﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
عيسى وأهلُ الكتاب — أسئلةٌ تُسأل عن الإسلام
ألوهيّةُ المسيح والصلبُ والتثليثُ وتحريفُ الكتب، ومصيرُ الصالح من أهل الكتاب، وما يُساق من بشاراتٍ وأناجيلَ منحولةٍ ومن دور بولس.
١٥٤ سؤالًا · ١٬٧٣٢ نصًّا منقولًا بنسبته · ولـ٨٦ سؤالًا حديثٌ محقَّقٌ بحكمه.
-
لماذا يرفض القرآن أن يكون المسيح إلهًا أو ابنًا لله؟
لا، وليست دعوى القرآن أنّ عنده نسخةً أقدمَ من كلام المسيح ولا أنّه يُخطّئ شاهدًا رآه؛ دعواه أنّ ما استقرّ غلوٌّ من القوم في دينهم لا خبرٌ عن عيسى، وأنّه ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ ١ ٢. وحجّتُه ليست سندًا بل لزومًا: المولدُ الخارق لا يُنتج ألوهيّة، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ ٣ — «فآدم عليه السلام خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله» ٤. ولم يُقَل هذا في صحراء عن غائبين: نصارى نجران وفدوا المدينةَ يخاصمون فيه، فنزل تحدٍّ منشورٌ بالملاعنة ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ﴾ ٥، «فدعاهم إلى المباهلة، فكرهوا ملاعنته» وانصرفوا إلى الصلح ٦. والميزانُ طُبِّق على محمّدٍ نفسِه قبل خصمه: «لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه» ٧، وهي قاعدةٌ عامّة في كلّ معظَّم: «من عظم مخلوقا فوق منزلته التي يستحقها… فقد أشرك بالله» ٨. وموضعُ الحسم عنده شهادةُ عيسى نفسِه لا وثيقةٌ بيد أحد: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ ٩ — فمن اشترط مخطوطةً أقدمَ من مخطوطة خصمه لم يجدها ههنا، والسؤالُ عندئذٍ سؤالُ دعوى الوحي لا سؤالُ عدد الشهود ٢.
١ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ … وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ
سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
٢ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ
سورة التوبة ٩:٣٠ · افتح الموضع
٣ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ
سورة آل عمران ٣:٥٩ · افتح الموضع
٤ فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة؛ فآدم عليه السلام خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:٥٩ · افتح الموضع
٥ فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا۟ نَدْعُ أَبْنَآءَنَا وَأَبْنَآءَكُمْ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰذِبِينَ
سورة آل عمران ٣:٦١ · افتح الموضع
٦ فساروا حتى أتوه، فدعاهم إلى المباهلة، فكرهوا ملاعنته، وحكمه شرحبيل فحكم عليهم حكما، وكتب لهم كتابا
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٥٥٥ · افتح الموضع
٧ لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه. .
عمر بن الخطاب · البخاري · صحيح البخاري 3445 · صحيح
٨ أن من عظم مخلوقا فوق منزلته التي يستحقها، بحيث أخرجه عن منزلة العبودية المحضة، فقد أشرك بالله، وعبد مع الله غيره، وذلك مخالف لجميع دعوة الرسل.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٥٦٠ · افتح الموضع
٩ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ
سورة المائدة ٥:١١٧ · افتح الموضع
١٠ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ
سورة المائدة ٥:٧٣ · افتح الموضع
١١ لقد كفر من النصارى من قال … الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٧٣ · افتح الموضع
١٢ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ
سورة المائدة ٥:١١٦ · افتح الموضع
لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه. .
عمر بن الخطاب · البخاري · صحيح البخاري 3445 صحيح
مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ، أيَّها شاءَ. .
عبادة بن الصامت · البخاري · صحيح البخاري 3435 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا نقضٌ لعقيدةٍ لم تقُلها كنيسة. المائدة ١١٦ تسأل عيسى: أأنت قلت للناس اتّخذوني وأمّي إلهين من دون الله؟ — ولا نصرانيّةَ في الأرض جعلت مريمَ إلهًا. ومن أخطأ في وصف ما ينقضه فهو يتكلّم عن دينٍ سمع به لا عن دينٍ عرفه؛ فكيف يُصحّح من كان هناك؟
وصفُه للعقيدة ليس محصورًا في تلك الآية: التثليثُ مذكورٌ بلفظه في موضعين — ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ﴾ ١ و﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ﴾ ١٠ — والميسّر يفسّرها «الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس» ١١. والآيةُ التي احتججتَ بها سؤالٌ يوم القيامة لا تقريرُ عقيدة، وجوابُها في الآية نفسِها نفيٌ لا إثبات: ﴿قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ﴾ ١٢. ويبقى من اعتراضك ما لا يُدفع: أنّ هذا حكمٌ لا وثيقة — ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ تقريرٌ لا استدلالٌ بمخطوط ٢.
-
كيف ينفي القرآنُ الصلبَ وهو أوثقُ ما في تاريخ ذلك القرن؟
نعم، ينفيه نصًّا ولا يُوارب: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ١، ثمّ يقرّر بديلَه: ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٥. لكنّ المنفيَّ في سياقه قولُ القاتلين ودعواهم الظفر — ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا﴾ — والآيةُ نفسُها تصف حالَ المختلفين فيه بأنّها شكٌّ واتّباعُ ظنٍّ لا علم ١، وهو ما يشرحه التفسير الميسّر: مدّعو القتل «كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن» ٢. وأمّا كيفيّةُ التشبيه فلا يقرّرها القرآن، والتراثُ يرويها متعارضةً لا مقطوعًا بها: النحّاس يسوق ثلاثَ صورٍ مختلفةٍ بـ«رويت روايات» و«وقيل» و«وقد يكون» ٤، والزجّاج يفصل صراحةً بين المرويّ والمقطوع به: «وهذا كله غير ممتنع، لأنا لا نشك في أنه شبه لهم» ٣. فوصفُك للنصّ صحيح: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ خبرُ وحيٍ لا شهادةُ شاهد، والقرآنُ لا يزاحم المؤرِّخين على أرضهم بل يدّعي علمًا يقابل به استدلالَهم ويسمّيه ظنًّا ١. وهذا يضع المسألةَ حيث ينبغي أن تكون، وبمعيار الكتاب على نفسه: ممّا يُسقط دعوى الوحي «أن يقرّر خبرًا عن العالم يُكذّبه ما نعلمه يقينًا — لا فهمًا لنا عليه، بل خبرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه» ٦ — فالخلافُ كلُّه في كلمةٍ واحدة: أإجماعُ المؤرِّخين على واقعةٍ قبل ألفي عام «ما نعلمه يقينًا»، أم هو أقوى الظنون؟
١ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا ٱلْمَسِيحَ عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا
سورة النساء ٤:١٥٧ · افتح الموضع
٢ وبسبب قولهم -على سبيل التهكم والاستهزاء-: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب (قتلناه)، وما قتلوا عيسى وما صلبوه، بل صلبوا رجلا شبيهًا به ظنًّا منهم أنه عيسى. ومن ادَّعى قَتْلَهُ من اليهود، ومن أسلمه إليهم من النصارى، كلهم واقعون في شك وحَيْرَة، لا عِلْمَ لديهم إلا اتباع الظن، وما قتلوه متيقنين بل شاكين متوهمين.
التفسير الميسّر · النساء ٤:١٥٧ · افتح الموضع
٣ وجاء في التفسير أن عيسى لما أراد الله جل ثناؤه رفعه إليه وتطهيره منهم، قال لأصحابه؛ أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب ويدخل الجنة، فقال رجل منهم أنا فألقى عليه شبهه فقتل. ورفع الله عيسى إليه، وهذا كله غير ممتنع، لأنا لا نشك في أنه شبه لهم. … أي الذين اختلفوا في قتله شاكون، لأن بعضهم زعم أنه إله، وما قتل. وبعضهم ذكر إنه قتل، وهم في ذلك شاكون.
أبو إسحاق الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص١٢٧ · افتح الموضع
٤ رويت روايات في التشبيه الذي كان منها أن رؤساءهم لما فقدوا المسيح أخذوا رجلا فقتلوه ولبسوه ثيابا مثل ثياب المسيح وصلبوه على خشبة مرتفعة ومنعوا الناس من الدنو منه لئلا يفطن بهم ثم دفنوه ليلا، وقيل: كان المسيح صلى الله عليه وسلم محبوسا عند خليفة قيصر … وقد يكون آمن به وأطلقه فرفع وشبه عليهم بغيره ممن قد استحق القتل في حبسه، وقد يكون امتنع من قتله لما رأى من الآيات
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢٤٧ · افتح الموضع
٥ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٥٨ · افتح الموضع
٦ أن يقرّر خبرًا عن العالم يُكذّبه ما نعلمه يقينًا — لا فهمًا لنا عليه، بل خبرًا صريحًا لا يحتمل غيرَه.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٧ ونقرّ بصعوبتين: أنّ الشرطَ في الثانية والثالثة يفتح بابَ التأويل، ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل — وذاك عيبٌ في المعيار عندنا لا فضلٌ لنا. وأنّ كثيرًا من أهل الدعوى لا يقبلون صورةَ تكذيبٍ أصلًا، وهم بذلك خارج هذا المعيار كلِّه، ومن كان كذلك فليقل ذلك صراحةً وليعلم أنّ دعواه غيرُ مختبَرةٍ بهذه الأداة.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا نقلٌ للسؤال لا جوابٌ عنه. لا شيءَ في تاريخ القدماء يبلغ «اليقين» بالمعنى الذي تشترطه، فإن اشترطتَه فقد حصّنتَ نصَّك بالبناء: لا خبرَ تاريخيٌّ يمكن أن يكذّبه أبدًا، ويصير معيارُك الثالث حرفًا ميّتًا — وهو بعينه العيبُ الذي وُضع المعيارُ ليكشفه. ثمّ إنّك أقررتَ أنّ روايات التشبيه متعارضة، فأنت تنقض المتواترَ بنفيٍ مجرَّدٍ لا آليةَ له.
الاعتراضُ يصيب، والكتابُ يقرّ به قبل أن تقوله: «أنّ الشرطَ في الثانية والثالثة يفتح بابَ التأويل، ومن شاء أن يتأوّل لم يُعوزه سبيل — وذاك عيبٌ في المعيار عندنا لا فضلٌ لنا» ٧. فلا أبيعك ههنا حسمًا لا أملكه، ولا أدّعي أنّ تعارضَ روايات التشبيه حجّةٌ لي — بل هو شاهدٌ عليها: الزجّاج يسوق روايةَ الفداء ثمّ يردّها إلى قدرها بـ«غير ممتنع» ولا يقطع إلا بما في النصّ ٣، والنحّاس يجمع ثلاثًا متنافية ٤، فالكيفيّةُ عندنا لا شيء، والدعوى محصورةٌ في النفي والرفع ١ ٥. والذي يبقى بعد الإقرار أنّ الآية لم تكتفِ بالنفي: أضافت خبرًا عن حال الخصوم أنفسِهم — ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُوا۟ فِيهِ لَفِى شَكٍّۢ مِّنْهُ﴾ ١ — فسّره الزجّاج بأنّ الاختلافَ في القتل نفسِه: «بعضهم زعم أنه إله، وما قتل. وبعضهم ذكر إنه قتل، وهم في ذلك شاكون» ٣. وهذا خبرٌ صريحٌ عن العالم يقبل أن يظهر خلافُه، فهو داخلٌ في الميزان لا محصَّنٌ عنه ٦ — وموضعُ الفصل فيه كتبُ التاريخ لا هذه الصفحة.
-
لماذا نصدّق آخرَ كتابٍ ونكذّب ما قبله؟ ولو جاء بعد القرآن كتابٌ فهل نتركه له؟
لا؛ وليست القاعدةُ عندنا «الأحدثُ ينسخ الأقدم» في شيء: المطلوبُ برهانٌ يُقام، يُطلب من كلّ أمّةٍ بلا استثناء ﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ﴾ ١، ثمّ يُوجَّه إلى صاحب الدعوى نفسِه فيضع شرطَ نقضه بيده ﴿فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ﴾ ٢. وحجّتُه لم تكن يومًا أنّه الآخِر: عبدُ القاهر يسوق دعواه — وفيها الخاتميّةُ نفسُها — ثمّ يسوق حجّتَها فإذا هي التحدّي وحدَه ٣. وأمّا شقُّك الثاني فجوابُه مؤرَّخٌ قبل مرمونَ وبهاءَ بأكثرَ من ألف سنة: ﴿وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ﴾ ٤ «فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة» ٥، ومعه خبرٌ صحيحٌ يعُدّ المدّعين بعده ثلاثين ويردُّهم سلفًا ٦. فالفرقُ الذي تسأل عنه ليس في الأحدثيّة بل في زمن وضع الميزان: «إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة» ٧. وقولُنا ليس ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا﴾ — ذاك حصرٌ، وقولُنا ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ﴾ ٨ — وردُّ القرآن على دعوى الحصر ليس «نحن أحدث» بل امتحانُها بميزان صاحبها ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ ٩. وأصرحُ من ذلك كلِّه أنّ النصَّ يُعلن اتّباعَ سواه لو أُقيم ﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبٍۢ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ﴾ ١٠ — أقومَ من التوراة والقرآن ١١.
١ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۢ شَهِيدًۭا فَقُلْنَا هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ فَعَلِمُوٓا۟ أَنَّ ٱلْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَفْتَرُونَ
سورة القصص ٢٨:٧٥ · افتح الموضع
٢ وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍۢ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا۟ بِسُورَةٍۢ مِّن مِّثْلِهِۦ وَٱدْعُوا۟ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة البقرة ٢:٢٣ · افتح الموضع
٣ وأنه خاتم النبيين، وأنه لا نبي بعده، إلى سائر ما صدع به صلى الله عليه وسلم … ثم يقول: "وحجتي أن الله تعالى قد أنزل على كتابا عربيا مبينا، تعرفون ألفاظه، وتفهومون معانيه، إلا أنكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله، ولا بعشر سور منه، ولا بسورة واحدة، ولو جهدتم جهدكم، واجتمع معكم الجن والإنس"
عبد القاهر الجرجاني · دلائل الإعجاز في علم المعاني ص٥٧٨ · افتح الموضع
٤ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍۢ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّۦنَ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٤٠ · افتح الموضع
٥ ما كان محمد أبًا لأحد من رجالكم، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين، فلا نبوة بعده إلى يوم القيامة. وكان الله بكل شيء من أعمالكم عليمًا، لا يخفى عليه شيء.
التفسير الميسّر — سورة الأحزاب ٣٣:٤٠ · افتح الموضع
٦ لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَلحقَ قبائلُ من أمَّتي بالمشرِكينَ ، وحتَّى يعبُدوا الأوثانَ ، وإنَّهُ سيَكونُ في أمَّتي ثلاثونَ كذَّابونَ كلُّهم يزعمُ : أنَّهُ نبيٌّ ، وأَنا خاتمُ النَّبيِّينَ لاَ نبيَّ بَعدي .
ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم · الألباني · صحيح الترمذي 2219 · صحيح
٧ ١. لا تُفصِّل معيارًا على مقاس دعوًى بعينها. إن كان المعيار لا يخطر لك إلا بعد أن تعرف الجواب المطلوب، فهو نتيجةٌ لبست ثوبَ مقدّمة.
٢٢. معايير اختبار دعوى الوحي · افتح الموضع
٨ قُولُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا … لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍۢ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُۥ مُسْلِمُونَ
سورة البقرة ٢:١٣٦ · افتح الموضع
٩ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
سورة البقرة ٢:٩١ · افتح الموضع
١٠ قُلْ فَأْتُوا۟ بِكِتَٰبٍۢ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة القصص ٢٨:٤٩ · افتح الموضع
١١ قل -أيها الرسول- لهؤلاء: فأتوا بكتاب من عند الله هو أقوم من التوراة والقرآن أتبعه، إن كنتم صادقين في زعمكم.
