﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
الشريعةُ والقتال — أسئلةٌ تُسأل عن الإسلام
آيةُ السيف والجزيةُ والرقُّ والحدودُ والردّةُ وقتلُ المدنيّين — وما يستدلّ به المتطرّفون من الآيات نفسِها، وأين ينكسر استدلالُهم بالضبط.
١٥٤ سؤالًا · ١٬٧٣٢ نصًّا منقولًا بنسبته · ولـ٨٦ سؤالًا حديثٌ محقَّقٌ بحكمه.
-
ما معنى قوله ﴿فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾؟ وهل هي أمرٌ دائمٌ بقتل من لم يُسلم؟
لا — وسياقُ الآية هو الذي يقول ذلك، لا شرحٌ يُصنع بعدها. فمن وفَّى بعهده مستثنًى بالنصّ قبلها بآية: ﴿فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ﴾ ١، والآيةُ نفسُها معلَّقةٌ بأجلٍ ينقضي ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ﴾ ومختومةٌ بمخرجٍ ﴿فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ﴾ ٢، والعلّةُ مصرَّحٌ بها بعدها: ﴿نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣. وأقطعُ ما في الباب أنّ الآيةَ التي تليها مباشرةً تأمر بتأمين المشرك وردِّه سالمًا: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ ٤ — يخرج غيرَ مسلمٍ آمنًا، وفي التفسير الميسّر: «ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا» ٥. وليست هذه قراءةً صُنعت للخارج: ابنُ القيّم يقسّم أهلَ العهد في براءة ثلاثةَ أقسامٍ ويجعل «الأشهر الحرم» ههنا أشهرَ التسيير التي أُمِّن فيها المشركون لا الأشهرَ المعروفة ٦، والشافعيُّ يقول في هذا الباب بعينه إنّه «من الكلام الذي مخرجه عام: يراد به الخاص» ٧. والقاعدةُ الحاكمة أنّ حكمًا عُلّق بوصفٍ يزول — كعهدٍ منقوض — يزول تعلُّقُه بزواله ٨.
١ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْـًۭٔا وَلَمْ يُظَٰهِرُوا۟ عَلَيْكُمْ أَحَدًۭا فَأَتِمُّوٓا۟ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ
سورة التوبة ٩:٤ · افتح الموضع
٢ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلْأَشْهُرُ ٱلْحُرُمُ فَٱقْتُلُوا۟ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُوا۟ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
سورة التوبة ٩:٥ · افتح الموضع
٣ أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوْمًۭا نَّكَثُوٓا۟ أَيْمَٰنَهُمْ وَهَمُّوا۟ بِإِخْرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ أَتَخْشَوْنَهُمْ ۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
سورة التوبة ٩:١٣ · افتح الموضع
٤ وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ
سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
٥ وإذا طلب أحد من المشركين الذين استبيحت دماؤهم وأموالهم الدخول في جوارك -أيها الرسول- ورغب في الأمان، فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا؛ وذلك لإقامة الحجة عليه؛ ذلك بسبب أن الكفار قوم جاهلون بحقائق الإسلام، فربما اختاروه إذا زال الجهل عنهم.
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
٦ وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسما أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم. وقسما لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم. وقسما لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأمر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2] وهي الحرم المذكورة في قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] فالحرم هاهنا: هي أشهر التسيير، أولها يوم الأذان، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة، وهو يوم الحج الأكبر الذي وقع فيه التأذين بذلك، وآخرها العاشر من ربيع الآخر، وليست هي الأربعة المذكورة في قوله: {إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم} [التوبة: 36]
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٤٣ · افتح الموضع
٧ ثم قال: «وليست واحدة-: من الآيتين «4» .-: ناسخة للأخرى ولا واحد-: من الحديثين.-: ناسخا للآخر، ولا مخالفا له. ولكن إحدى «5» الآيتين والحديثين: من الكلام الذي مخرجه عام: يراد به الخاص ومن الجمل «6» التي يدل عليها المفسر.»
