حين أعرض عن أعمى فقيرٍ وهو «منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام» ٨. وابنُ القيّم يقرأ موقعَه من المال قراءةً بنيويّةً لا وصفًا لزهد: «فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته… فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا، وبين أن يكون ملكا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا» ٩. وفي قسمة حنين أعطى قريشًا يتألّفهم وترك الأنصارَ بلا شيءٍ من المال وقال لهم: «أما تَرضَونَ أن يَرجِعَ النَّاسُ بالدُّنيا، وتَرجِعونَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بُيوتِكُم؟» ١٠. فالنهايةُ سلطةٌ بلا نزاع، والذي لا تفسّره فرضيّةُ «رجلٍ أراد المُلك» هو أن يكون في متنه ما يمنعه من الصفقة التي تبلّغه إيّاه ٤، وما يتوعّده بالقتل إن تقوّل ٧، وما يعاتبه أمام أتباعه على مجاملة الكبراء ٨.
١ وَقَالُوا۟ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
سورة الزخرف ٤٣:٣١ · افتح الموضع
٢ وقال هؤلاء المشركون مِن قريش: إنْ كان هذا القرآن مِن عند الله حقًا، فهلا نُزِّل على رجل عظيم من إحدى هاتين القريتين "مكة" أو "الطائف".
التفسير الميسّر · الزخرف ٤٣:٣١ · افتح الموضع
٣ أَوْ يُلْقَىٰٓ إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٌۭ يَأْكُلُ مِنْهَا ۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًۭا مَّسْحُورًا
سورة الفرقان ٢٥:٨ · افتح الموضع
٤ وَإِن كَادُوا۟ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُۥ ۖ وَإِذًۭا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلًۭا
سورة الإسراء ١٧:٧٣ · افتح الموضع
٥ ولو رَكَنت -أيها الرسول- إلى هؤلاء المشركين ركونًا قليلا فيما سألوك، إذًا لأذقناك مِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة؛ وذلك لكمال نعمة الله عليك وكمال معرفتك، ثم لا تجد أحدًا ينصرك ويدفع عنك عذابنا.
التفسير الميسّر · الإسراء ١٧:٧٥ · افتح الموضع
٦ قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّى مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلْأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ
سورة الأنعام ٦:٥٠ · افتح الموضع
٧ ولو ادَّعى محمد علينا شيئًا لم نقله، لانتقمنا وأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه نياط قلبه، فلا يقدر أحد منكم أن يحجز عنه عقابنا. إن هذا القرآن لعظة للمتقين الذين يمتثلون أوامر الله ويجتنبون نواهيه.
التفسير الميسّر · الحاقة ٦٩:٤٤ · افتح الموضع
٨ ظهر التغير والعبوس في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعرض لأجل أن الأعمى عبد الله بن أم مكتوم جاءه مسترشدا، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم منشغلا بدعوة كبار قريش إلى الإسلام.