التفسير الميسّر — سورة القصص ٢٨:٤٩ · افتح الموضع
١٢ ولماذا قلتُ إنّه علينا؟ لأنّه يحرّم على المؤمن أسهلَ حركةٍ في يده: أن يعيد تأويلَ كلّ ما خالفه فيصير الخلافُ موافقة. … والمعيارُ يقول: من فعل ذلك لم يخسر جولةً، بل خسر حقَّه في أن يُوزَن أصلًا.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٣ وههنا شرطي أنا، صريحًا كما طلبتَ: لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل — من جهةٍ أكاديميّةٍ لا تخاصمنا ولا تنصرنا — نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات، لا في النقط والإعجام ورسم الألف، خلافًا لا تردّه قراءةٌ معروفةٌ منقولةٌ بسندها — لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها. هذا شرطٌ مفتوحٌ اليوم
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٤ كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 · صحيح
١٥ وسألتَ: وماذا لو اجتاز أكثرُ من واحد؟ فأقول: لا شيء. هذه المصفاةُ لا ترتّب الناجين، وليس عندي في هذه الرسالة معيارُ ترجيحٍ بعد النجاة.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 صحيح
لاَ تقومُ السَّاعةُ حتَّى تَلحقَ قبائلُ من أمَّتي بالمشرِكينَ ، وحتَّى يعبُدوا الأوثانَ ، وإنَّهُ سيَكونُ في أمَّتي ثلاثونَ كذَّابونَ كلُّهم يزعمُ : أنَّهُ نبيٌّ ، وأَنا خاتمُ النَّبيِّينَ لاَ نبيَّ بَعدي .
ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم · الألباني · صحيح الترمذي 2219 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
الخاتميّةُ ليست ميزانًا بل قفلًا: كتابٌ يعلن أنّه الأخير هو بعينه ما يكتبه من أراد أن يُغلق البابَ خلفه، وشرطٌ لا يمكن أن يقع إلا بعد موت صاحبه لا يكلّفه شيئًا. وخبرُ «ثلاثين كذّابًا» أسوأ منه: يبتلع كلَّ ما قد يقع، فمن ادّعى النبوّة بعده صار شاهدًا للنبوءة لا ناقضًا لها — وهذه بلغتكم أنتم دعوى تبتلع كلَّ نتيجةٍ محتملة، وذاك عيبُها لا فضلُها.
الخاتميّةُ التزامٌ يُخسر به لا قفلٌ يُربح به، وهي مِصداقُ القاعدة التي يكتبها صاحبُ الميزان على نفسه: «يحرّم على المؤمن أسهلَ حركةٍ في يده: أن يعيد تأويلَ كلّ ما خالفه فيصير الخلافُ موافقة» ١٢. ثمّ إنّ شرطَ النقض المعلَن ليس هي، بل شرطٌ يقع في حياة صاحبه ومفتوحٌ اليوم: «لو نُشر من مصاحف القرن الأوّل … نصٌّ يخالف المصحفَ الذي بأيدينا خلافًا في الكلمات … لكانت دعوى الحفظ كما تُقال اليومَ باطلة، ولقلتُها» ١٣. والميزانُ يعمل علينا حيث لا يعمل قفل: أُمرنا ألّا نصدّق أهلَ الكتاب فيما يحدّثون ولا نكذّبهم، ونُردَّ إلى الآية التي تقدّمت ١٤. ونقرّ بما يبقى عليك ولا نطويه: هذا كلُّه يُسقط ولا يرفع، وصاحبُ الميزان يقولها بلفظه — «هذه المصفاةُ لا ترتّب الناجين، وليس عندي في هذه الرسالة معيارُ ترجيحٍ بعد النجاة» ١٥.
-
ما حدُّ دعوى التحريف في القرآن نفسِه: أمحرَّفُ اللفظِ هو أم محرَّفُ الفهم؟
السؤالُ يفترض أنّ «التحريف» عندنا محوٌ للنصّ، والقرآنُ لا يقول ذلك: هو يسمّي فعلين مختلفين بلفظين مختلفين — ﴿يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ فعلٌ يقع بعد السماع والفهم ١، و﴿يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ فعلٌ يقع بالأيدي ٢. والتفسيرُ الميسّر يجمع الوجهين في الأولى صراحةً: التحريفُ «بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح … أو بتحريف ألفاظه» ٣ — فالدعوى تشملهما، ولا تُختزل في أحدهما. وقد افترق المفسّرون على هذا بعينه: النحّاسُ يحدُّها فيقول «ومعنى يحرفون يتأولون على غير تأويله»، ويقيّدها بأنّهم «ليس يحرفون جميع الكلام» ٤، وابنُ قتيبة يمدُّها إلى النصّ فيقول في ﴿يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾: «أي يزيدون في كتب الله ما ليس منها» ٥. وأمّا ﴿فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ﴾ ٦ فليست مناقضةً لشيء، لأنّ الآياتِ نفسَها تجعل التوراةَ قائمةً في أيديهم يومَ الخطاب: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ﴾ ٧ — فالأمرُ بالحكم بها أمرٌ بكتابٍ حاضرٍ لا بكتابٍ مفقود. والتهمةُ في موضعٍ ثالثٍ كتمانٌ لا محو: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ ٨ — وهذا هو الذي يجمع الشطرين اللذين ظننتَهما متناقضين: نصٌّ قائمٌ يُخفى بعضُه، لا نصٌّ زائل. ولذلك كانت القاعدةُ العمليّةُ المرويّةُ عن النبيّ توقُّفًا لا إبطالًا: «لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم» ٩.
١ ۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا۟ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
سورة البقرة ٢:٧٥ · افتح الموضع
٢ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا ۖ فَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌۭ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ
سورة البقرة ٢:٧٩ · افتح الموضع
٣ أيها المسلمون أنسيتم أفعال بني إسرائيل، فطمعت نفوسكم أن يصدِّق اليهودُ بدينكم؟ وقد كان علماؤهم يسمعون كلام الله من التوراة، ثم يحرفونه بِصَرْفِه إلى غير معناه الصحيح بعد ما عقلوا حقيقته، أو بتحريف ألفاظه، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام رب العالمين عمدًا وكذبًا.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٧٥ · افتح الموضع
٤ … قال أبو جعفر: والكلم في هذا أولى لأنهم إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام. ومعنى يحرفون يتأولون على غير تأويله وذمهم الله جل وعز بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢١٦ · افتح الموضع
٥ {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله} أي يزيدون في كتب الله ما ليس منها؛ لينالوا بذلك غرضا حقيرا من الدنيا.
ابن قتيبة · غريب القرآن ص٥٥ · افتح الموضع
٦ إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَىٰةَ فِيهَا هُدًۭى وَنُورٌۭ ۚ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُوا۟ لِلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلْأَحْبَارُ بِمَا ٱسْتُحْفِظُوا۟ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُوا۟ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ …
سورة المائدة ٥:٤٤ · افتح الموضع
٧ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوْرَىٰةُ فِيهَا حُكْمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَآ أُو۟لَٰٓئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ
سورة المائدة ٥:٤٣ · افتح الموضع
٨ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ
سورة المائدة ٥:١٥ · افتح الموضع
٩ كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 · صحيح
١٠ أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: كيفَ تَسألونَ أهلَ الكِتابِ عن شيءٍ وكِتابُكُمُ الذي أُنزِلَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَثُ، تَقرَؤونَه مَحضًا لَم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُم أنَّ أهلَ الكِتابِ بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ، وقالوا: هو مِن عِندِ اللهِ ليَشتَروا به ثَمَنًا قَليلًا؟ ألا يَنهاكُم ما جاءَكُم مِنَ العِلمِ عن مَسألَتِهم؟ لا واللهِ ما رَأينا منهم رَجُلًا يَسألُكُم عَنِ الذي أُنزِلَ علَيكُم. .
عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود · البخاري · صحيح البخاري 7363 · صحيح
١١ … ولسنا على يقين مما يدعيه اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل؛ لأن الله قد أخبرنا في كتابه عنهم أنهم يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون.
ابن عبد البرّ · جامع بيان العلم وفضله ص١٧١٠ · افتح الموضع
١٢ ثبت في " الصحيحين " و " المسانيد ": «أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم "؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما»
ابن القيّم · زاد المعاد ص٣١ · افتح الموضع
كان أهلُ الكِتابِ يَقرَؤونَ التَّوراةَ بالعِبرانيَّةِ، ويُفَسِّرونَها بالعَرَبيَّةِ لأهلِ الإسلامِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم، وقولوا: {آمَنَّا باللهِ وما أُنزِلَ} [البقرة: 136] الآيةَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 7542 صحيح
أنَّ ابنَ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: كيفَ تَسألونَ أهلَ الكِتابِ عن شيءٍ وكِتابُكُمُ الذي أُنزِلَ على رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أحدَثُ، تَقرَؤونَه مَحضًا لَم يُشَبْ، وقد حَدَّثَكُم أنَّ أهلَ الكِتابِ بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ، وقالوا: هو مِن عِندِ اللهِ ليَشتَروا به ثَمَنًا قَليلًا؟ ألا يَنهاكُم ما جاءَكُم مِنَ العِلمِ عن مَسألَتِهم؟ لا واللهِ ما رَأينا منهم رَجُلًا يَسألُكُم عَنِ الذي أُنزِلَ علَيكُم. .
عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود · البخاري · صحيح البخاري 7363 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا تلطيفٌ متأخِّرٌ يُقال لنا ولا يُقال في بيوتكم. فابنُ عبّاس — في البخاريّ نفسِه — يقول مطلقًا بلا تفصيلٍ بين لفظٍ ومعنى: «بَدَّلوا كِتابَ اللهِ وغَيَّروه، وكَتَبوا بأيديهمُ الكِتابَ»؛ وابنُ عبد البرّ يبني عليه فيقطع: «ولسنا على يقين مما يدعيه اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل». فالسائدُ في تراثكم هو التحريفُ الشامل، و«تحريفُ المعنى» مخرجٌ اختُرع حين احتجتم إلى ما في كتابنا من بشارة.
شطرُك الأوّلُ صحيحٌ ولا أُنكره: القولُ الشديدُ في مصادرنا لا في أفواه خصومنا — ابنُ عبّاس يقوله في البخاريّ ١٠، وابنُ عبد البرّ يبني عليه امتناعًا عن اليقين ١١، وقد نقلتَه بحروفه. وشطرُك الثاني يسقط: فالكتابُ الذي حمل قولَ ابن عبّاس هو الذي حمل نصَّ النبيّ «لا تُصَدِّقوا أهلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبوهم» ٩ — ولو كان الحكمُ محوًا شاملًا لكان النهيُ عن التكذيب لغوًا. والفاصلُ واقعةٌ لا مقالة: لمّا طلب النبيُّ حكمَ التوراة في الرجم «فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم» ١٢ — فالمشكلةُ في هذه الرواية يدٌ على سطر، والسطرُ في مكانه.
-
أيدخل النارَ من مات على غير الإسلام وإن كان صالحًا؟ وما موضع «إنّ الذين آمنوا والذين هادوا»؟
الأمرُ على خلاف ما قيل لك، وأبدأ بأنّ سؤالك سُئل حرفيًّا: قصّ سلمانُ على النبيّ خبرَ رهبانٍ عبّادٍ ماتوا قبل أن يسمعوا به، فقال «هم في النار»، فأظلمت على سلمان الأرض — ثمّ نزل القرآنُ فقال غيرَ ذلك، فقال سلمان «فكأنما كشف عني جبل» ١. والنازلُ ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ٢. والقاعدةُ تحته منصوصةٌ لا مستنبطة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ ٤ — «ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب» ٥ — وقرّرها الطحاويُّ حكمًا فقهيًّا: من لم تبلغه الدعوةُ «ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره» فـ«الفرض في ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه» ٦. ولا أُخفي عليك الشقَّ الثقيل: التفسيرُ الميسّر يقصر آيةَ البقرة على ما قبل البعثة ويقول إنّه بعدها «فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام» ٣ — فالنزاعُ في مدى تلك الآية، لا في شرط العذاب. فالذي أملك أن أعطيك معيارٌ لا حكمٌ على جدّتك بعينها: أبلغتها الدعوةُ بلاغًا يُمكن معه الاستعلام، أم بلغها سبٌّ في شاشة ٦؛ وفي المنقول أنّ من لم تُقم عليه الحجّةُ يُمتحن يوم القيامة — «واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار» قالها ابنُ القيّم في أطفال المشركين ٨.
١ لما قص سلمان على النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة أصحاب الدير قال: "هم في النار" قال سلمان: فأظلمت علي الأرض فنزلت: {إن الذين آمنوا والذين هادوا} إلى قوله: {يحزنون} قال: فكأنما كشف عني جبل.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٢٣ · افتح الموضع
٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱلَّذِينَ هَادُوا۟ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًۭا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
سورة البقرة ٢:٦٢ · افتح الموضع
٣ إن المؤمنين من هذه الأمة، الذين صدَّقوا بالله ورسله، وعملوا بشرعه، والذين كانوا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم من الأمم السالفة من اليهود، والنصارى، والصابئين … هؤلاء جميعًا إذا صدَّقوا بالله تصديقًا صحيحًا خالصًا، وبيوم البعث والجزاء، وعملوا عملا مرضيًا عند الله، فثوابهم ثابت لهم عند ربهم … وأما بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين والمرسلين إلى الناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينًا غير ما جاء به، وهو الإسلام.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٦٢ · افتح الموضع
٤ مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِۦ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا
سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٥ من اهتدى فاتبع طريق الحق فإنما يعود ثواب ذلك عليه وحده، ومن حاد واتبع طريق الباطل فإنما يعود عقاب ذلك عليه وحده، ولا تحمل نفس مذنبة إثم نفس مذنبة أخرى. ولا يعذب الله أحدًا إلا بعد إقامة الحجة عليه بإرسال الرسل وإنزال الكتب.
التفسير الميسّر · سورة الإسراء ١٧:١٥ · افتح الموضع
٦ ففي هذا دليل أن من لم يعلم بفرض الله عز وجل، ولم تبلغه الدعوة، ولم يمكنه استعلام ذلك من غيره أن الفرض في ذلك غير لازم له، وأن الحجة فيه غير قائمة عليه وأنه إنما يجب عليه الفرض في ذلك حين يعلمه، ويقوم عليه الحجة حين يمكنه استعلامه
الطحاوي · أحكام القرآن الكريم ص٢٧٧ · افتح الموضع
٧ عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما {إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين} الآية. قال: فأنزل الله تعالى بعد هذه الآية {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص١٨٢ · افتح الموضع
٨ «وسئل - صلى الله عليه وسلم - عمن يموت من أطفال المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين» وليس هذا قولا بالتوقف كما ظنه بعضهم … كما صرحت به سائر الأحاديث واتفق عليه أهل الحديث أنهم يمتحنون يوم القيامة؛ فمن أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار.
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٢٠٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا انتقاء. الآيةُ التي تتعلّق بها منسوخة، ورواه ابنُ عبّاسٍ نفسُه: أُنزلت بعدها «ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه». فأنت تسوق لي آيةً أبطلها القرآنُ بعدها وتسمّي ذلك جوابًا — وجدّتي، بعد كلّ هذا الكلام، في النار.
المرويُّ ثابتٌ وأُثبته بنصّه لا بتلطيفه: ابنُ عبّاس «قال: فأنزل الله تعالى بعد هذه الآية {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}» ٧. لكنّ المرويَّ يتناول آيةَ البقرة وحدَها ولا يذكر ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًۭا﴾ في شيء ٧. وشرطُ قَبول الدين مسألةٌ، وشرطُ استحقاق العذاب مسألةٌ أخرى: الثاني منصوصٌ أنّه بعثةُ رسولٍ وقيامُ حجّة ٤٥، ومقرَّرٌ عند الطحاويّ أنّ من لم يعلم ولم تبلغه الدعوةُ ولم يمكنه الاستعلامُ فالحجّةُ «غير قائمة عليه» ٦. فمن ساق الناسخَ وسكت عن هذا فقد أجاب عن نصف السؤال.
-
أيفهم القرآنُ التثليثَ أصلًا؟ نحن لا نقول إنّ مريمَ إله.