الشافعي · أحكام القرآن للشافعي — جمع البيهقي ص٥١ · افتح الموضع
٨ ٢. أَعُلِّق الحكمُ بوصفٍ يزول أم بذاتٍ لا تزول؟ فإن عُلّق بوصفٍ — كحالِ حربٍ قائمةٍ أو عهدٍ منقوض — فالوصفُ هو المناط، وزوالُه زوالُ تعلّقه. وهذا أصلٌ مقرَّرٌ لا اختراعَ فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة — ثالثًا: الحكايةُ والحكم · افتح الموضع
٩ فالفرض فيمن «4» دان وآباؤه دين أهل الأوثان-: من المشركين.-: أن يقاتلوا: إذ قدر عليهم حتى يسلموا. ولا يحل: أن يقبل «5» منهم جزية [بكتاب الله، وسنة نبيه] «6» .» والفرض في أهل الكتاب، ومن دان قبل نزول القرآن [كله «7» ] دينهم-: أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية «8» ، أو يسلموا. وسواء كانوا عربا «9» ، أو عجما.»
الشافعي · أحكام القرآن للشافعي — جمع البيهقي ص٥٢ · افتح الموضع
١٠ وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} 2 قال الحسن: يعني الأشهر التي قيل لهم فيها {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} 3 وعلى هذا البيان فلا نسخ أصلا.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٤٦٢ · افتح الموضع
١١ وقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، … قال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله: {لا إكراه في الدين} وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٨٣ · افتح الموضع
١٢ وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256]
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٤١ · افتح الموضع
١٣ ٣. القتال. وهو الذي مسّه القسمُ الثالث بعلامة «الحكاية والحكم»، ولا أزعم أنّ تلك العلامةَ تستوعبه. فالقولُ إنّ بعضَ النصوص خبرٌ عن وقائع بأعيانها صحيحٌ في بعضها، ودعوى تحتاج بيانًا في بعضها الآخر — وثمّ ما هو حكمٌ عامٌّ في نظر الحرب والسلم اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة — خامسًا: القتال · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
انتقاء. والذين ينقضون كلامَك مفسّروكم أنفسُهم لا خصومُكم: نقلوا أنّ آيةَ السيف نسخت آياتِ الكفّ، وفيهم من نصّ على أنّ ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ نُسخت وأُمر بالقتال في براءة. ثمّ إنّ الشافعيَّ الذي احتججتَ به يقول بعد سطور إنّ مشركي العرب يُقاتَلون «حتى يسلموا» وإنّه «لا يحلّ أن يُقبل منهم جزية» — فالمخرجُ عنده الإسلامُ أو السيف، لا الأمان. فتخصيصُك يخصّص المخاطَبين ولا يرفع أنّ الغايةَ إدخالُهم في الدين، وأمانُ الآية السادسة مهلةُ سماعٍ لا حقُّ بقاء.
الشقُّ الثاني صحيحٌ ولا أُخفيه: نصُّ الشافعيّ في عبدة الأوثان «أن يقاتلوا: إذ قدر عليهم حتى يسلموا. ولا يحل: أن يقبل منهم جزية» ٩ — وهو حكمٌ فيهم خاصّةً، ومقابلُه في السطر نفسِه أنّ أهلَ الكتاب «يقاتلوا حتى يعطوا الجزية … أو يسلموا» ٩، فليس المخرجُ الإسلامَ في الباب كلِّه عنده. وأمّا النسخُ فمنقولٌ ومنقوضٌ في كتب النسخ نفسِها: نقل ابنُ الجوزي عن الحسن أنّ «الأشهر الحرم» في الآية هي أشهرُ التسيير، وختمه بقوله: «وعلى هذا البيان فلا نسخ أصلا» ١٠. ودعوى نسخ ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ قولٌ منسوبٌ إلى السدّيّ ١١ لا إجماع، وسببُ نزولها عكسُ ما يُحتجّ به: آباءٌ أرادوا إكراهَ أبنائهم على الإسلام «فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين}» ١٢. والذي لا أدّعي حسمَه أنّ خلافَ أهل العلم في تحرير مناط القتال قديمٌ قائم — وهو ما يقوله الكتاب نفسُه بلا تجميل: «ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه» ١٣.