التفسير الميسّر · عبس ٨٠:١ · افتح الموضع
٩ والذي تدل عليه سنته وهديه أنه كان يتصرف فيه بالأمر، فيضعه حيث أمره الله، ويقسمه على من أمر بقسمته عليهم، فلم يكن يتصرف فيه تصرف المالك بشهوته وإرادته، يعطي من أحب، ويمنع من أحب، وإنما كان يتصرف فيه تصرف العبد المأمور ينفذ ما أمره به سيده ومولاه … فإن الله سبحانه خيره بين أن يكون عبدا رسولا، وبين أن يكون ملكا رسولا، فاختار أن يكون عبدا رسولا.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٧٥ · افتح الموضع
١٠ جَمع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ناسًا مِنَ الأنصارِ فقال: إنَّ قُرَيشًا حَديثُ عَهدٍ بجاهِليَّةٍ ومُصيبةٍ، وإنِّي أرَدتُ أن أجبُرَهم وأتَألَّفَهم، أما تَرضَونَ أن يَرجِعَ النَّاسُ بالدُّنيا، وتَرجِعونَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بُيوتِكُم؟ قالوا: بَلى، قال: لو سَلَكَ النَّاسُ واديًا، وسَلَكَتِ الأنصارُ شِعبًا، لَسَلَكتُ واديَ الأنصارِ، أو شِعبَ الأنصارِ. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 4334 · صحيح
١١ ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمْ ۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٦ · افتح الموضع
١٢ النبي محمد صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين، وأقرب لهم من أنفسهم في أمور الدين والدنيا … وفي الآية وجوب كون النبي صلى الله عليه وسلم أحبَّ إلى العبد من نفسه، ووجوب كمال الانقياد له …
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٦ · افتح الموضع
١٣ أن فاطمة - رضي الله عنها - أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال" … وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا
ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٣٢١ · افتح الموضع
١٤ والفرق بينهما أن العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء … هذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم فرغب عنها إلى ما هو أعلى منها، وهي مرتبة العبودية المحضة التي تصرف صاحبها فيها مقصور على أمر السيد في كل دقيق وجليل.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٧٥ · افتح الموضع
جَمع النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ناسًا مِنَ الأنصارِ فقال: إنَّ قُرَيشًا حَديثُ عَهدٍ بجاهِليَّةٍ ومُصيبةٍ، وإنِّي أرَدتُ أن أجبُرَهم وأتَألَّفَهم، أما تَرضَونَ أن يَرجِعَ النَّاسُ بالدُّنيا، وتَرجِعونَ برَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إلى بُيوتِكُم؟ قالوا: بَلى، قال: لو سَلَكَ النَّاسُ واديًا، وسَلَكَتِ الأنصارُ شِعبًا، لَسَلَكتُ واديَ الأنصارِ، أو شِعبَ الأنصارِ. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 4334 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
زهدُه لا يمسّ الاعتراضَ في شيء. طالبُ السلطة يطلب السلطة لا الخبز، والتقشّفُ نفسُه أنجعُ أدوات الشرعنة — وأنت سُقتَ عليّ حديثًا يقول فيه للأنصار: خذوا الولاء ودعوا المال. هذه صفقةُ زعيمٍ لا حجّةٌ عليه. ثمّ إنّك تركتَ أثقلَ ما في الباب قائمًا: آيةُ الأحزاب ٣٣:٦ تجعل له على المؤمنين ما هو أولى من أنفسهم، أي طاعةً دينيّةً لا تُراجَع؛ وهذا بعينه ما يشرّعه مؤسِّسُ حركةٍ نجح، ولا يحتاج تفسيرُه سماءً.
الشطرُ الأوّل من الاعتراض صادقٌ ولا يُنكَر: الآيةُ قائمةٌ بنصّها ﴿ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمْ ۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍۢ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفْعَلُوٓا۟ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِكُم مَّعْرُوفًۭا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِى ٱلْكِتَٰبِ مَسْطُورًۭا﴾ ١١، وتفسيرُها الميسّر يقرّ صراحةً بما فيها من «وجوب كمال الانقياد له» ١٢ — فالمسارُ انتهى إلى طاعةٍ دينيّة، ومن أنكر ذلك كُشف. لكنّ الفرضيّةَ تُقاس بما تفسّره كلَّه لا بخاتمته: مؤسِّسُ الحركة الناجح لا يخرج متنُه بنصٍّ يتوعّده بقطع الوتين إن تقوّل ٧، ولا بعتابٍ متلوٍّ يُقدَّم فيه أعمى فقيرٌ على كبار قريش وهم أهلُ الشوكة الذين يُتألَّفون ٨، ولا يردّ صفقةً تشتري له خُلّةَ خصومه بتبديلٍ يسير ٤. وأمّا أنّ الولاء أثمنُ من المال فحقّ — ولذلك يُنظر فيما صنعه بالولاء: منع ابنتَه ميراثَها منه، «فقال أبو بكر: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نورث، ما تركناه صدقة إنما يأكل آل محمد في هذا المال"… وأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئا» ١٣. والفرقُ الذي يعقده ابنُ القيّم ليس في المتاع بل في موقع السلطة نفسِه: «العبد الرسول لا يتصرف إلا بأمر سيده ومرسله، والملك الرسول له أن يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء… هذه المرتبة هي التي عرضت على نبينا صلى الله عليه وسلم فرغب عنها» ١٤ — فالمرتبةُ المتروكةُ هي مرتبةُ التصرّف الحرّ، وهي عينُ ما يطلبه من أراد المُلك.