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الآيةُ التي تتكلّم على «الثلاثة» ليست ٥:١١٦ بل ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ﴾ ١، ومعناها في العربية «أحد ثلاثة» ٢، ويعيّنها التفسيرُ الميسّر بحروفه: «الأب، والابن، وروح القدس» ٣ — وهي الثلاثةُ التي يقولها المعترضُ نفسُه. وأمّا ﴿ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ﴾ ٤ فليست تقريرًا لعقيدةٍ قائمة: هي سؤالٌ يُوجَّه إلى عيسى يومَ القيامة ٥، وصيغتُها عند أهل التفسير صيغةُ التبكيت نفسُها التي يُسأل بها الملائكةُ ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا۟ يَعْبُدُونَ﴾ ٦ — والملائكةُ لم تدَّعِ ألوهيةً قطُّ. وقد قرأها المفسِّرون على أنّ المعبودَ فيها عيسى وحدَه: «وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم» ٧. وليس في التراث جهلٌ بالثالوث: يُنقل عن الملكانيّة بلفظها «إن الله اسم يجمع أبا وابنا وروح القدس اختلفت بالأقانيم والذات واحدة» ٨، ويُنسب قولُ «إن الله هو المسيح ابن مريم» إلى اليعقوبيّة بعينها ٩ لا إلى النصارى جملةً — ولفظُ ٥:٧٣ نفسُه تبعيضيّ: ﴿لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ﴾ ١.
١ لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٍۢ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا۟ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
سورة المائدة ٥:٧٣ · افتح الموضع
٢ قوله تعالى: (ثالث ثلاثة) : أي أحد ثلاثة، ولا يجوز في مثل هذا إلا الإضافة.
أبو البقاء العكبري · التبيان في إعراب القرآن ص٤٥٢ · افتح الموضع
٣ لقد كفر من النصارى من قال: إنَّ الله مجموع ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، وروح القدس. أما عَلِمَ هؤلاء النصارى أنه ليس للناس سوى معبود واحد، لم يلد ولم يولد
التفسير الميسّر — سورة المائدة ٥:٧٣ · افتح الموضع
٤ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ
سورة المائدة ٥:١١٦ · افتح الموضع
٥ واذكر إذ قال الله تعالى يوم القيامة: يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اجعلوني وأمي معبودين من دون الله؟ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى-: ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق.
التفسير الميسّر — سورة المائدة ٥:١١٦ · افتح الموضع
٦ ويوم يحشرهم جميعا على الحال ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قال سعيد عن قتادة هذا استفهام مثل قوله جل وعز لعيسى عليه السلام: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين [المائدة: 116] . قال أبو جعفر: والمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢٤٠ · افتح الموضع
٧ وقوله تعالى: {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} وإنما المتخذ إلها عيسى دون مريم فهو من باب"والنجوم الطوالع" قاله أبو الحسن وحكاه عنه ابن جني في كتاب "القد"
بدر الدين الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٤ · افتح الموضع
٨ فقالت اليعقوبية إن الله تعالى ربما تجلى في بعض الأزمان في شخص فتجلى يومئذ في شخص عيسى فظهرت منه المعجزات وقالت الملكية إن الله اسم يجمع أبا وابنا وروح القدس اختلفت بالأقانيم والذات واحدة فأخبر الله عز وجل أنهم كلهم كفار
محمود بن حمزة الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص١٠٣ · افتح الموضع
٩ لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وهذا قول اليعقوبية «3» فرد الله جل وعز ذلك عليهم بحجة قاطعة مما يقرون به فقال وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم أي إذا كان المسيح يقول: يا رب ويا الله فكيف يدعو نفسه أم كيف يسألها هذا محال.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢٧٦ · افتح الموضع
١٠ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ
سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
١١ … ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين. انتهوا عن هذه المقالة خيرًا لكم مما أنتم عليه، إنما الله إله واحد سبحانه.
التفسير الميسّر — سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
١٢ لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه. .
عمر بن الخطاب · البخاري · صحيح البخاري 3445 · صحيح
١٣ ۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
سورة آل عمران ٣:١١٣ · افتح الموضع
لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورَسولُه. .
عمر بن الخطاب · البخاري · صحيح البخاري 3445 صحيح
مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ، أيَّها شاءَ. .
عبادة بن الصامت · البخاري · صحيح البخاري 3435 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
إن كانت ﴿ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ﴾ ليست وصفًا لعقيدة، فلماذا يفسّرها تفسيرُكم المعتمَدُ نفسُه على أنّها هي؟ التفسيرُ الميسّر على ٤:١٧١ يقول بحروفه: «ولا تجعلوا عيسى وأمه مع الله شريكين» — أي إنّ «الثلاثة» عندكم هي اللهُ وعيسى ومريم. فأنتم لا تقرؤون القرآن، بل تنتقون من تفاسيركم ما ينجو من الاعتراض وتَدَعون ما يقع فيه.
الاعتراضُ يصيب المفسِّرَ لا النصّ، ولا نطويه: لفظُ القرآن في ٤:١٧١ ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ﴾ ١٠ لا يسمّي الثلاثةَ أصلًا، وحيث سمّاها الميسّرُ على ٥:٧٣ سمّاها «الأب، والابن، وروح القدس» ٣، وسمّاها على ٤:١٧١ «عيسى وأمه» ١١ — فالتناقضُ في كتب التفسير لا في المتن، وقد نقلتُ الوجهين معًا. والزركشيُّ ناقلًا عن أبي الحسن يردّ الوجهَ الثاني صراحةً في ٥:١١٦ ٧. والذي يحاكمه النصُّ في الموضعين واحد — تأليهُ المسيح — وهو ما يقوله الحديثُ بلفظه: «لا تُطروني كما أطرَتِ النَّصارى ابنَ مَريَمَ؛ فإنَّما أنا عَبدُه» ١٢. ثمّ إنّ الخطابَ لا يعمّم على الكنائس: ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ﴾ ١٣.
-
أين محمّدٌ في الكتاب المقدَّس؟ وما «الفارقليط» و﴿ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ﴾؟
الأمرُ على خلاف ما يقوم عليه السؤال في شقّيه. أوّلًا، القرآنُ لا يدّعي سطرًا فيه عَلَم، بل ﴿يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ ١، ويقرؤها التفسيرُ الميسّر «يجدون صفته وأمره مكتوبَيْن عندهم في التوراة والإنجيل» ٢ — صفةً وأمرًا. وأقدمُ ما ساقه المسلمون من هذا الصنف خبرٌ في صحيح البخاريّ أنّ عبد الله بن عمرٍو قرأ في التوراة صفةَ النبيّ: «عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح» ٣ — وهو خبرُ قارئٍ عن نسخةٍ قرأها، يُعرَض ليُقابَل لا ليُملى. وأمّا ﴿ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ﴾ فقولٌ ينسبه القرآنُ إلى عيسى ٤ ويجعله الميسّرُ شهادةً منه «بصدق رسول يأتي من بعدي» ٥: أي دعوى القرآن على الإنجيل، لا اقتباسًا من نسخةٍ بأيدينا. وثانيًا، «إمّا حجّةٌ وإمّا لا» يسقط لأنّ حدَّ الدعوى كتمانٌ وتبديلُ مواضعَ لا إعدامُ نصّ: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ ٦ — والمخفيُّ قائمٌ وإلا لم يكن مخفيًّا؛ ولذلك يحيل القرآنُ إلى النسخة التي بأيديهم: ﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾ ٧. وفعلها النبيُّ نفسُه: سأل «ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟» فنُشرت، ووضع أحدُهم يده على الآية، فلمّا رُفعت اليدُ إذا هي فيها فحكم بها ٨ — كفٌّ على سطرٍ قائمٍ لا محوٌ له، وذاك حدُّ ما نقول.
١ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ
سورة الأعراف ٧:١٥٧ · افتح الموضع
٢ الذي يجدون صفته وأمره مكتوبَيْن عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم بالتوحيد والطاعة وكل ما عرف حُسْنه، وينهاهم عن الشرك والمعصية وكل ما عرف قُبْحه
التفسير الميسّر · الأعراف ٧:١٥٧ · افتح الموضع
٣ وأما اسمه المتوكل، ففي صحيح البخاري عن (عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله)
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٩٠ · افتح الموضع
٤ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَىٰةِ وَمُبَشِّرًۢا بِرَسُولٍۢ يَأْتِى مِنۢ بَعْدِى ٱسْمُهُۥٓ أَحْمَدُ
سورة الصف ٦١:٦ · افتح الموضع
٥ حين قال عيسى ابن مريم لقومه: إني رسول الله إليكم، مصدِّقًا لما جاء قبلي من التوراة، وشاهدًا بصدق رسول يأتي من بعدي اسمه "أحمد"، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وداعيًا إلى التصديق به
التفسير الميسّر · الصف ٦١:٦ · افتح الموضع
٦ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ
سورة المائدة ٥:١٥ · افتح الموضع
٧ قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة آل عمران ٣:٩٣ · افتح الموضع
٨ ثبت في " الصحيحين " و " المسانيد ": «أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم "؟ قالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم، فقالوا: صدق يا محمد، إن فيها الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما»
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣١ · افتح الموضع
٩ لأن الأولى نزلت في اليهود حين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم من التوراة والنصارى حين كتموا بشارة عيسى بمحمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل وهو قوله {يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب}
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص١٠٠ · افتح الموضع
١٠ وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب، مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه: إن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده، ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده، والذي غر أصحاب هذا القول أن في التوراة التي بأيديهم: اذبح ابنك إسحاق، قال: وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٧٠ · افتح الموضع
١١ وَأَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًۭا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ
سورة المائدة ٥:٤٨ · افتح الموضع
١٢ وكل ما فيه حقّ يشهد على صدق الكتب قبله، وأنها من عند الله، مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٤٨ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
دَورٌ لا دليل. الصفةُ التي تسوقونها من كتبكم أنتم لا من مخطوطةٍ عندهم، فأنتم تحتجّون بروايتكم على نصّهم ثمّ تسمّونه شاهدًا. وقصّةُ الرجم عليكم لا لكم: ذاك سطرُ حدٍّ نُشر بين يدي الخصم فرآه الحاضرون، فأين مثلُ ذلك المجلس لصفة نبيّكم؟ ثمّ قاعدتُكم «ما وافقنا صحيحٌ وما خالفنا محرَّف» تجعل الكتابَ شاهدًا لا يشهد إلا بما تريدون. وأمّا الفارقليطُ فالنصُّ يفسّر نفسَه: روحُ الحقّ يحلّ في التلاميذ، ولا يأكل ولا يتزوّج ولا يقاتل.
ثالثتُك صحيحةٌ وأُقرُّ بها بلا تلطيف: القاعدةُ معلَنةٌ لا مستورة — ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ ١١، ويقرؤها الميسّرُ «مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف» ١٢ — فالقرآنُ يجعل نفسَه الحَكَم، ومن لم يسلّم له لم يلزمه شيء؛ وهي مصادرةٌ ظاهرةٌ لا نستُرها، وإنما فائدتُها أنّ المعيار مكتوبٌ يُحاسَب عليه لا مضمَرٌ يُطوَّع عند كلّ نازلة. وأولاك لا تقوم: القرآنُ يحيلكم إلى نسختكم أنتم لا إلى روايتنا ﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ﴾ ٧، والنبيُّ في الرجم لم يحتجّ بخبرٍ عنده بل قال «ما تجدون في التوراة» وأمر بنشرها ٨. وثانيتُك أصدقُ ما في اعتراضك وأُسلّمها: خبرُ ابن عمرٍو قراءةُ رجلٍ لنسخةٍ ٣، لا مجلسٌ نُشر فيه السِّفرُ بين يدي الخصم كما نُشر في الرجم ٨ — فليسا في القوّة سواء. غير أنّ الرجمَ نفسَه لم يظهر إلا بعد أن وُضعت يدٌ على سطره ثمّ رُفعت ٨، والدعوى في الصفة هي هذه الدعوى بعينها، وقد جمعهما القدماءُ في جملةٍ واحدة: «كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم من التوراة» ٩. وحدُّ ما يُدَّعى موضعيٌّ يُنقض بالنصّ لا حكمٌ عامٌّ يُعفي من الدليل: قال ابن تيمية في دعوى أنّ الذبيح إسحاق إنّها «باطل بنص كتابهم… وهذه الزيادة من تحريفهم وكذبهم لأنها تناقض قوله: اذبح بكرك ووحيدك» ١٠ — احتجاجٌ بكتابهم على موضعٍ منه بتناقض النصّ مع نفسه، وهو الصنفُ الذي تطلبه.
-
لماذا في القرآن «قردة وخنازير» و﴿شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ و«أشدّ الناس عداوة»؟
لا؛ حكمُ المسخ خبرٌ عن واقعةٍ لها فاعلوها وزمانُها، لا وصفٌ لدمٍ ولا نسل. لفظُ الآية ﴿ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ﴾ — «الذين اعتدوا منكم»، لا «أنتم» ١، والتفسيرُ الميسّر يجعله في «أسلافكم من أهل القرية التي عصت الله» ويسمّي سببَه: الاحتيالَ على صيد السبت ٢. وفي المائدة ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ﴾ — «منهم» لا «هم» ٣ — والميسّرُ: «إنهم أسلافهم… بعصيانهم وافترائهم وتكبرهم»، فالعللُ أفعالٌ تُكتسب ٤. و﴿شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ ليست في يهودَ بما هم يهود: نصُّها ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ﴾ ٥، ويليها في السطر التالي ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ﴾ — فالمِلاكُ بابٌ يُدخَل ويُخرَج منه، لا نسبٌ يُولَد به ٦. والتعميمُ ممنوعٌ بلفظ القرآن نفسِه: ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ﴾ ٧، وقيل لبني إسرائيل في أسلافهم بعينهم ﴿وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾ ٨ وتفسيرُها: «لا يؤاخذ أحد بذنب أحد» ٩.
١ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا۟ مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ
سورة البقرة ٢:٦٥ · افتح الموضع
٢ ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٦٥ · افتح الموضع
٣ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَ
سورة المائدة ٥:٦٠ · افتح الموضع
٤ إنهم أسلافهم الذين طردهم الله من رحمته وغَضِب عليهم، ومَسَخَ خَلْقهم، فجعل منهم القردة والخنازير، بعصيانهم وافترائهم وتكبرهم
التفسير الميسّر · سورة المائدة ٥:٦٠ · افتح الموضع
٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ
سورة البينة ٩٨:٦ · افتح الموضع
٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ
سورة البينة ٩٨:٧ · افتح الموضع
٧ ۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
سورة آل عمران ٣:١١٣ · افتح الموضع
٨ تِلْكَ أُمَّةٌۭ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ۖ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
سورة البقرة ٢:١٣٤ · افتح الموضع
٩ تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ، لهم أعمالهم، ولكم أعمَالكم، ولا تُسْألون عن أعمالهم، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم، وكلٌّ سيجازى بما فعله، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفعُ أحدًا إلا إيمانُه وتقواه.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:١٣٤ · افتح الموضع
١٠ ۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟ ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
سورة المائدة ٥:٨٢ · افتح الموضع
١١ لتجدنَّ -أيها الرسول- أشدَّ الناس عداوة للذين صدَّقوك وآمنوا بك واتبعوك، اليهودَ؛ لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق
التفسير الميسّر · سورة المائدة ٥:٨٢ · افتح الموضع
١٢ نزلت في النجاشي وأصحابه. قال ابن عباس: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة يخاف على أصحابه من المشركين، فبعث جعفر بن أبي طالب وابن مسعود في رهط من أصحابه إلى النجاشي وقال إنه ملك صالح لا يظلم ولا يظلم عنده أحد
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٢٠٢ — في المائدة ٨٢–٨٦ · افتح الموضع
١٣ ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه عليهم.
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص١٢٧ · افتح الموضع
١٤ ويا لله العجب، أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على الحيتان؟
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص١٥٦ · افتح الموضع
١٥ لكنّ لهذا الفصل شرطًا لا يصحّ بدونه: أن يُجرى في الجهتين. فمن قال «هذا فهمُهم لا النصّ» كلّما ضاق به الأمر، ثمّ احتجّ بفهم السلف حيث وافقه، فقد استعمل مسطرتين. وقراءةُ الناس للنصّ قرونًا داخلةٌ في السؤال، لا خارجةٌ عنه — وإن لم تكن هي النصّ.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هبْ أنّ المسخ واقعة. فآيةُ ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةًۭ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱلْيَهُودَ﴾ ليست خبرًا عن قريةٍ ولا عن جيل: الاسمُ فيها اسمُ الملّة، والصيغةُ لامُ قسمٍ ونونُ توكيد، ولم يقل «الذين ظلموا منهم» وهو قادرٌ على ذلك وقد قاله في غيرها. ثمّ إنّ منابرَ تقرؤها اليومَ على يهودِ اليوم بلا تحفُّظ — فإن كان النصُّ لا يحتملها فالذين قرؤوه عليها ليسوا خصومَه بل أهلُه، وقولُك «أساؤوا الفهم» يستوي مع قولي «هذا هو الفهم».