-
﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾ — أهذه إتاوةٌ تُفرض على غير المسلم لِيُذَلّ؟
لا أُخفّف شقَّك الثقيل ولا أُسلّم ما بُني عليه. الآيةُ تقول ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾ ١، والتفسيرُ الميسّر يقرؤها «خاضعين أذلاء» ٢، وابن القيّم يحدّ الجزية بأنّها «مال مأخوذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام» ٣ — فمن قال لك إنّ أحدًا لم يقرأها إذلالًا فقد أخفى عنك. لكنّ الشافعيّ يحدّ اللفظَ نفسَه بغير ذلك: «الصغار: أن يجري عليهم حكم الإسلام» ٤ — خضوعٌ للقضاء، لا مراسمُ إهانةٍ تُقام على الدافع. وأمّا أنّها تُؤخذ منك «لأنّك لستَ منّا» فيكذّبه من تُؤخذ منه: هي على «الذين فيهم القتال وهم: الرجال البالغون» ٤ — والمرأةُ والصبيُّ ليسا منّا كذلك ولا يدفعان شيئًا. والمقدارُ يتبع الثروةَ لا العقيدة: دينارٌ عن كلّ حالمٍ في اليمن ٣، ثمّ رفعه عمرُ في الشام إلى أربعة، لأنّ «رسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن، وعمر رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم» ٥. وما يُشترى بها مكتوبٌ في عقدٍ محفوظ: أهلُ أيلة أعطَوا الجزية فكُتب لهم أنّ «سفنهم وسيارتهم في البر والبحر» في الذمّة، وأنّه «لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يردونه» ٦، وسقفُها: «من ظلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ… فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ» ٧.
١ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ
سورة التوبة ٩:٢٩ · افتح الموضع
٢ أيها المسلمون قاتلوا الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يجتنبون ما نهى الله عنه ورسوله، ولا يلتزمون أحكام شريعة الإسلام من اليهود والنصارى، حتى يدفعوا الجزية التي تفرضونها عليهم بأيديهم خاضعين أذلاء.
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٢٩ · افتح الموضع
٣ ولما بعث معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريا… وكلاهما جزية، فإنه مال مأخوذ من الكفار على وجه الصغار في كل عام.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٥٦١ · افتح الموضع
٤ «قال: وسمعت رجالا «1» -: من أهل العلم.- يقولون: الصغار: أن يجري عليهم حكم الإسلام «2» . وما أشبه ما قالوا، بما قالوا-: لامتناعهم من الإسلام فإذا جرى عليهم حكمه: فقد أصغروا بما يجري عليهم منه «3» .» … «وكان بينا: أن «7» الله (عز وجل) أمر بقتالهم عليها: الذين فيهم القتال وهم: الرجال البالغون «8» .»
الشافعيّ · أحكام القرآن للشافعي — جمع البيهقي ص٥٩ · افتح الموضع
٥ …رضي الله عنه فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم ضعف أهل اليمن، وعمر رضي الله عنه علم غنى أهل الشام وقوتهم.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٨٤ · افتح الموضع
٦ ولما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك أتاه صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية… وكتب لصاحب أيلة: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة، سفنهم وسيارتهم في البر والبحر، لهم ذمة الله ومحمد النبي… وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه، ولا طريقا يردونه من بحر أو بر»
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٤٦٩ · افتح الموضع
٧ ألا من ظلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ .
عدة آباء من أصحاب النبي · ابن حجر العسقلاني · هداية الرواة 4/100 · حسن
٨ وإن لم يأته المطلوب: راضيا بحكمه وكذلك: إن أظهر السخط «1» لحكمه. لما «2» وصفت: من قول الله عز وجل: (وهم صاغرون: 9- 29) . فكان «3» الصغار (والله أعلم) : أن يجري عليهم حكم الإسلام.» .