-
إن أخطأ في أمور الدنيا فكيف أميّز الوحيَ من رأيه؟
لا، ولستَ محتاجًا إلى حدٍّ نصنعه لك بعد الواقعة: الحدَّ رسمه هو في الواقعة التي تسوقها أنت، لحظةَ وقوعها. لمّا فسد النخلُ قال — عند مسلم من حديث رافع بن خديج —: «إذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن دينِكُم فخُذوا به، وإذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن رَأيي فإنَّما أنا بَشَرٌ» ، وفي رواية طلحة عند مسلم — ينقلها ابن القيّم — بلفظٍ أصرحَ في المعيار: «إنما هو ظن… ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على الله» ١. فالفيصلُ إسنادُ الكلام لا صوابُ نتيجته: ما نسبه إلى الله يلزم، وما قدّمه ظنًّا فهو ظنٌّ «يخطئ ويصيب» بلفظه هو ١. واللازمُ من السنّة هو التشريعُ لا الخبرةُ الزراعية: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ ٢ — أي «ما أعطاكم الرسول من مال، أو شرعه لكم مِن شرع» ٣. وأنّ الحدَّ ليس ترقيعًا يشهد له أنّ تصويبَه محفوظٌ في المتن الذي يُتلى في الصلاة لا مطويٌّ عنه: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ ٤ عتابٌ على اجتهادٍ منه في إذنه للمنافقين ٥. والقاعدةُ نفسُها طُبّقت على العلماء بعده لا عليه وحده: من لم يظفر بنصّ «لا يجوز أن يقول… إن الله حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، وإن هذا هو حكم الله» ٦.
١ وقد روى مسلم في " صحيحه ": عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، قال: «مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في نخل، فرأى قوما يلقحون، فقال: (ما يصنع هؤلاء؟ " قالوا: يأخذون من الذكر فيجعلونه في الأنثى، قال: " ما أظن ذلك يغني شيئا "، فبلغهم، فتركوه، فلم يصلح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنما هو ظن، فإن كان يغني شيئا، فاصنعوه، فإنما أنا بشر مثلكم، وإن الظن يخطئ ويصيب، ولكن ما قلت لكم عن الله عز وجل. فلن أكذب على الله» )
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣٠٩ · افتح الموضع
٢ … وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ
سورة الحشر ٥٩:٧ · افتح الموضع
٣ … وما أعطاكم الرسول من مال، أو شرعه لكم مِن شرع، فخذوه، وما نهاكم عن أَخْذه أو فِعْله فانتهوا عنه … والآية أصل في وجوب العمل بالسنة: قولا أو فعلا أو تقريرًا.
التفسير الميسّر · سورة الحشر ٥٩:٧ · افتح الموضع
٤ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا۟ وَتَعْلَمَ ٱلْكَٰذِبِينَ
سورة التوبة ٩:٤٣ · افتح الموضع
٥ عفا الله عنك -أيها النبي- عمَّا وقع منك مِن تَرْك الأولى والأكمل، وهو إذنك للمنافقين في القعود عن الجهاد …
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٤٣ · افتح الموضع
٦ ولكن إذا اجتهد واستفرغ وسعه في معرفة الحق وأخطأ لم يلحقه الوعيد، وعفي له عن ما أخطأ به، وأثيب على اجتهاده، ولكن لا يجوز أن يقول لما أداه إليه اجتهاده ولم يظفر فيه بنص عن الله ورسوله: إن الله حرم كذا، وأوجب كذا، وأباح كذا، وإن هذا هو حكم الله
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٣٤ · افتح الموضع
٧ وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ
سورة النجم ٥٣:٣ · افتح الموضع
٨ … وليس نطقه صادرًا عن هوى نفسه. ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
التفسير الميسّر · سورة النجم ٥٣:٣ · افتح الموضع
قدِمَ نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ وهم يَأبُرونَ النَّخلَ، يقولونَ: يُلَقِّحونَ النَّخلَ، فقال: ما تَصنَعونَ؟ قالوا: كُنَّا نَصنَعُه، قال: لَعَلَّكُم لو لم تَفعَلوا كان خَيرًا، فتَرَكوه، فنَفَضَت -أو فنَقَصَت- قال: فذَكَروا ذلك له، فقال: إنَّما أنا بَشَرٌ، إذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن دينِكُم فخُذوا به، وإذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن رَأيي فإنَّما أنا بَشَرٌ. قال عِكرِمةُ: أو نَحوَ هذا. قال المَعقِريُّ: فنَفَضَت، ولم يَشُكَّ. .