الاسمُ اسمُ الملّة ولا ألطّفه: النصُّ ﴿ٱلْيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا۟﴾ ١٠. لكنّ الآيةَ نفسَها تُعلّل شقَّها الآخر بوصفٍ لا بنسب: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًۭا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ١٠، والميسّرُ يجعل علّةَ الشقّ الأوّل أفعالًا كذلك: «لعنادهم، وجحودهم، وغمطهم الحق» ١١. والواحديُّ يذكر أنّ الآيات نزلت في النجاشيّ وأصحابه حين بعث إليه النبيُّ جعفرًا وابنَ مسعود ١٢ — فهي خبرٌ عن حالٍ وُجدت لها موضعُها، لا إحصاءٌ فوق الزمان. وأمّا المنابر فالسابقةُ عليها لا لها: ابنُ القيّم يجعل علّةَ المسخ فعلًا — «ولعن أصحاب السبت ومسخهم قردة وخنازير على احتيالهم على فعل ما حرمه عليهم» ١٣ — ثمّ يسوق القصّةَ سوطًا على فقهاء المسلمين أنفسِهم: «أي فرق بين هذه الحيلة وحيلة أصحاب السبت على الحيتان؟» ١٤. وأصدقُ ما يُقال في الفرق بين النصّ وقارئه أنّه مشروط، ولا أدّعي أنّه يحسم: «أن يُجرى في الجهتين… فمن قال هذا فهمُهم لا النصّ كلّما ضاق به الأمر، ثمّ احتجّ بفهم السلف حيث وافقه، فقد استعمل مسطرتين» ١٥.
-
«لا تتّخذوا اليهود والنصارى أولياء» — أفتُحرَّم صداقتُنا؟
لا. والحدُّ الذي طلبتَه في النصّ نفسِه لا في تأويلي: الآيةُ تصف من نهت عنهم بأنّهم «بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ» ١، والتي تليها مباشرةً تسمّي الباعثَ على مسارعة المنافقين إليهم: ﴿يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ﴾ ٢ — والتفسيرُ الميسّر يقرؤها «حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان» ٣. والمرويُّ في سبب نزولها يطابق لفظَ الآية: عبادةُ بن الصامت يقول «إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم»، وعبدُ الله بن أُبيّ يقول «إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود» ٤ — و«الدوائر» كلمةُ الآية بعينها. وابنُ إسحاق يؤرّخ القصةَ بـ«لما حاربت بنو قينقاع» ٥، ويسمّي الذي تبرّأ منه عبادةُ «حلف الكفار وولايتهم» ٦ — فاللفظُ حِلْفٌ في حربٍ قائمة. ثمّ القرآنُ يحصر النهيَ بنفسه بأداة حصر: ﴿إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ﴾ ٧ — بالفعل الذي في آيتك ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ﴾ ١؛ ويقول في مثلك قبلها بآية: ﴿لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ﴾ ٨، ومعناها في الميسّر «أن تكرموهم بالخير، وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم وبرِّكم بهم» ٩. وأقطعُ من هذا كلِّه أنّ السورةَ نفسَها — قبل آيتك بستٍّ وأربعين آية — تُحلّ للمسلم نكاحَ «ٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ» ١٠: ولا يُؤمَر رجلٌ بألّا يحبَّ امرأةً أُذن له أن يتزوّجها.
١ ۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوْلِيَآءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍۢ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُۥ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ
سورة المائدة ٥:٥١ · افتح الموضع
٢ فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌۭ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌۭ ۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِىَ بِٱلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍۢ مِّنْ عِندِهِۦ فَيُصْبِحُوا۟ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ نَٰدِمِينَ
سورة المائدة ٥:٥٢ · افتح الموضع
٣ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى حلفاءَ وأنصارًا على أهل الإيمان؛ ذلك أنهم لا يُوادُّون المؤمنين، فاليهود يوالي بعضهم بعضًا، وكذلك النصارى، وكلا الفريقين يجتمع على عداوتكم. وأنتم -أيها المؤمنون- أجدرُ بأن ينصر بعضُكم بعضًا. ومن يتولهم منكم فإنه يصير من جملتهم، وحكمه حكمهم. إن الله لا يوفق الظالمين الذين يتولون الكافرين.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٥١ · افتح الموضع
٤ قال عطية العوفي: جاء عبادة بن الصامت فقال: يا رسول الله إن لي موالي من اليهود كثير عددهم حاضر نصرهم، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية اليهود، وآوي إلى الله ورسوله، فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية اليهود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه"، فقال: قد قبلت، فأنزل الله تعالى فيهما: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص١٩٧ · افتح الموضع
٥ قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الآية أخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي بن سلول وقام دونهم ومشى عبادة بن
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص٩١ · افتح الموضع
٦ الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى الله والى رسوله من حلفهم وكان أحد بني عوف بن الخزرج وله من حلفهم مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي فحالفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من حلف الكفار وولايتهم قال ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت القصة في المائدة يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء الآية
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص٩٢ · افتح الموضع
٧ إِنَّمَا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ وَظَٰهَرُوا۟ عَلَىٰٓ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ
سورة الممتحنة ٦٠:٩ · افتح الموضع
٨ لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
سورة الممتحنة ٦٠:٨ · افتح الموضع
٩ لا ينهاكم الله -أيها المؤمنون- عن الذين… لم يقاتلوكم من الكفار بسبب الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تكرموهم بالخير، وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم وبرِّكم بهم. إن الله يحب الذين يعدلون في أقوالهم وأفعالهم.
التفسير الميسّر · الممتحنة ٦٠:٨ · افتح الموضع
١٠ ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ
سورة المائدة ٥:٥ · افتح الموضع
١١ ينهى الله المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين، ومَن يتولهم فقد برِئ من الله، والله برِيء منه، إلا أن تكونوا ضعافًا خائفين فقد رخَّص الله لكم في مهادنتهم اتقاء لشرهم، حتى تقوى شوكتكم، ويحذركم الله نفسه، فاتقوه وخافوه. وإلى الله وحده رجوع الخلائق للحساب والجزاء.
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:٢٨ · افتح الموضع
١٢ لَّا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ ٱللَّهِ فِى شَىْءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُوا۟ مِنْهُمْ تُقَىٰةًۭ ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُۥ ۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ
سورة آل عمران ٣:٢٨ · افتح الموضع
١٣ …الأحزاب. قال عبادة: يا نبي الله إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو، فأنزل الله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء} الآية.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص١٠٢ · افتح الموضع
١٤ باب: ذكر ما ادعي عليهن النسخ من سورة الممتحنة … زعم قوم أن هذا عام في جميع الكفار، وأنه منسوخ بآية السيف. … عن قتادة {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} قال نسختها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}… وقال غيره: معنى الآيتين منسوخ بآية السيف… قال أبو جعفر ابن جرير الطبري لا وجه لادعاء النسخ، لأن بر المؤمنين للمحاربين سواء كانوا قرابة أو غير قرابة… غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح أو دلالة لهم على عورة
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٦٠٢ · افتح الموضع
١٥ أهل الإسلام. ويدل على ذلك - حديث أسماء… بنت أبي بكر رضي الله عنها "لما قدمت عليها أمها قتيلة بنت عبد العزى المدينة بهدايا فلم (تقبل)… هداياها ولم تدخلها منزلها، فسألت لها عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها"
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٦٠٣ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
تلطيفٌ ونصفُ نقل. فمفسِّرُك الذي احتججتَ به يقول في نظيرة الآية (آل عمران ٢٨): «أولياء بالمحبة والنصرة» — فالمحبةُ داخلةٌ في المنهيّ عنه بنصّ مفسّرك لا بتأويلي أنا. وقيدُك من الممتحنة ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ الذي بنيتَ عليه الجوابَ كلَّه قال فيه قتادةُ: «نسختها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}» — فأنت تحدّ آيةً محكمةً بآيةٍ ادّعى أهلُ كتبك أنفسُهم أنّها ملغاة.
اللفظُ في التفسير كما نقلتَه، ولا أنزعه: «أولياء بالمحبة والنصرة من دون المؤمنين» ١١ — وتمامُه هو الحدّ، فالقيدُ في الآية نفسِها ﴿مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١٢، والمرويُّ في سبب نزول تلك الآية بعينها أنّ عبادةَ قال يوم الأحزاب: «إن معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم على العدو» ١٣ — فالمحبةُ المقطوعةُ محبةُ صفٍّ يُستظهَر به في قتال، لا محبةُ رجلٍ لزميله. وأمّا النسخُ فنقلُك له صحيح، وهو أوّلُ ما يُواجَه به: ابنُ الجوزي يورد الآيتين في باب «ذكر ما ادعي عليهن النسخ»، ويقول «زعم قوم أن هذا عام في جميع الكفار، وأنه منسوخ بآية السيف»، ثمّ ينقل قولَ قتادة الذي سقتَه، ثمّ يردّه بالطبري: «لا وجه لادعاء النسخ، لأن بر المؤمنين للمحاربين… غير محرم إذا لم يكن في ذلك تقوية لهم على الحرب بكراع أو سلاح» ١٤ — فحتى الاستثناءُ الذي أبقاه المانعون عسكريٌّ صرف: سلاحٌ وخيلٌ وكشفُ عورة، لا صداقة. ويستدلّ ابنُ الجوزي على إحكامها بأنّ أسماء بنت أبي بكر ردّت هدايا أمّها المشركة ولم تُدخلها بيتها، «فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تدخلها منزلها وتقبل هديتها وتكرمها وتحسن إليها» ١٥ — والدعوى إذن ليست إجماعًا يُنقض به الجواب، بل قولٌ مرويٌّ قابله ردٌّ مرويٌّ أقدمُ منه وأصرح.
-
من أحيا الموتى وخلق من الطين وبُعث بلا أب — أيكون عبدًا محضًا؟
لا — القرآنُ لا يُنكر معجزاتِ عيسى ولا يخفّفها، بل يسوقها ويقيّدها في الجملة نفسِها لا في موضعٍ آخرَ يُعتذر به: ﴿وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى﴾ ٢. والكرمانيُّ يَعُدّ القيدَ عدًّا — مرّتين في آل عمران وأربعًا في المائدة — ويبيّن أنّ عيسى في كلامه نسب إلى نفسه ما يقع في طوق البشر ونسب إلى الله ما لا يقع، وأنّ الله في المائدة نسب الجميعَ إلى صنعه «إظهارا لعجز البشر» ٤. والتفسيرُ الميسّر يقرأ الإحياءَ دعاءً يُستجاب لا قدرةً ذاتيّة — «يدعو الله أن يحييَ الموتى» — ويسمّي ذلك «معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى»، أي دليلَ نبوّةٍ لا دليلَ ألوهيّة ٣. وأوّلُ ما نُقل من كلامه ﴿قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ ١، وما نُقل من دعوته لبني إسرائيل ﴿ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ﴾ ٦. والزركشيُّ يضع الحجّةَ في سطر: هؤلاء عبدوه لأجل الخوارق، والملائكةُ في هذه الأمور «أتم وهم فيها أقوى»، «فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن عبادة الله» ٥.
١ قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا
سورة مريم ١٩:٣٠ · افتح الموضع
٢ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى
سورة المائدة ٥:١١٠ · افتح الموضع
٣ ومنها أنه يشفي الذي وُلِد أعمى فيبصر، ويشفي الأبرص، فيعود جلده سليمًا بإذن الله، ومنها أنه يدعو الله أن يحييَ الموتى فيقومون من قبورهم أحياء، وذلك كله بإرادة الله تعالى وإذنه، وهي معجزات باهرة تؤيد نبوة عيسى عليه السلام
التفسير الميسّر · المائدة ٥:١١٠ · افتح الموضع
٤ قوله {بإذن الله} ذكر في هذه الآية مرتين وقال في المائدة {بإذني} أربع مرات لأن ما في هذه السورة كلام عيسى فما يتصور أن يكون من فعل البشر أضافه إلى نفسه وهو الخلق الذي معناه التقدير والنفخ الذي هو إخراج الريح من الفم وما يتصور إضافته إلى الله تعالى أضافه إليه … وما في المائدة من كلام الله سبحانه وتعالى فأضاف جميع ذلك إلى صنعه إظهارا لعجز البشر ولأن فعل العبد مخلوق لله تعالى
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص٨٩ · افتح الموضع
٥ وجوابه أن هؤلاء لما عبدوا المسيح واعتقدوا فيه الولدية لما فيه من القدرة على الخوارق. والمعجزات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغيره ولكونه خلق من غير تراب والتزهيد في الدنيا وغالب هذه الأمور هي للملائكة أتم وهم فيها أقوى فإن كانت هذه الصفات أوجبت عبادته فهو مع هذه الصفات لا يستنكف عن عبادة الله
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٢٦٨–٢٦٩ · افتح الموضع
٦ وَقَالَ ٱلْمَسِيحُ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ
سورة المائدة ٥:٧٢ · افتح الموضع
٧ معنى تخلق تقدره تقديرا مستويا لا زيادة فيه ولا نقصان. … وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني معنى بإذني بدعوتي فأبرئهما.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢٨٧ · افتح الموضع
٨ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ
سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
٩ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ
سورة النساء ٤:١٧٢ · افتح الموضع
١٠ قال الكلبي: إن وفد نجران قالوا: يا محمد تعيب صاحبنا؟ قال: "ومن صاحبكم؟ " قالوا: عيسى، قال: "وأي شيء أقول فيه؟ " قالوا تقول إنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: "إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله"، قالوا: بلى، فنزلت: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله} الآية.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص١٨٦ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
قيدُ «بإذني» رقعةٌ تُلصق بعد الواقعة. فالنصُّ نفسُه يضع على لسانه فعلين لا ينسبهما كتابُكم إلى غير الله — الخلقَ والإحياء — ويسمّيه «كلمة الله». فأنتم تُقرّون له بالفعل وبالوصف ثمّ تُلحقون كلمةً تنقضهما. ثمّ إنّ تكرارَ القيد أربع مرّاتٍ في آيةٍ واحدةٍ شهادةٌ لنا لا عليكم: لا يُثقَّل نصٌّ بالتحرُّز إلا حيث يكون ظاهرُه ثقيلًا على قائله.
القيدُ في النصّ لا في شرحنا، وهو ملصَقٌ بكلّ فعلٍ على حدةٍ في الجملة عينِها ٢. والنحّاسُ يفكّ اللفظين لغةً لا تأويلًا: «معنى تخلق تقدره تقديرا مستويا لا زيادة فيه ولا نقصان»، و«معنى بإذني بدعوتي فأبرئهما» — فالخلقُ ههنا تشكيلٌ للطين، والإبراءُ سؤالٌ يُجاب ٧. وأمّا «كلمته» فموضعُها ﴿إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ﴾ ٨، والآيةُ التي تليها مباشرةً ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ ٩ — فالوصفُ والعبوديّةُ في نَفَسٍ واحد لا في موضعين يُنتقى منهما. وينقل الواحديُّ عن الكلبيّ أنّ وفدَ نجران جاؤوا يعيبون قولَه «إنه عبد الله ورسوله»، فأجابهم: «إنه ليس بعار لعيسى أن يكون عبد الله»، فنزلت ١٠. وأمّا التكرارُ فليس تحرُّزًا مبهمًا بل قسمةٌ محسوبةٌ يبيّن الكرمانيُّ عِلّتَها: لِمَ كان مرّتين في موضعٍ وأربعًا في آخر ٤.