رافع بن خديج · مسلم · صحيح مسلم 2362 صحيح
قدِمَ نَبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المَدينةَ وهم يَأبُرونَ النَّخلَ، يقولونَ: يُلَقِّحونَ النَّخلَ، فقال: ما تَصنَعونَ؟ قالوا: كُنَّا نَصنَعُه، قال: لَعَلَّكُم لو لم تَفعَلوا كان خَيرًا، فتَرَكوه، فنَفَضَت -أو فنَقَصَت- قال: فذَكَروا ذلك له، فقال: إنَّما أنا بَشَرٌ، إذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن دينِكُم فخُذوا به، وإذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن رَأيي فإنَّما أنا بَشَرٌ. قال عِكرِمةُ: أو نَحوَ هذا. قال المَعقِريُّ: فنَفَضَت، ولم يَشُكَّ. .
رافع بن خديج · مسلم · صحيح مسلم 2362 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
حدٌّ يُعلَن بعد الفشل ليس حدًّا. لم يقل «هذا رأيي» وهو يُشير عليهم في النخل؛ قالها بعد أن نفضت. ثمّ إنّكم تقرؤون ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ وتفسّرونها بأنّ القرآن والسنّة كليهما وحيٌ من الله — فأيُّ شيءٍ يبقى خارج الوحي بعد هذا؟ فالحدُّ عندكم يتّسع ويضيق على قدر الحرج: ما ثبت فوحيٌ، وما سقط فدنيا.
نعم، الرواية تجعل التصريح بعد النفض — وهذا شقُّ الاعتراض الصحيح. لكنّ الذي أعلنه ليس عذرًا عن قولٍ بعينه بل قاعدةً مطّردةً في كلّ كلامه ومعيارًا يُطبَّق قبل الاختبار لا بعده: «إذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن دينِكُم فخُذوا به، وإذا أمَرتُكُم بشَيءٍ مِن رَأيي فإنَّما أنا بَشَرٌ» ، وأعادهم إلى خبرتهم بلفظٍ صريح: «فإن كان يغني شيئا، فاصنعوه» ١ — والمرقِّعُ يصنع عكسَه: يُبقي قولَه ويُعيد تفسير الواقعة. وأمّا الشقُّ الثاني فلا نطويه عنك: الميسّرُ في ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ﴾ ٧ يقول نصًّا: «ما القرآن وما السنة إلا وحي من الله إلى نبيه» ٨، والتوتّرُ بينه وبين الحديث ظاهرٌ لا يُنكَر. وموضعُ الفصل أنّ ما نصّ عليه بنفسه هو الحدّ: «ما قلت لكم عن الله عز وجل» ١ — وهو تضييقٌ لا توسيع، إذ منع به العلماءَ بعده أن ينسبوا إلى الله ما لم يجدوا فيه نصًّا ولو أصابوا في اجتهادهم ٦.