-
إن كان «كلمتُه» و«روحٌ منه» فما الذي يفرّقنا؟
لا؛ والجملةُ التي فيها اللفظُ هي نفسُها التي تنفي الألوهيةَ والولد — ﴿وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ﴾ يليها في الآية عينِها ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ﴾ و﴿سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ﴾ ١. و«كلمته» خبرٌ عن كيفيّة خَلْقه لا عن ذاته: خُلق بالكلمة «كن»، و«روحٌ منه» نفخةٌ نُفخت بأمر الله ٢، وهو ما يقوله معجمُ غريب القرآن: أحياه اللهُ فجعله روحًا ٣. و«منه» ليست تبعيضًا من الذات: القرآنُ يقول عن كلّ ما في السماوات والأرض ﴿جَمِيعًۭا مِّنْهُ﴾ ٥، ومعناها في التفسير الميسّر: منّةٌ منه وفضلٌ تفضَّل به ٦. والنحّاسُ يُخرج الحكمَ من إعراب الآية نفسِها: المسيحُ محدَثٌ، فكيف يكون إلهًا ٤. والقرآنُ يقيس خلقَه بخلق آدم ﴿كَمَثَلِ ءَادَمَ﴾ ٧، ويسمّي الاستدلالَ بالولادة بلا أبٍ على إلهيّته «دعوى باطلة» ٨. والنبيُّ نفسُه قرن اللفظين في نَفَسٍ واحد: «وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه» ٩.
١ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ لَا تَغْلُوا۟ فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ ۚ إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلْقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌۭ مِّنْهُ ۖ فَـَٔامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۖ وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ ۚ ٱنتَهُوا۟ خَيْرًۭا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ سُبْحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۘ لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًۭا
سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
٢ إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أرسله الله بالحق، وخَلَقَه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، وهي قوله: "كن"، فكان، وهي نفخة من الله تعالى نفخها جبريل بأمر ربه
التفسير الميسّر · سورة النساء ٤:١٧١ · افتح الموضع
٣ روح منه: يعني عيسى [عليه السلام] روح من الله جل ثناؤه. أحياه [الله] فجعله روحا.
ابن عزير السجستاني · غريب القرآن المسمى بنزهة القلوب ص٢٤٣ · افتح الموضع
٤ إنما المسيح رفع بالابتداء ف عيسى بدل منه وكذا ابن مريم ويجوز أن يكون خبر الابتداء، ويكون المعنى إنما المسيح ابن مريم فكيف يكون إلها هو محدث
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢٥١ · افتح الموضع
٥ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا مِّنْهُ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ
سورة الجاثية ٤٥:١٣ · افتح الموضع
٦ جميع هذه النعم منة من الله وحده أنعم بها عليكم، وفضل منه تَفضَّل به، فإياه فاعبدوا، ولا تجعلوا له شريكًا
التفسير الميسّر · سورة الجاثية ٤٥:١٣ · افتح الموضع
٧ إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ ۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ
سورة آل عمران ٣:٥٩ · افتح الموضع
٨ فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة؛ فآدم عليه السلام خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.
التفسير الميسّر · سورة آل عمران ٣:٥٩ · افتح الموضع
٩ مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ، أيَّها شاءَ. .
عبادة بن الصامت · البخاري · صحيح البخاري 3435 · صحيح
١٠ ونزلت في نصارى نجران، فإنهم قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه، قال: نعم. قال: فحسبنا إذا، فهذا من المتشابه الذي اتبعوه.
جلال الدين السيوطي · معترك الأقران في إعجاز القرآن ص٢٠٧ · افتح الموضع
١١ لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ وَلَا ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِۦ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًۭا
سورة النساء ٤:١٧٢ · افتح الموضع
١٢ ذكر في آل عمران قصة خلق عيسى بلا أب، وأقيمت له الحجة بآدم، وفي ذلك تبرئة لأمه، خلافا لما زعم اليهود، وتقريرا لعبوديته، خلافا لما ادعته النصارى
جلال الدين السيوطي · أسرار ترتيب القرآن ص٧١ · افتح الموضع
١٣ فَإِذَا سَوَّيْتُهُۥ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُوا۟ لَهُۥ سَٰجِدِينَ
سورة الحجر ١٥:٢٩ · افتح الموضع
مَن شَهِدَ أن لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ ورَسولُه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنَّارُ حَقٌّ؛ أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كان مِنَ العَمَلِ. [وفي رِوايةٍ زادَ]: مِن أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ، أيَّها شاءَ. .
عبادة بن الصامت · البخاري · صحيح البخاري 3435 صحيح
مَن قال: أشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريك له، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبدُه ورَسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللهِ، وابنُ أَمَتِه، وكَلِمَتُه ألقاها إلى مَريَمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ، وأنَّ النَّارَ حَقٌّ، أدخَلَه اللهُ مِن أيِّ أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ شاءَ. وفي روايةٍ: أدخَلَه اللهُ الجَنَّةَ على ما كانَ مِن عَمَلٍ، ولَم يَذكُرْ مِن أيِّ أبوابِ الجَنَّةِ الثَّمانيةِ شاءَ. .
عبادة بن الصامت · مسلم · صحيح مسلم 28 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا هروبٌ إلى الشرح من نصٍّ صريح. لا أحدَ في القرآن كلِّه سُمّي «كلمةَ الله» و«روحًا منه» غيرَ عيسى، ووفدُ نجران واجه محمدًا بهذا بعينه فأقرّ لهم به: «أليس في كتابك أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: نعم». فاللفظُ لفظُكم أنتم، وقد أقرّ به نبيُّكم، ثم جئتم بعده بقرونٍ تنقضونه بالإعراب والمعاجم.
الإقرارُ وقع، والنصُّ الذي أُقرّ به يقول في جملته نفسِها ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ ثَلَٰثَةٌ﴾ و﴿أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٌۭ﴾ ١ — فمن أخذ نصفَ الجملة وترك نصفَها لم يحتجّ بها، والسيوطيُّ يسمّي هذه النقلةَ باسمها في الرواية نفسِها: «فهذا من المتشابه الذي اتبعوه» ١٠. والآيةُ التي تليها مباشرةً ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًۭا لِّلَّهِ﴾ ١١، وترتيبُ الموضع مقصودٌ لهذا عند السيوطي: «تقريرًا لعبوديته، خلافًا لما ادعته النصارى» ١٢. وأمّا دعوى التفرّد فتسقط بالنصّ: الروحُ المضافةُ إلى الله قيلت في آدم ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى﴾ ١٣، وبآدمَ عينِه قايس القرآنُ عيسى ٧ وأبطل الاستدلالَ بالولادة بلا أبٍ ٨. فالتفرّدُ في كيفيّة الخلق — كلمةُ «كن» ونفخةٌ بأمر الله ٢ — لا في الذات.
-
إن كان الكتابُ محرَّفًا فأرونا نسخةً غيرَ محرَّفة، ومتى وقع التحريف؟
لا نملك نسخةً غيرَ محرَّفة، ولا تقتضي الدعوى أن نملكها؛ فالذي يقرّره القرآن فعلٌ في تداول النصّ لا كتابٌ سُحب وأُبدل: ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ ١، ﴿تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا﴾ ٢. وأبو جعفر النحّاس يقول في ﴿يُحَرِّفُونَ﴾: «يتأولون على غير تأويله»، ويقيّده بأنّهم «ليس يحرفون جميع الكلام» ٣. ولذلك يحيل القرآنُ على الكتاب القائم بأيديهم لا على أصلٍ مفقود: ﴿قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾ ٤ — «هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين» ٥ — و﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ﴾ ٦، وهو خطابٌ في زمن النبيّ ٧، أي بعد مخطوطَيك لا قبلهما. وأمّا «متى»، فالنصُّ يفرّق بين زمنين بلفظه: ﴿عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ في أوائلهم، و﴿مِنۢ بَعْدِ مَوَاضِعِهِۦ﴾ فيمن كانوا في زمن النبيّ ٧. وأمّا ما نقارن به، فالقرآن يجعل نفسَه هو الميزان: «مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف» ٨ — وهذه دعوى تُقبل أو تُردّ، وليست إحالةً على مخطوطٍ نخبّئه. وليس في هذه المواضع اسمُ محرِّفٍ، ولا سنةٌ، ولا جردُ فقراتٍ مبدَّلة ١٢٤ — فمن طلبها من القرآن طلب ما ليس فيه، ومن قال لك إنّ كلّ نسخةٍ في الأرض أُعيد كتابتُها قال ما لا يقوله كتابُه ٤٦.
١ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ …
سورة النساء ٤:٤٦ · افتح الموضع
٢ … تَجْعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًۭا …
سورة الأنعام ٦:٩١ · افتح الموضع
٣ قال أبو جعفر: والكلم في هذا أولى لأنهم إنما يحرفون كلم النبي صلى الله عليه وسلم أو ما عندهم في التوراة وليس يحرفون جميع الكلام. ومعنى يحرفون يتأولون على غير تأويله وذمهم الله جل وعز بذلك لأنهم يفعلونه متعمدين.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٢١٦ · افتح الموضع
٤ كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلًّۭا لِّبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ … قُلْ فَأْتُوا۟ بِٱلتَّوْرَىٰةِ فَٱتْلُوهَآ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ
سورة آل عمران ٣:٩٣ · افتح الموضع
٥ … قل لهم -أيها الرسول-: هاتوا التوراة، واقرؤوا ما فيها إن كنتم محقين في دعواكم أن الله أنزل فيها تحريم ما حرَّمه يعقوب على نفسه …
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:٩٣ · افتح الموضع
٦ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ
سورة المائدة ٥:٤٧ · افتح الموضع
٧ قوله {يحرفون الكلم عن مواضعه} وبعده {يحرفون الكلم من بعد مواضعه} لأن الأولى في أوائل اليهود والثانية فيمن كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أي حرفوها بعد أن وضعها الله مواضعها وعرفوها وعملوا بها زمانا
الكرماني · أسرار التكرار في القرآن ص١٠٠ · افتح الموضع
٨ وأنزلنا إليك -أيها الرسول- القرآن، وكل ما فيه حقّ يشهد على صدق الكتب قبله، وأنها من عند الله، مصدقًا لما فيها من صحة، ومبيِّنًا لما فيها من تحريف، ناسخًا لبعض شرائعها …
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٤٨ · افتح الموضع
٩ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا …
سورة البقرة ٢:٧٩ · افتح الموضع
١٠ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًۭا يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ …
سورة آل عمران ٣:٧٨ · افتح الموضع
١١ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عباس قال نزلت في أحبار اليهود وجدوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة أكحل أعين ربعة جعد الشعر حسن الوجه فمحوه حسدا وبغيا وقالوا نجده طويلا أزرق سبط الشعر
السيوطي · لباب النقول في أسباب النزول ص١٩ · افتح الموضع
١٢ ثبت في " الصحيحين " و " المسانيد ": «أن اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما تجدون في التوراة في شأن الرجم "؟ … فأتوا بالتوراة، فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده، فإذا فيها آية الرجم»
ابن القيّم · زاد المعاد ص٣١ · افتح الموضع
١٣ ٢. أله نُسخٌ قديمةٌ يمكن مقابلتُها؟ وهنا تحديدًا أنصحك ألّا تصدّق أحدًا، لا منّا ولا من خصومنا. المخطوطاتُ المصوَّرة منشورةٌ على الشبكة مجّانًا: مخطوطُ سيناء مصوَّرةٌ أوراقُه الباقيةُ كلُّها بمشروعٍ تشترك فيه المكتبةُ البريطانية وجامعةُ لايبتسغ ودير سانت كاترين والمكتبةُ الوطنية الروسية … ولستُ أُحيلك عليها لتجد ما يسرّني، ولا أزعم أنّ فتحَها قراءتُها.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
١٤ وانتبه لحدٍّ يخلط فيه الجميع: سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول. لو ثبت أنّ نصًّا وصل كما قيل حرفًا بحرف، فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله — لا أنّ من قاله صادق. المعيارُ الأوّل يشترط ولا يُثبت.
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تراجعٌ عند أوّل ضغط. قرآنُكم يقول «يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله»، وتراثُكم يقول إنّ الأحبار مَحَوا صفةَ نبيّكم من التوراة — وهذا تغييرٌ في المتن لا سوءُ تأويلٍ للمعنى. فإمّا أن تقولوا بتغيير المتن، فتُطالَبوا بالنسخة والتاريخ واسمِ من فعل، وإمّا أن تقتصروا على «يتأوّلونه على غير تأويله»، فيسقط عنكم كلُّ شيء: الكتابُ الذي بين يدي سليمُ النقل، وخلافُكم معي في الفهم لا في الحبر.
يُقبل شقُّه الأوّل ولا يُخفى: ﴿فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ ٩، و﴿يَلْوُۥنَ أَلْسِنَتَهُم بِٱلْكِتَٰبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ﴾ ١٠، وفي أسباب النزول عن ابن عبّاس أنّ أحبارًا وجدوا صفةَ النبيّ مكتوبةً في التوراة «فمحوه حسدا وبغيا» ١١ — فالدعوى ليست مقصورةً على سوء التأويل. لكنّ الشقّ الثاني لا يلزم: الصورةُ التي ينقلها ابن القيّم عن الصحيحين رجلٌ يضع يدَه على آية الرجم في التوراة، فيُقرأ ما قبلها وما بعدها حتى تُرفع اليد ١٢ — كتابٌ قائمٌ يُنشر ويُقرأ ويُحتكم إليه، وفيه موضعٌ يُغطّى؛ فهذا حجمُ الدعوى، لا محوُ النسخ من الأرض. وأمّا المقابلةُ التي تطلبها فنحن ندلّ عليها ابتداءً: يقول كتابُنا للقارئ إنّ مخطوط سيناء مصوَّرٌ منشورٌ على الشبكة مجّانًا، و«لستُ أُحيلك عليها لتجد ما يسرّني» ١٣. وخذ معها الحدَّ الذي يخلط فيه الجميع: «سلامةُ النقل مسألةٌ غيرُ مسألة صدق المنقول… فقد ثبت أنّه نصُّ من قاله — لا أنّ من قاله صادق» ١٤ — فمخطوطُ القرن الرابع يُثبت ما كان في القرن الرابع، وهو شرطٌ لا يُثبت المطلوب، وهذا يجري علينا كما يجري عليك.
-
إن لم يكن صلبٌ فلا فداء — فكيف يُغفر الذنبُ عندكم بلا كفّارة؟
نعم — لا فداءَ في الإسلام ألبتّة، والنفيُ مقصودٌ لا ثغرةٌ خلّفها إنكارُ الصلب. القرآنُ يُنكر الواقعةَ نصًّا ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ١، ثمّ يُبطل آليّةَ الفداء نفسَها في سياقٍ لا ذكرَ فيه للمسيح ألبتّة: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ﴾ ٢ — والتفسيرُ الميسّر يقولها بلفظها: «ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا» ٣. والقاعدةُ التي تحتجّ بها عليّ هي بعينها ما ينقض الفداء لا ما يُشكِل عليه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ ٤ تمنع تحميلَ بريءٍ وزرَ مذنبٍ كما تمنع عكسَه، وعند ابن القيّم: «لا تجني نفس على أخرى، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده» ٥. ولا دَينَ موروثًا يُطالَب به أحد: ذنبُ آدمَ قُضي مع آدمَ نفسِه — «فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه» ٦ — و«كل مولود يولد على الفطرة» ، فلا خطيئةَ أصليّةً تستدعي مخلِّصًا. ولا يعني هذا أنّ العبدَ يدفع الثمنَ بعمله: «لن يدخل أحدا عمله الجنة … إلا أن يتغمدني الله بفضل ورحمة» — فليس في الإسلام دافعٌ أصلًا، لا مخلِّصٌ ولا عمل، بل رحمةٌ مبتدأةٌ في الذات: «قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضلا» ٧.
١ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ … وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًۢا
سورة النساء ٤:١٥٧ · افتح الموضع
٢ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌۭ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌۭ
سورة البقرة ٢:٤٨ · افتح الموضع
٣ وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٤٨ · افتح الموضع
٤ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌۭ وِزْرَ أُخْرَىٰ
سورة الأنعام ٦:١٦٤ · افتح الموضع
٥ «وقضى - صلى الله عليه وسلم - أنه: لا تجني نفس على أخرى، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده» والمراد أنه لا يؤخذ بجنايته فلا تزر وازرة وزر أخرى.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٧٧ · افتح الموضع
٦ فتاب الله عليه، وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده، الرحيم بهم.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٣٧ · افتح الموضع
٧ قد كتب على نفسه الرحمة بعباده تفضلا
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:٥٤ · افتح الموضع
٨ يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا … يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر لكم … يا عبادي إنما هي أعمالكم: أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١ · افتح الموضع
٩ لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه، {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] ، ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع الله سبحانه وجزاؤه، وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٢ · افتح الموضع
١٠ إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها مهما كانت
التفسير الميسّر · الزمر ٣٩:٥٣ · افتح الموضع
كُلُّ مولودٍ يولَدُ على الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهوِّدانِه، أو يُنصِّرانِه، أو يُشرِّكانِه. .