-
كيف تُبنى أخلاقُ رجلٍ على أخبارٍ دُوّنت بعده بقرن ونصف؟
الأمرُ على خلاف ما بُني عليه السؤال في شقّه الأوّل: الكتابةُ لم تنتظر ابنَ إسحاق — عمرُ بن الخطاب يقول «قيدوا العلم بالكتاب» ٢، ثمّ جُمعت السننُ بأمرٍ رسميّ فكُتبت «دفترا دفترا» وأُرسل إلى كلّ مِصرٍ دفتر ١. ولا نُخفي ما يقابله: كان في الصدر من ينهى عن الكتابة — ابنُ عبّاس يقول «إنما ضل من كان قبلكم بالكتب» ٣ — وأحمدُ بن حنبل يُقرّ بالأمرين معًا: «كرهه قوم ورخص فيه آخرون»، ويقول «ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نحن؟» ٤. وأمّا شقُّك الثاني — أنّنا ننتقي بحسب ما يسرّنا — فالمصفاةُ موضوعةٌ على الناقل قبل أن يُقرأ المنقول: مالكٌ يمنع الأخذ عن «رجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم» ٥. وابنُ إسحاق الذي تحتجّ بتأخّره متكلَّمٌ فيه في كتبنا قبل كتبك: مالكٌ سمّاه «دجال من الدجاجلة» وشعبةُ والثوريُّ وابنُ عيينة وثّقوه ٦، وابنُ عبد البرّ يزن الجرحَ فيردّه: «وهذا تقليد لا برهان عليه» ٧. والتثبُّتُ من الخبر أمرٌ في النصّ نفسِه لا شرطٌ تفرضه علينا: ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟﴾ ٨ — «فتثبَّتوا من خبره قبل تصديقه ونقله حتى تعرفوا صحته» ٩. وأصلُ الدعوى في خُلُقه ليس خبرًا متأخّرًا بل نصٌّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ﴾ ١٠، «وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق» ١١.
١ سمعت ابن شهاب يحدث سعد بن إبراهيم قال: «أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترا دفترا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترا»
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٥٢٨ · افتح الموضع
٢ … عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان، عن عمه، أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: «قيدوا العلم بالكتاب»
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٤٨٣ · افتح الموضع
٣ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما " أنه كان ينهى عن كتابة العلم وقال: إنما ضل من كان قبلكم بالكتب "
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٤٣٢ · افتح الموضع
٤ … قلت لأحمد بن حنبل من كره كتاب العلم؟ قال: «كرهه قوم ورخص فيه آخرون» ، قلت له: لو لم يكتب العلم لذهب؟ قال: «نعم، ولولا كتابة العلم أي شيء كنا نحن؟» . قال إسحاق بن منصور: وسألت إسحاق بن راهويه، فقال: كما قال أحمد سواء
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٥٢٠ · افتح الموضع
٥ وقال مالك بن أنس رحمه الله: «لا يؤخذ العلم عن أربعة، سفيه معلن السفه وصاحب هوى يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به»
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص١٧٨٩ · افتح الموضع
٦ قدم علينا محمد بن إسحاق فذكرنا له شيئا عن مالك، فقال: هاتوا علم مالك فأنا بيطاره، قال ابن إدريس: فلما قدمت المدينة ذكرت ذلك لمالك فقال: ذاك دجال من الدجاجلة، نحن أخرجناه من المدينة … وأما الصدق والحفظ فكان صدوقا حافظا أثنى عليه ابن شهاب ووثقه شعبة، والثوري، وابن عيينة، وجماعة جلة
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٢٥٣٠ · افتح الموضع
٧ وقد روي عن مالك أنه قيل له: من أين قلت في محمد بن إسحاق أنه كذاب؟ فقال: سمعت هشام بن عروة يقوله، وهذا تقليد لا برهان عليه، وقيل لهشام بن عروة: من أين قلت ذلك؟ قال: هو يروي عن امرأتي ووالله ما رآها قط، قال أحمد بن حنبل عند ذكره هذه الحكاية: قد يمكن ابن إسحاق أن يراها أو يسمع منها من وراء حجاب من حيث لم يعلم هشام
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص٢٥٣١ · افتح الموضع
٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓا۟ أَن تُصِيبُوا۟ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ
سورة الحجرات ٤٩:٦ · افتح الموضع
٩ يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، إن جاءكم فاسق بخبر فتثبَّتوا من خبره قبل تصديقه ونقله حتى تعرفوا صحته؛ خشية أن تصيبوا قومًا برآء بجناية منكم، فتندموا على ذلك.
التفسير الميسّر · الحجرات ٤٩:٦ · افتح الموضع
١٠ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍۢ
سورة القلم ٦٨:٤ · افتح الموضع
١١ … وإنك -أيها الرسول- لعلى خلق عظيم، وهو ما اشتمل عليه القرآن من مكارم الأخلاق؛ فقد كان امتثال القرآن سجية له يأتمر بأمره، وينتهي عما ينهى عنه.
التفسير الميسّر · القلم ٦٨:٤ · افتح الموضع
١٢ وفي إسناده اضطراب؛ لأن منهم من يجعله، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عباس، ومنهم من يجعله عن سعيد، عن أبي هريرة وأبي ذر، ومنهم من يرسله عن سعيد، والفضائل تروى عن كل أحد، والحجة من جهة الإسناد، إنما تتقصى في الأحكام وفي الحلال والحرام
ابن عبد البر · جامع بيان العلم وفضله ص١٨٦ · افتح الموضع
١٣ وحدُّ هذا التقسيم: أنّه يبيّن أنّ الخبر بابٌ للمعرفة في الجملة، ولا يبيّن أنّ خبرًا بعينه صحيح. والفرقُ بين البابين هو الفرقُ بين «الخبرُ يصلح مستندًا» و«هذا الخبرُ مستندٌ صالح» — والثانيةُ تُبحث خبرًا خبرًا، ولا يُغني عنها التقسيم.
٤. كيف نعرف أنّ شيئًا صحيح؟ · افتح الموضع
١٤ وطلبُ البرهان القاطع في كلّ شيءٍ ليس تشدّدًا في المنهج، بل هدمٌ له. لو لم تقبل إلا القاطع لسقط التاريخُ كلُّه، وأحكامُ القضاء كلُّها، وتشخيصاتُ الأطبّاء كلُّها. ولا أحدَ يعيش هكذا يومًا واحدًا.
٤. كيف نعرف أنّ شيئًا صحيح؟ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سقتَه أخبارٌ من الطبقة التي أطعن فيها: خبرُ جمع السنن نفسُه منقولٌ بالإسناد الذي تحاول إثباتَه، فأنت تُصحّح الميزانَ بالميزان. ثمّ إنّك انتقيتَ في ابن إسحاق بعينه: أخذتَ توثيقَ شعبةَ ورددتَ تكذيبَ مالكٍ وكلاهما إمام — فالكفّةُ تميل حيث تشاء، وهو عينُ ما اتّهمتُك به.
أمّا طلبُ ميزانٍ قاطعٍ من خارج الأخبار كلِّها فمِعوَلٌ لا منهج: «لو لم تقبل إلا القاطع لسقط التاريخُ كلُّه، وأحكامُ القضاء كلُّها، وتشخيصاتُ الأطبّاء كلُّها» ١٤. وأمّا الانتقاءُ في ابن إسحاق فسببُه مكتوبٌ على الصفحة لا مخبوءٌ عنك: مالكٌ سُئل من أين قال فأحال على هشام بن عروة، وهشامٌ عَلَّله بأنّه «يروي عن امرأتي ووالله ما رآها قط» — فرُدّ الجرحُ لأنّه «تقليد لا برهان عليه» ٧، والحكمُ في هذا ما قام دليلُه لا ما وافق. وسيفُك ذو الحدّين سبقك إليه أهلُه ونصّوا عليه: «والفضائل تروى عن كل أحد، والحجة من جهة الإسناد، إنما تتقصى في الأحكام وفي الحلال والحرام» ١٢ — فالطبقةُ المتساهلةُ لا تُثبت مدحًا ولا ذمًّا، وسقوطُها في الجهتين معًا مذهبُنا لا اعتراضُك. وما بقي لا يُحكم عليه بالجملة: «الخبرُ يصلح مستندًا» غيرُ «هذا الخبرُ مستندٌ صالح»، والثانيةُ «تُبحث خبرًا خبرًا» ١٣. فإن كان عندك خبرٌ بعينه في عمرها أو في رجلٍ عُذّب فهاتِه بإسناده يُنظر فيه؛ وأمّا أن تُقدَّم دعوى الطبقة مكانَ النظر في الخبر فذاك إعفاءٌ لنفسك من الميزان الذي تطالبنا به.