· تخريج مشكل الآثار 3/ 385 صحيح
لَن يُدخِلَ أحَدًا عَمَلُه الجَنَّةَ. قالوا: ولا أنتَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: لا، ولا أنا، إلَّا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بفَضلٍ ورَحمةٍ؛ فسَدِّدوا وقارِبوا، ولا يَتَمَنَّيَنَّ أحَدُكُمُ المَوتَ: إمَّا مُحسِنًا فلَعَلَّه أن يَزدادَ خَيرًا، وإمَّا مُسيئًا فلَعَلَّه أن يَستَعتِبَ. .
أبو هريرة · البخاري · صحيح البخاري 5673 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
إذًا اخترتَ الشقَّ الأوّل وسمّيتَه رحمة. «فاستغفروني أغفر لكم» ليس عدلًا بل تعطيلٌ له: قاضٍ يمحو الجنايةَ لأنّ الجاني ندم ليس عادلًا، والحقُّ الذي أُهدر لم يُستوفَ من أحد — وهذه هي النعمةُ الرخيصة بعينها. ثمّ إنّ قاعدتَكم ليست عندكم قاعدة: شريعتُكم نفسُها تُلزم العاقلةَ بديةِ قتيلٍ لم يقتله واحدٌ منهم. فحملُ الغير جائزٌ حين تريدونه، ممنوعٌ حين يُذكر الصليب.
أمّا العاقلةُ فالفرقُ منصوصٌ عند ابن القيّم لا مستنبَطٌ منّا، وقد أورد الاعتراضَ ثمّ فصَله: «لا ريب أن من أتلف مضمونا كان ضمانه عليه … ولا تؤخذ نفس بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع الله سبحانه وجزاؤه، وحمل العاقلة الدية غير مناقض لشيء من هذا» ٩ — فالمحمولُ مالٌ يُضمن، والممتنعُ الجريرةُ نفسُها ٥. وأمّا التعطيلُ فالنصُّ الذي فيه «وأنا أغفر لكم ذنوبكم جميعا فاستغفروني أغفر لكم» هو نفسُه الذي فيه «إني حرمت الظلم على نفسي» و«إنما هي أعمالكم: أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها» ٨ — فالسجلُّ يُستوفى ولا يُمحى. والمغفرةُ مشروطةٌ لا مُرسَلة: «إن الله يغفر الذنوب جميعًا لمن تاب منها ورجع عنها» ١٠. والخلافُ بيننا ليس في وجود الثمن بل في وجود الدافع: عندكم يُدفع مرّةً فيَبرأ به الجميع، وعندنا لا يُدفع ألبتّة — لا بمخلِّصٍ ولا بعمل — تُطلب المغفرةُ ولا تُشترى ٨.
-
أليست قصصُ عيسى في القرآن مأخوذةً من الأناجيل المنحولة؟
لا. والسؤالُ دعويان لا دعوى، وأضعفُهما دعوى الخطأ التاريخيّ: ﴿يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ﴾ ليس فيها هارونُ بنُ عمران ألبتّة ١، و«المورد ضم إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه أخو موسى بن عمران» — أي أنّ المعترض هو الذي صنع الإشكال ثمّ أورده ٢. وليس الاعتراضُ جديدًا ولا اكتشافًا حديثًا: أورده نصارى نجران على النبيّ في حياته بصيغته هذه نفسِها — «وبينهما ستمائة سنة» — فكان الجوابُ أنّهم كانوا يُسمَّون بأسماء أنبيائهم والصالحين قبلهم ٣٤، وعليه التفسيرُ الميسّر: «يا أخت الرجل الصالح هارون» ٥. وأمّا دعوى النقل فقد قيلت في مكّة أوّلَ ما نزل القرآن، وبصيغةٍ أشدَّ تعيينًا ممّا يُقال اليوم — ﴿أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا﴾ ٦ — بل عيَّنوا الرجلَ المعلِّمَ باسمه، فكان الردُّ عليهم بأمرٍ يُفحص في مجلسه: ﴿لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ﴾ ٧. والتشابهُ في مادّة القصص لا يفصل في هذا النزاع أصلًا، لأنّ القرآن يُعلن هو أنّه يروي أخبارَ من مضى: ﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ ٨ — فالخلافُ في القناة لا في المادّة، والمادّةُ لا تحكم في القناة. ثمّ انظر ما يُصنع بالحكاية: أوّلُ ما ينطق به الصبيُّ في المهد ﴿إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ ٩، وطيرُ الطين لا يخرج إلا مقيَّدًا ﴿فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ ١٠ — ومن استعار حكايةً من قومٍ ليتزلّف بها إليهم لا يجعلها هدمًا لأصل عقيدتهم.
١ يَٰٓأُخْتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍۢ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّۭا
سورة مريم ١٩:٢٨ · افتح الموضع
٢ هذا وليس في الآية ما يدل على أنه هارون بن عمران حتى يلزم الإشكال، بل المورد ضم إلى هذا أنه هارون بن عمران، ولم يكتف بذلك حتى ضم إليه أنه أخو موسى بن عمران، ومعلوم أنه لا يدل اللفظ على شيء من ذلك، فإيراده إيراد فاسد وهو إما من سوء الفهم أو فساد القصد.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٥٦٢ · افتح الموضع
٣ وفي " صحيح مسلم " من حديث المغيرة بن شعبة قال: «بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى نجران، فقالوا فيما قالوا: أرأيت ما يقرءون (يا أخت هارون) ، وقد كان بين عيسى وموسى ما قد علمتم، قال: فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، قال: (أفلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون - بأسماء أنبيائهم والصالحين الذين كانوا قبلهم» )
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٥٥٦ · افتح الموضع
٤ روينا في التفسير أن أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون أنتم: مريم أخت هارون وبينهما ستمائة سنة، فقيل ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، أي فكان أخو مريم يسمى هارون.
الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٣٢٦ · افتح الموضع
٥ يا أخت الرجل الصالح هارون ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش، وما كانت أمك امرأة سوء تأتي البِغاء.
التفسير الميسّر · مريم ١٩:٢٨ · افتح الموضع
٦ وَقَالُوٓا۟ أَسَٰطِيرُ ٱلْأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةًۭ وَأَصِيلًۭا
سورة الفرقان ٢٥:٥ · افتح الموضع
٧ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٌۭ ۗ لِّسَانُ ٱلَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّۭ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّۭ مُّبِينٌ
سورة النحل ١٦:١٠٣ · افتح الموضع
٨ ذَٰلِكَ مِنْ أَنۢبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَٰمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ
سورة آل عمران ٣:٤٤ · افتح الموضع
٩ قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِىَ ٱلْكِتَٰبَ وَجَعَلَنِى نَبِيًّۭا
سورة مريم ١٩:٣٠ · افتح الموضع
١٠ أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِ ٱللَّهِ
سورة آل عمران ٣:٤٩ · افتح الموضع
١١ قال أبو جعفر: في قوله: «يا أخت هارون» قولان للعلماء: أحدهما أن هارون كان رجلا صالحا فقالوا يا أخت هارون أي يا شبيهته في الصلاح، وإنما المؤمنون إخوة من هذا، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه. وروى جعفر عن سعيد بن جبير أنه كان رجل فاسق يقال له هارون فقالوا لها: يا أخت هارون. قال أبو جعفر: والقول الأول أولى لأن فيه حديثا مسندا.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٩ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
جوابُكم عن «أخت هارون» حديثٌ يقول: كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم — أي أنّكم اخترعتم لمريمَ أخًا اسمُه هارون لا يعرفه أحدٌ من أهل الكتاب ولا يذكره كتابٌ قبلكم، ثمّ سمّيتم ذلك جوابًا. وهو عذرٌ لا سبيل إلى تكذيبه، وما لا سبيل إلى تكذيبه لا يُثبت شيئًا. وأمّا قِدَمُ تهمة الاقتباس فهي عليكم لا لكم: أقربُ الناس إلى الرجل وأعرفُهم بمجالسه ومن يلقاه هم الذين قالوها في وجهه، فشهادةُ هؤلاء أثقلُ من إنكارِكم بعد أربعةَ عشرَ قرنًا.
الشقُّ الأوّل يفترض عينَ ما عليه أن يُثبت: اللفظُ «أخت هارون» لا غير، والتعيينُ بابنِ عمران زيادةٌ من المعترض على النصّ لا قراءةٌ له ٢ — فمن أراد إسقاطَ الآية فعليه أوّلًا أن يُثبت أنّ هارونَ هذا هو ذاك، ولم يفعل. وأمّا أنّه عذرٌ مصنوعٌ لا يُكذَّب، فالمرويُّ عن أئمّة التفسير يكذّب ذلك بنفسه: لم يخرجوا بجوابٍ واحدٍ محكمٍ يسدّ الباب، بل اختلفوا علانيةً وسجّلوا خلافَهم — ومنه ما رواه النحّاسُ عن سعيد بن جبير أنّه «رجل فاسق يقال له هارون»، ثمّ رجّح النحّاسُ الأوّلَ بمعيارٍ يقوله صراحةً: «لأن فيه حديثا مسندا» ١١. وخلافٌ مسجَّلٌ بمعيارِ ترجيحٍ معلَن هو نقيضُ المخرج المُلفَّق. وأمّا الشقُّ الثاني فليس عمادُ الجواب قِدَمَ التهمة بل موضعَها: قيلت حيث كان إثباتُها أرخصَ ما يكون — في بلدٍ يُعرف فيه من يجلس إلى من — وعُيِّن فيها رجلٌ بعينه، فكان الردُّ في حينه على أمرٍ يُعاين لا على دعوى: لسانُ ذاك أعجميّ وهذا عربيٌّ مبين ٧. وتبقى الحجّةُ التي لم يمسَّها الاعتراض: أنّ مضمونَ الحكاية عندنا نقضٌ لِما يعتقده أصحابُ الحكاية — ﴿إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ ٩ — والمقتبسُ لا ينقض بالمقتبَس.
-
من هم اليهود الذين قالوا ﴿عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾؟ لا يهوديَّ قال هذا قطّ.
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الآيةُ لا تقول «كلُّ اليهود»، وهي تحمل قيدَها في نفسِها — ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ﴾ ١ — وهذا القيدُ عند الزركشي «هدمٌ» للدعوى داخلَ الآية نفسِها، أي حكايةُ مقالةٍ تخرج من أفواهٍ لا تقريرُ عقيدةٍ مدوَّنةٍ في كتاب ٣، والتفسيرُ الميسّر يقرؤها كذلك: قولٌ «اختلقوه من عند أنفسهم» ٢. وفي المصحف نفسِه نصٌّ صريحٌ ضدَّ التعميم على الأمّة: ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ﴾ ٤، ومعناها «ليس أهل الكتاب متساوين» ٥ — فدعوى «ينسب إلى أمّةٍ بأسرها» يكذّبها الكتابُ المدَّعى عليه في سطرٍ آخرَ منه. وإسنادُ ما وقع من البعض إلى الجماعة قاعدةٌ في اللسان يسمّيها الزركشي باسمها ويخرّج عليها قولَ شعيبٍ «وما يكون لنا أن نعود فيها» مع أنّه لم يكن في ملّتهم قطّ ٦. ويقول الزركشي إنّ سترَ اسمِ القائل والإخبارَ عنه بلفظ الجماعة «غالبُ ما في القرآن»، ومثالُه آيةُ نبذِ العهد والقائلُ عنده رجلٌ مسمًّى واحد ٧. والجرجانيُّ يقرأ الآيةَ وصفًا لعادةٍ في اللسان لا نصًّا على عقيدةٍ محرَّرة: أنّهم «كانوا يذكرون عزيرا هذا الذكر»، كما يقال في قومٍ غلوا في تعظيم رجلٍ: «فهم يقولون أبدا: زيد الأمير» ٨.
١ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ۖ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَٰهِهِمْ ۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوْلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَبْلُ ۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُ ۚ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ
سورة التوبة ٩:٣٠ · افتح الموضع
٢ لقد أشرك اليهود بالله عندما زعموا أن عزيرًا ابن الله. وأشرك النصارى بالله عندما ادَّعوا أن المسيح ابن الله. وهذا القول اختلقوه من عند أنفسهم…
التفسير الميسّر · التوبة ٩:٣٠ · افتح الموضع
٣ وهو أن يأتي الغير بكلام يتضمن معنى فتأتي بضده فإنك قد هدمت ما بناه المتكلم الأول … ومنه: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} هدمه بقوله: {ذلك قولهم بأفواههم} وقوله: {ما اتخذ الله من ولد}
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٤١١ · افتح الموضع
٤ ۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
سورة آل عمران ٣:١١٣ · افتح الموضع
٥ ليس أهل الكتاب متساوين: فمنهم جماعة مستقيمة على أمر الله مؤمنة برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، يقومون الليل مرتلين آيات القرآن الكريم، مقبلين على مناجاة الله في صلواتهم.
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:١١٣ · افتح الموضع
٦ أما قول شعيب: {وما يكون لنا أن نعود فيها} فليس اعترافا بأنه كان فيهم بل مؤول على ما سبق وتأويل آخر وهو أن يكون من نسبة فعل البعض إلى الجماعة أو قال على طريق المشاكلة لكلامهم وهذا أحسن.
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٣٣٩ · افتح الموضع
٧ …بلغه عن قوم شيء خطب فقال: "ما بال رجال قالوا كذا" وهو غالب ما في القرآن كقوله تعالى: {أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم} قيل هو مالك بن الصيف
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص١٥٧ · افتح الموضع
٨ وهو أن يقال: إن الغرض الدلالة على أن اليهود قد كان بلغ من جهلهم ورسوخهم في هذا الشرك، أنهم كانوا يذكرون "عزيرا" هذا الذكر، كما تقول في قوم تريد أن تصفهم بأنهم قد استهلكوا في أمر صاحبهم وغلوا في تعظيمه: "إني أراهم قد اعتقدوا أمرا عظيما، فهم يقولون أبدا: زيد الأمير"، تريد أنه كذلك يكون ذكرهم إذا ذكروه
الجرجاني · دلائل الإعجاز في علم المعاني ص٣٧٧ · افتح الموضع
٩ قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا يَومَ القيامةِ؟ قال: هل تُضارونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إذا كانَت صَحوًا؟ قُلنا: لا، قال: فإنَّكُم لا تُضارونَ في رُؤيةِ رَبِّكُم يَومَئذٍ، إلَّا كما تُضارونَ في رُؤيَتِهما ثُمَّ قال: يُنادي مُنادٍ: ليَذهَبْ كُلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ، فيَذهَبُ أصحابُ الصَّليبِ مع صَليبِهم، وأصحابُ الأوثانِ مع أوثانِهم، وأصحابُ كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ، مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، وغُبَّراتٌ مِن أهلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤتى بجَهَنَّمَ تُعرَضُ كَأنَّها سَرابٌ، فيُقالُ لليَهودِ: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ قالوا: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ للنَّصارى: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ فيَقولونَ: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ فيَقولونَ: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، فيُقالُ لهم: ما يَحبِسُكُم وقد ذَهَبَ النَّاسُ؟ فيَقولونَ: فارَقناهم، ونَحنُ أحوجُ مِنَّا إليه اليَومَ، وإنَّا سَمِعنا مُناديًا يُنادي: ليَلحَقْ كُلُّ قَومٍ بما كانوا يَعبُدونَ، وإنَّما نَنتَظِرُ رَبَّنا، قال: فيَأتيهمُ الجَبَّارُ في صورةٍ غيرِ صورَتِه التي رَأوْه فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُم، فيَقولونَ: أنتَ رَبُّنا، فلا يُكَلِّمُه إلَّا الأنبياءُ، فيَقولُ: هل بينَكُم وبينَه آيةٌ تَعرِفونَه؟ فيَقولونَ: السَّاقُ، فيَكشِفُ عن ساقِه، فيَسجُدُ له كُلُّ مُؤمِنٍ، ويَبقى مَن كان يَسجُدُ للَّهِ رياءً وسُمعةً، فيَذهَبُ كَيما يَسجُدَ، فيَعودُ ظَهرُه طَبَقًا واحِدًا، ثُمَّ يُؤتى بالجَسرِ فيُجعَلُ بينَ ظَهرَي جَهَنَّمَ، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، وما الجَسرُ؟ قال: مَدحَضةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خَطاطيفُ وكَلاليبُ، وحَسَكةٌ مُفَلطَحةٌ لَها شَوكةٌ عُقَيفاءُ، تَكونُ بنَجدٍ، يُقالُ لَها: السَّعدانُ، المُؤمِنُ عليها كالطَّرفِ وكالبَرقِ وكالرِّيحِ، وكأجاويدِ الخَيلِ والرِّكابِ؛ فناجٍ مُسَلَّمٌ، وناجٍ مَخدوشٌ، ومَكدوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى يَمُرَّ آخِرُهم يُسحَبُ سَحبًا، فما أنتُم بأشَدَّ لي مُناشَدةً في الحَقِّ قد تَبَيَّنَ لكم مِنَ المُؤمِنِ يَومَئذٍ للجَبَّارِ، وإذا رَأوا أنَّهم قد نَجَوا، في إخوانِهم، يقولونَ: رَبَّنا إخوانُنا، كانوا يُصَلُّونَ معنا، ويَصومونَ معنا، ويَعمَلونَ معنا، فيَقولُ اللهُ تَعالى: اذهَبوا، فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ دينارٍ مِن إيمانٍ فأخرِجوه، ويُحَرِّمُ اللهُ صورَهم على النَّارِ، فيَأتونَهم وبَعضُهم قد غابَ في النَّارِ إلى قدَمِه، وإلى أنصافِ ساقَيه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ نِصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، قال أبو سَعيدٍ: فإن لَم تُصَدِّقوني فاقرَؤوا: {إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ وإن تَكُ حَسَنةً يُضاعِفْها} [النساء: 40]، فيَشفَعُ النَّبيُّونَ والمَلائِكةُ والمُؤمِنونَ، فيَقولُ الجَبَّارُ: بَقيَت شَفاعَتي، فيَقبِضُ قَبضةً مِنَ النَّارِ، فيُخرِجُ أقوامًا قدِ امتُحِشوا، فيُلقَونَ في نَهَرٍ بأفواهِ الجَنَّةِ، يُقالُ له: ماءُ الحَياةِ، فيَنبُتونَ في حافَتَيه كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ، قد رَأيتُموها إلى جانِبِ الصَّخرةِ، وإلى جانِبِ الشَّجَرةِ، فما كان إلى الشَّمسِ منها كان أخضَرَ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيَضَ، فيَخرُجونَ كَأنَّهمُ اللُّؤلُؤُ، فيُجعَلُ في رِقابِهمُ الخَواتيمُ، فيَدخُلونَ الجَنَّةَ، فيَقولُ أهلُ الجَنَّةِ: هؤلاء عُتَقاءُ الرَّحمَنِ، أدخَلَهمُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلوه، ولا خَيرٍ قدَّموه، فيُقالُ لهم: لكم ما رَأيتُم ومِثلُه معهُ. .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 7439 · صحيح
أنَّ أُناسًا في زَمَنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قالوا: يا رَسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا يَومَ القيامةِ؟ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: نَعَم، هل تُضارُّونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ بالظَّهيرةِ ضَوءٌ ليس فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا، قال: وهل تُضارُّونَ في رُؤيةِ القَمَرِ لَيلةَ البَدرِ ضَوءٌ ليس فيها سَحابٌ؟ قالوا: لا، قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ما تُضارُونَ في رُؤيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ يَومَ القيامةِ إلَّا كما تُضارُونَ في رُؤيةِ أحَدِهما؛ إذا كان يَومُ القيامةِ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تَتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَت تَعبُدُ، فلا يَبقى مَن كان يَعبُدُ غيرَ اللهِ مِنَ الأصنامِ والأنصابِ إلَّا يَتَساقَطونَ في النَّارِ، حتَّى إذا لَم يَبقَ إلَّا مَن كان يَعبُدُ اللهَ بَرٌّ أو فاجِرٌ، وغُبَّراتُ أهلِ الكِتابِ، فيُدعى اليَهودُ فيُقالُ لهم: مَن كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ ابنَ اللهِ، فيُقالُ لهم: كَذَبتُم؛ ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحِبةٍ ولا ولَدٍ، فماذا تَبغونَ؟ فقالوا: عَطِشنا رَبَّنا فاسقِنا، فيُشارُ ألا تَرِدونَ، فيُحشَرونَ إلى النَّارِ كَأنَّها سَرابٌ يَحطِمُ بَعضُها بَعضًا، فيَتَساقَطونَ في النَّارِ، ثُمَّ يُدعى النَّصارى فيُقالُ لهم: مَن كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ ابنَ اللهِ، فيُقالُ لهم: كَذَبتُم، ما اتَّخَذَ اللهُ مِن صاحِبةٍ ولا ولَدٍ، فيُقالُ لهم: ماذا تَبغونَ؟ فكَذلك مِثلَ الأوَّلِ، حتَّى إذا لَم يَبقَ إلَّا مَن كان يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، أتاهم رَبُّ العالَمينَ في أدنى صورةٍ مِنَ التي رَأَوه فيها، فيُقالُ: ماذا تَنتَظِرونَ؟ تَتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانَت تَعبُدُ، قالوا: فارَقنا النَّاسَ في الدُّنيا على أفقَرِ ما كُنَّا إليهم ولَم نُصاحِبْهم، ونَحنُ نَنتَظِرُ رَبَّنا الذي كُنَّا نَعبُدُ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُم، فيَقولونَ: لا نُشرِكُ باللهِ شيئًا، مَرَّتَينِ أو ثَلاثًا. .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 4581 صحيح
قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، هل نَرى رَبَّنا يَومَ القيامةِ؟ قال: هل تُضارونَ في رُؤيةِ الشَّمسِ والقَمَرِ إذا كانَت صَحوًا؟ قُلنا: لا، قال: فإنَّكُم لا تُضارونَ في رُؤيةِ رَبِّكُم يَومَئذٍ، إلَّا كما تُضارونَ في رُؤيَتِهما ثُمَّ قال: يُنادي مُنادٍ: ليَذهَبْ كُلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ، فيَذهَبُ أصحابُ الصَّليبِ مع صَليبِهم، وأصحابُ الأوثانِ مع أوثانِهم، وأصحابُ كُلِّ آلِهةٍ مع آلِهَتِهم، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ، مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، وغُبَّراتٌ مِن أهلِ الكِتابِ، ثُمَّ يُؤتى بجَهَنَّمَ تُعرَضُ كَأنَّها سَرابٌ، فيُقالُ لليَهودِ: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ قالوا: كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ قالوا: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُقالُ للنَّصارى: ما كُنتُم تَعبُدونَ؟ فيَقولونَ: كُنَّا نَعبُدُ المَسيحَ بنَ اللهِ، فيُقالُ: كَذَبتُم، لَم يَكُنْ للَّهِ صاحِبةٌ ولا ولَدٌ، فما تُريدونَ؟ فيَقولونَ: نُريدُ أن تَسقيَنا، فيُقالُ: اشرَبوا، فيَتَساقَطونَ في جَهَنَّمَ، حتَّى يَبقى مَن كان يَعبُدُ اللهَ مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، فيُقالُ لهم: ما يَحبِسُكُم وقد ذَهَبَ النَّاسُ؟ فيَقولونَ: فارَقناهم، ونَحنُ أحوجُ مِنَّا إليه اليَومَ، وإنَّا سَمِعنا مُناديًا يُنادي: ليَلحَقْ كُلُّ قَومٍ بما كانوا يَعبُدونَ، وإنَّما نَنتَظِرُ رَبَّنا، قال: فيَأتيهمُ الجَبَّارُ في صورةٍ غيرِ صورَتِه التي رَأوْه فيها أوَّلَ مَرَّةٍ، فيَقولُ: أنا رَبُّكُم، فيَقولونَ: أنتَ رَبُّنا، فلا يُكَلِّمُه إلَّا الأنبياءُ، فيَقولُ: هل بينَكُم وبينَه آيةٌ تَعرِفونَه؟ فيَقولونَ: السَّاقُ، فيَكشِفُ عن ساقِه، فيَسجُدُ له كُلُّ مُؤمِنٍ، ويَبقى مَن كان يَسجُدُ للَّهِ رياءً وسُمعةً، فيَذهَبُ كَيما يَسجُدَ، فيَعودُ ظَهرُه طَبَقًا واحِدًا، ثُمَّ يُؤتى بالجَسرِ فيُجعَلُ بينَ ظَهرَي جَهَنَّمَ، قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، وما الجَسرُ؟ قال: مَدحَضةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خَطاطيفُ وكَلاليبُ، وحَسَكةٌ مُفَلطَحةٌ لَها شَوكةٌ عُقَيفاءُ، تَكونُ بنَجدٍ، يُقالُ لَها: السَّعدانُ، المُؤمِنُ عليها كالطَّرفِ وكالبَرقِ وكالرِّيحِ، وكأجاويدِ الخَيلِ والرِّكابِ؛ فناجٍ مُسَلَّمٌ، وناجٍ مَخدوشٌ، ومَكدوسٌ في نارِ جَهَنَّمَ، حتَّى يَمُرَّ آخِرُهم يُسحَبُ سَحبًا، فما أنتُم بأشَدَّ لي مُناشَدةً في الحَقِّ قد تَبَيَّنَ لكم مِنَ المُؤمِنِ يَومَئذٍ للجَبَّارِ، وإذا رَأوا أنَّهم قد نَجَوا، في إخوانِهم، يقولونَ: رَبَّنا إخوانُنا، كانوا يُصَلُّونَ معنا، ويَصومونَ معنا، ويَعمَلونَ معنا، فيَقولُ اللهُ تَعالى: اذهَبوا، فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ دينارٍ مِن إيمانٍ فأخرِجوه، ويُحَرِّمُ اللهُ صورَهم على النَّارِ، فيَأتونَهم وبَعضُهم قد غابَ في النَّارِ إلى قدَمِه، وإلى أنصافِ ساقَيه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ نِصفِ دينارٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، ثُمَّ يَعودونَ، فيَقولُ: اذهَبوا فمَن وجَدتُم في قَلبِه مِثقالَ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ فأخرِجوه، فيُخرِجونَ مَن عَرَفوا، قال أبو سَعيدٍ: فإن لَم تُصَدِّقوني فاقرَؤوا: {إنَّ اللهَ لا يَظلِمُ مِثقالَ ذَرَّةٍ وإن تَكُ حَسَنةً يُضاعِفْها} [النساء: 40]، فيَشفَعُ النَّبيُّونَ والمَلائِكةُ والمُؤمِنونَ، فيَقولُ الجَبَّارُ: بَقيَت شَفاعَتي، فيَقبِضُ قَبضةً مِنَ النَّارِ، فيُخرِجُ أقوامًا قدِ امتُحِشوا، فيُلقَونَ في نَهَرٍ بأفواهِ الجَنَّةِ، يُقالُ له: ماءُ الحَياةِ، فيَنبُتونَ في حافَتَيه كما تَنبُتُ الحِبَّةُ في حَميلِ السَّيلِ، قد رَأيتُموها إلى جانِبِ الصَّخرةِ، وإلى جانِبِ الشَّجَرةِ، فما كان إلى الشَّمسِ منها كان أخضَرَ، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيَضَ، فيَخرُجونَ كَأنَّهمُ اللُّؤلُؤُ، فيُجعَلُ في رِقابِهمُ الخَواتيمُ، فيَدخُلونَ الجَنَّةَ، فيَقولُ أهلُ الجَنَّةِ: هؤلاء عُتَقاءُ الرَّحمَنِ، أدخَلَهمُ الجَنَّةَ بغيرِ عَمَلٍ عَمِلوه، ولا خَيرٍ قدَّموه، فيُقالُ لهم: لكم ما رَأيتُم ومِثلُه معهُ. .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 7439 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا تراجعٌ لا جواب. أنتم تنسحبون إلى «نفرٍ في المدينة» حين يُضغط عليكم، ثمّ يفضحكم متنُكم الثاني: صحيحُ البخاريِّ يسوق «اليهود» صنفًا كاملًا يُنادَون يوم القيامة فيقولون بلسانٍ واحد: «كُنَّا نَعبُدُ عُزَيرَ بنَ اللهِ». فأين «بعضُهم» ههنا؟ الحديثُ يعمّم على الملّة كلِّها بلا استثناء، وقواعدُ البلاغة التي سُقتموها لا تُخرجكم منه. ثمّ إنّ كلَّ ما استشهدتم به من الزركشي والجرجانيّ داخليٌّ محض: نحويّون ومفسّرون يشرحون كتابَكم بكتابكم، وليس فيهم شاهدٌ واحدٌ من خارجٍ يُثبت أنّ يهوديًّا واحدًا نطق بها.
الفرزُ في الحديث نفسِه بالمعبود لا بالنسب، وهذا لفظُه: «ليَذهَبْ كُلُّ قَومٍ إلى ما كانوا يَعبُدونَ»، والسؤالُ «ما كُنتُم تَعبُدونَ؟»، ويبقى بعد الفرز «مَن كان يَعبُدُ اللهَ، مِن بَرٍّ أو فاجِرٍ، وغُبَّراتٌ مِن أهلِ الكِتابِ» ٩ — فالنداءُ يلحق من وقع منه الفعلُ لا من حمل الاسم، وبقاءُ بقيّةٍ من أهل الكتاب بعد النداء مصرَّحٌ به في المتن الذي احتججتَ به. وهو عينُ ما يقرّره ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ﴾ ٤ و«ليس أهل الكتاب متساوين» ٥، وعينُ ما تعنيه قاعدةُ «نسبة فعل البعض إلى الجماعة» ٦: اللفظُ الجامعُ يُخبِر عمّن وقع منه، ولا يجعل من لم يقع منه واقعًا فيه. وأمّا اعتراضُك الثاني فوجيهٌ ولا أدفعه: ما سُقتُه داخليٌّ كلُّه، ولم أُقِم — ولا أدّعي أنّي أقمتُ — شاهدًا من الأدب اليهوديّ نفسِه؛ فهذا مطلبٌ لم أبلغه ههنا، وقد صرّحتُ به.
-
دعواكم أنّ بولس غيَّر دينَ المسيح — بأيّ سند؟
الأمرُ على خلاف ما تظنّ أنّك تخاصم: ليست هذه دعوى القرآن. الذي في القرآن أنّ الحواريين قالوا ﴿نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ﴾ ثمّ ﴿فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ﴾ — طائفتان، بلا اسمِ رجلٍ واحد ١. وحيث يُقرِّر القرآنُ أنّ شيئًا دخل دينَ المسيح ولم يُشرَع، يُسنده إلى أتباعه جملةً: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ﴾ ٢، ويقول الميسّرُ «بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قَصْدُهم بذلك رضا الله»، ثمّ يُؤتي المؤمنين منهم أجرَهم ٣ — وهي تهمةٌ أخفُّ بكثيرٍ ممّا يُنسب إلينا. والخصومةُ في العقيدة لا في مَن كتب أيَّ رسالة: ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ﴾ ٤، وهم عند الميسّر ثلاثةٌ: قائلٌ عبدُ الله ورسوله، وقائلٌ ابنُ الله، وقائلٌ هو الله ٥. وابنُ القيّم يجعل فسادَ دين المسيح داخلًا «من باب التأويل» ولا يُسمّي أحدًا ٦. فمن قال لك «بولس زوَّر دينًا» فقد نطق بما ليس في هذه النصوص ١٦، وطالبك بوثيقةٍ لا يملك هو مثلَها.
١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوٓا۟ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّۦنَ مَنْ أَنصَارِىٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٌۭ مِّنۢ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌۭ ۖ فَأَيَّدْنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا۟ ظَٰهِرِينَ
سورة الصف ٦١:١٤ · افتح الموضع
٢ …وَجَعَلْنَا فِى قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأْفَةًۭ وَرَحْمَةًۭ وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَٰهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ٱبْتِغَآءَ رِضْوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا…
سورة الحديد ٥٧:٢٧ · افتح الموضع
٣ وابتدعوا رهبانية بالغلوِّ في العبادة ما فرضناها عليهم، بل هم الذين التزموا بها من تلقاء أنفسهم، قَصْدُهم بذلك رضا الله، فما قاموا بها حق القيام، فآتينا الذين آمنوا منهم بالله ورسله أجرهم حسب إيمانهم
التفسير الميسّر · سورة الحديد ٥٧:٢٧ · افتح الموضع
٤ فَٱخْتَلَفَ ٱلْأَحْزَابُ مِنۢ بَيْنِهِمْ ۖ فَوَيْلٌۭ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا۟ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ
سورة الزخرف ٤٣:٦٥ · افتح الموضع
٥ فاختلفت الفرق في أمر عيسى عليه السلام، وصاروا فيه شيعًا: منهم مَن يُقِرُّ بأنه عبد الله ورسوله، وهو الحق، ومنهم مَن يزعم أنه ابن الله، ومنهم مَن يقول: إنه الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا
التفسير الميسّر · سورة الزخرف ٤٣:٦٥ · افتح الموضع
٦ وهذه الأدواء الثلاثة منها غيرت الأديان والملل، وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى إفساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد قط مثله في شيء من الأديان، ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٩١ · افتح الموضع
٧ فالتحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر، والكتمان جحده.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٩١ · افتح الموضع
٨ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ…
سورة المائدة ٥:١١٦ · افتح الموضع
٩ فأجاب عيسى -منزِّهًا الله تعالى-: ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق. إن كنتُ قلتُ هذا فقد علمتَه؛ لأنه لا يخفى عليك شيء
التفسير الميسّر · سورة المائدة ٥:١١٦ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تراجعٌ لا جواب. أنتم تُقرّون الآن بأنّ أعلى ما يرفعه دعاتُكم — «المسيحية دينُ بولس» — ليس في كتابكم؛ فإمّا أنّ القرآن يرمي دينًا كاملًا بالفساد ولا يقول متى وقع ولا على يد من، وتلك تهمةٌ بلا بيّنة؛ وإمّا أنّكم فررتم من دعوى تاريخيةٍ تُختبر إلى دعوى لاهوتيةٍ لا تكذّبها وثيقة. ثمّ إنّ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ٱبْتَدَعُوهَا﴾ خبرٌ عمّا جرى بعد المسيح، فأنتم تؤرّخون كما نؤرّخ، وليس بأيديكم من القرن الأوّل مخطوطٌ واحد.
شطرُك الأوّل نقبله كما هو: من سمّى رجلًا فقد زاد على النصّ، ونحن نُسقط الزيادة لا نُدافع عنها ١٢. وشطرُك الثاني يخلط بين دعويين فرَّق بينهما ابنُ القيّم: «التحريف تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم بها، والتبديل تبديل لفظ بلفظ آخر» ٧ — ودعوى انزياحٍ في المعنى لا يردّها مخطوطٌ سليم، لأنّ سلامةَ المخطوط هي بعينها ما تتوقّعه هذه الدعوى؛ ولا تُثبتها كذلك، وإنّما تُحاكَم إلى مضمون النصّ، وهناك موضعُ الخصومة ٦. وهناك يضع القرآنُ دعواه حيث تُختبر: ألوهيةُ المسيح عنده مقالةُ حزبٍ من ثلاثةٍ اختلفوا من بعده ٤٥، والنفيُ يسوقه على لسانه هو ﴿ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾ ٨، وجوابُه عند الميسّر «ما ينبغي لي أن أقول للناس غير الحق» ٩. فخاصمونا في هذه، فهي دعوانا؛ ودعوا عنكم بولس، فليس لنا فيه نصّ.
-
القرآن يقول لبني إسرائيل «فضّلتكم على العالمين» ثمّ يذمّهم — أفتناقُضٌ هو؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع: الآيتان لا تتنازعان لأنّ إحداهما تُخبر عن عطيّةٍ أُعطيت، والأخرى عن جزاءِ فعلٍ فُعل — والفرقُ منصوصٌ لا مستنبَط. فـ﴿وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ ١ شرحُها في الميسّر: «فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء، والكتب المنزَّلة» ٢ — أي عطاءٌ مقيَّدٌ بزمانه ومضمونُه رسالاتٌ حُمِّلوها، لا رتبةٌ في الطبع. والسيوطيُّ يفصل البابين نصًّا: الاصطفاءُ خاصٌّ أخرويّ، والإفضالُ عامٌّ دنيويّ، و«(وأني فضلتكم على العالمين) ، أي على عالمي زمانهم» ٣ — فالآيةُ التي بُني عليها السؤالُ ليست آيةَ اصطفاءٍ أصلًا. وأمّا الذمُّ فيسوق علّتَه في الآية نفسِها: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾ ٤ — معلَّقٌ بأفعالٍ مسمّاةٍ بأسمائها، لا بنسب. وفي السورة نفسِها يُقرَّر الأصلُ صريحًا: إبراهيمُ يطلب العهدَ لذرّيّته فيأتي الجوابُ ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ ٥ — «لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين» ٦، فالعهدُ لا يُورَث في هذا الكتاب من أوّل موضعٍ ذُكر فيه. ثمّ إنّ القرآن يردّ دعوى الاصطفاء المطلق بالحجّة التي يسوقها السائلُ نفسُه — ﴿نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾ ٧ — ولا يجعلهم كتلةً واحدة: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ﴾ ٨.
١ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ
سورة البقرة ٢:٤٧ · افتح الموضع
٢ يا ذرية يعقوب تذكَّروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي عليها، وتذكروا أني فَضَّلْتكم على عالَمي زمانكم بكثرة الأنبياء، والكتب المنزَّلة كالتوراة والإنجيل.
التفسير الميسّر — سورة البقرة ٢:٤٧ · افتح الموضع
٣ فإن قلت: ما الفرق بين الاصطفاء والإفضال، ولم لم يقل فضلنا؟ والجواب: أن الاصطفاء كلي بجميع الأشياء، والإفضال بعض لبعض دون بعض، والاصطفاء أخروي، (الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس) . والإفضال دنيوي، (والله فضل بعضكم على بعض في الززق) ، والإفضال عام، (وأني فضلتكم على العالمين) ، أي على عالمي زمانهم، والاصطفاء خاص، والخاص مقدم على العام.
جلال الدين السيوطي · معترك الأقران في إعجاز القرآن ص٤٤٩ · افتح الموضع
٤ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ
سورة البقرة ٢:٦١ · افتح الموضع
٥ ۞ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٍۢ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًۭا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّٰلِمِينَ
سورة البقرة ٢:١٢٤ · افتح الموضع
٦ واذكر-أيها النبي- حين اختبر الله إبراهيم بما شرع له من تكاليف، فأدَّاها وقام بها خير قيام. قال الله له: إني جاعلك قدوة للناس. قال إبراهيم: ربِّ اجعل بعض نسلي أئمة فضلا منك، فأجابه الله سبحانه أنه لا تحصل للظالمين الإمامةُ في الدين.
التفسير الميسّر — سورة البقرة ٢:١٢٤ · افتح الموضع
٧ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ
سورة المائدة ٥:١٨ · افتح الموضع
٨ وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٌۭ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِۦ يَعْدِلُونَ
سورة الأعراف ٧:١٥٩ · افتح الموضع
٩ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟ إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلْأَنۢبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّۢ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ
سورة آل عمران ٣:١١٢ · افتح الموضع
١٠ ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا تم الكلام. إلا بحبل من الله استثناء ليس من الأول أي لكنهم يعتصمون بحبل الله من الله وهو العهد.
أبو جعفر النحاس · إعراب القرآن ص١٧٤ · افتح الموضع
١١ جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود، فهم أذلاء محتقرون أينما وُجِدوا، إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم، وذلك هو عقد الذمة لهم وإلزامهم أحكام الإسلام، ورجعوا بغضب من الله مستحقين له، وضُربت عليهم الذلَّة والمسكنة، فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب من أهل الإيمان؛ ذلك الذي جعله الله عليهم بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء ظلمًا واعتداء، وما جرَّأهم على هذا إلا ارتكابهم للمعاصي، وتجاوزهم حدود الله.
التفسير الميسّر — سورة آل عمران ٣:١١٢ · افتح الموضع
١٢ ۞ لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ يَتْلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ
سورة آل عمران ٣:١١٣ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تلطيفٌ بعد الوقوع. آل عمران ١١٢ لا تقول «عوقبوا مرّةً»، بل ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوٓا۟﴾ — أينما وُجدوا، في كلّ زمانٍ ومكان، بلا قيدٍ بجيلٍ ولا بواقعة. والتفسيرُ الذي احتججتم به آنفًا يقولها بلا تلطيف: «جعل الله الهوان والصغار أمرًا لازمًا لا يفارق اليهود… فلا ترى اليهوديَّ إلا وعليه الخوف والرعب». فهذا حكمٌ لازمٌ على قومٍ بأعيانهم، لا وصفٌ يزول بزوال فعله — وهو بعينه ما أنكرتموه. ومن فصّل «الإفضال» عن «الاصطفاء» ليخفّف أوّلَ الآيتين، فقد ترك ثانيتَهما على حالها.
الاستثناءُ في الآية نفسِها لا في شرحٍ عليها: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبْلٍۢ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ ٩، والنحّاسُ يقرؤها استثناءً منقطعًا: «إلا بحبل من الله استثناء ليس من الأول أي لكنهم يعتصمون بحبل الله من الله وهو العهد» ١٠ — وحكمٌ له مخرجٌ منصوصٌ ليس حكمًا على ذات. والتفسيرُ الذي سقتَه يذكر المخرجَ في الجملة التي اقتطعتَ منها: «إلا بعهد من الله وعهد من الناس يأمنون به على أنفسهم وأموالهم»، ويسمّي السببَ: «بسبب كفرهم بالله، وتجاوزهم حدوده، وقَتْلهم الأنبياء» ١١ — وسببٌ مسمًّى يرتفع الحكمُ بارتفاعه، وإلا لم يكن سببًا. ثمّ إنّ الآيةَ التي تليها مباشرةً تنقض القراءةَ الشاملة: ﴿لَيْسُوا۟ سَوَآءًۭ ۗ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ أُمَّةٌۭ قَآئِمَةٌۭ﴾ ١٢ — فالاستثناءُ على بُعد آيةٍ واحدة، لا على بُعد سورة. ولا أنكر أنّ لفظ الميسّر في هذا الموضع أثقلُ من لفظ الآية وأنّه يعمّم حيث لم تعمّم؛ لكنّ المقياسَ الذي أَحتجّ به يجري عليّ كما يجري عليك: ٥:١٨ تنفي الحصانةَ بالنسب ٧، و٢:١٢٤ تنفي توريثَ العهد ٥ — فمن قرأ ٣:١١٢ حكمًا على دمٍ لا على فعل، فقد أثبت لبني إسرائيل بالذمّ ما نفاه القرآنُ عنهم بالمدح.
-
﴿كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ — وأيُّ «سواء» وتمامُها ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾؟
نعم، هي دعوةٌ إلى الإسلام — والآيةُ تقولها بنفسها في الجملة الواحدة، لا بعد أن تدخل: شرطُها ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ ومخرجُها ﴿فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ منصوصان في سياقٍ واحد ١. والخللُ في ترجمة «سواء»: ليست أرضًا مشتركةً قائمة، بل النَّصَفة — «يقال: دعاك إلى السواء أي إلى النصفة… ومنه يقال للنصفة: سواء؛ لأنها عدل» ٢، وفي قراءةٍ منقولةٍ عن عبد الله: «إلى كلمة عدل بيننا وبينكم» ٣. فالعنوانُ لم يَعِد باتّفاقٍ حاصلٍ بل بشرطٍ منصفٍ يُعرض: «كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا» ٤. وكونُه منصفًا يُقاس لا يُدَّعى: بندُها الثالث ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا﴾ يقع على الداعي نفسِه ١، وابنُ القيّم يُشهره على المسلمين أنفسِهم: «فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم… ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله» ٥. وأمّا هرقل فالوثيقةُ التي يُحتجّ بها هي التي تهدم دعوى التمويه: «فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم» مكتوبةٌ في صدر الكتاب، والآيةُ تُساق بعدها ٦. وقاعدتُنا في هذا منشورةٌ لا مخبوءة: «القاعدةُ التي تنكسر إذا عرفها الطرفُ الآخر قاعدةُ تلاعبٍ تستحقّ أن تنكسر» ٧.
١ قُلْ يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ كَلِمَةٍۢ سَوَآءٍۭ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِۦ شَيْـًۭٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَقُولُوا۟ ٱشْهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ
سورة آل عمران ٣:٦٤ · افتح الموضع
٢ {إلى كلمة سواء بيننا وبينكم} أي: نصف. يقال: دعاك إلى السواء أي إلى النصفة. وسواء كل شيء: وسطه. ومنه يقال للنصفة: سواء؛ لأنها عدل. وأعدل الأمور أوساطها.
ابن قتيبة الدينوري · غريب القرآن ص١٠٥ · افتح الموضع
٣ قال قتادة: السواء العدل. … وفي قراءة عبد الله إلى كلمة عدل بيننا وبينكم … ومعنى ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله لا نعبد عيسى لأنه بشر مثلنا ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله جل وعز علينا فنكون قد اتخذناهم أربابا.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص١٦٢ · افتح الموضع
٤ قل -أيها الرسول- لأهل الكتاب من اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عدل وحق نلتزم بها جميعًا: وهي أن نَخُص الله وحده بالعبادة، ولا نتخذ أي شريك معه، من وثن أو صنم أو صليب أو طاغوت أو غير ذلك، ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة من دون الله. فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم - أيها المؤمنون -: اشهدوا علينا بأنا مسلمون منقادون لربنا بالعبودية والإخلاص.
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:٦٤ · افتح الموضع
٥ فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا معه من يكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضا أربابا من دون الله
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٧٢ · افتح الموضع
٦ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و {ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٦٠٠ · افتح الموضع
٧ والبديلُ أن تُكتب القواعدُ لجهةٍ وتُخفى عن الأخرى، وذاك يجعلها تكتيكًا لا أدبًا. والقاعدةُ التي تنكسر إذا عرفها الطرفُ الآخر قاعدةُ تلاعبٍ تستحقّ أن تنكسر.
٢٤. كيف تحاور من يشكّ — وكيف تحاور من يؤمن · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
معنى «سواء» بالنَّصَفة لا يُنقذ شيئًا. فالنَّصَفةُ عندكم أن نُقرّ نحن بتوحيدكم أنتم؛ والنصرانيُّ يقول إنّه لا يعبد إلا الله، فأنتم تحتكرون تعريفَ ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ ثمّ تسمّون الاحتكارَ عدلًا. وأمّا كتابُ هرقل فحجّةٌ عليكم لا لكم: «أسلم تسلم» تقرن الدعوةَ بالسلامة، وذاك عرضُ دولةٍ على ملك، لا كلمةٌ سواءٌ بين متحاورَين.
الاحتكارُ يكون بالإخفاء، وهذه الآيةُ تُسمّي موضعَ النزاع بلفظه: يقرأ النحّاسُ بندَها الثالث «لا نعبد عيسى لأنه بشر مثلنا ولا نقبل من الرهبان تحريمهم علينا ما لم يحرمه الله جل وعز علينا» ٣ — فالخلافُ منصوصٌ في متن الدعوة لا مُهرَّبٌ خلفها. وهي لا تدّعي اتّفاقًا حاصلًا بل تعرض شرطًا وتُصرّح باحتمال ردِّه: «فإن أعرضوا عن هذه الدعوة الطيبة فقولوا لهم - أيها المؤمنون -: اشهدوا علينا بأنا مسلمون» ٤، والمترتِّبُ على الردّ في نصّ الآية إعلانُ موقفٍ لا غير ١. وأمّا «أسلم تسلم» فلا أنفيها ولا أُلطّفها: هي دعوةٌ مقرونةٌ بوعدٍ ووعيد، مكتوبةٌ بهذا اللفظ قبل أن تُساق الآيةُ في الكتاب نفسِه ٦ — والتهمةُ المطروحةُ تمويهٌ، وكلامٌ يُعلن غايتَه في سطره الأوّل ليس تمويهًا ٦. ويبقى أنّ صراحةَ الدعوى غيرُ صحّتها، والمقاسُ ههنا الأولى وحدَها ٧.