الشافعيّ · أحكام القرآن للشافعي — جمع البيهقي ص٧٨ · افتح الموضع
كانَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا أمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريَّةٍ، أوصاه في خاصَّتِه بتَقوى اللهِ، ومَن معهُ مِنَ المُسلِمينَ خَيرًا، ثُمَّ قال: اغزوا باسمِ اللهِ في سَبيلِ اللهِ، قاتِلوا مَن كَفَرَ باللهِ، اغزوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا، ولا تَمثُلوا، ولا تَقتُلوا وليدًا. وإذا لَقيتَ عَدوَّكَ مِنَ المُشرِكينَ فادعُهم إلى ثَلاثِ خِصالٍ -أو خِلالٍ- فأيَّتُهنَّ ما أجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثُمَّ ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثُمَّ ادعُهم إلى التَّحَوُّلِ مِن دارِهم إلى دارِ المُهاجِرينَ، وأخبِرْهُم أنَّهم إن فعَلوا ذلك فلَهم ما للمُهاجِرينَ، وعليهم ما على المُهاجِرينَ، فإن أبَوا أن يَتَحَوَّلوا منها فأخبِرْهُم أنَّهم يَكونونَ كَأعرابِ المُسلِمينَ، يَجري عليهم حُكمُ اللهِ الذي يَجري على المُؤمِنينَ، ولا يَكونُ لهم في الغَنيمةِ والفَيءِ شيءٌ إلَّا أن يُجاهِدوا مع المُسلِمينَ، فإن هُم أبَوا فسَلهُمُ الجِزيةَ، فإن هُم أجابوكَ فاقبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، فإن هُم أبَوا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلهُم. وإذا حاصَرتَ أهلَ حِصنٍ فأرادوكَ أن تَجعَلَ لهم ذِمَّةَ اللهِ، وذِمَّةَ نَبيِّه، فلا تَجعَلْ لهم ذِمَّةَ اللهِ، ولا ذِمَّةَ نَبيِّه، ولَكِنِ اجعَلْ لهم ذِمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابِكَ؛ فإنَّكُم أن تُخفِروا ذِمَمَكُم وذِمَمَ أصحابِكُم أهونُ مِن أن تُخفِروا ذِمَّةَ اللهِ وذِمَّةَ رَسولِه، وإذا حاصَرتَ أهلَ حِصنٍ فأرادوكَ أن تُنزِلَهم على حُكمِ اللهِ، فلا تُنزِلْهُم على حُكمِ اللهِ، ولَكِن أنزِلْهُم على حُكمِكَ؛ فإنَّكَ لا تَدري أتُصيبُ حُكمَ اللهِ فيهم أم لا. وفي روايةٍ: كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا بَعَثَ أميرًا أو سَريَّةً دَعاه فأوصاه... .
بريدة بن الحصيب الأسلمي · مسلم · صحيح مسلم 1731 صحيح
ألا من ظلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ .
عدة آباء من أصحاب النبي · ابن حجر العسقلاني · هداية الرواة 4/100 حسن
وأقوى ما يُعترض به
الشافعيُّ الذي احتججتَ به يقول في الكتاب نفسِه: «فلم يأذن الله (عز وجل) : في أن تؤخذ الجزية ممن أمر بأخذها منه، حتى يعطيها عن يد: صاغرا» [[8]] — فالصغارُ عنده شرطٌ في صحّة الأخذ لا وصفٌ لأثرٍ عارض، وهذا نصُّ ما ادّعيتُه أنا. وتدرُّجُ المقدار وحمايةُ الطريق لا يمسّان موضعَ الشكوى: الضريبةُ تبقى معلَّقةً بألّا أدين بدينكم، والآيةُ تمدّ القتالَ ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟﴾ — فهي فديةُ سيفٍ سمّيتموها عقدَ تأمين.
الشرطُ مسلَّم، والنزاعُ في مضمونه؛ والشافعيُّ يفسّره بيده في الموضع الثاني: يمضي حكمُ القاضي عليهم «وإن لم يأته المطلوب: راضيا بحكمه»، «لما وصفت: من قول الله عز وجل: (وهم صاغرون)… فكان الصغار: أن يجري عليهم حكم الإسلام» ٨ — فهو يستخرج من اللفظ إلزامَ القضاء، لا إهانةَ الجابي. وأمّا ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟﴾ ١ فالسنّةُ ترتّب ما قبلها أربعًا لا واحدة: الإسلامُ، ثمّ التحوّل، ثمّ «فإن هُم أبَوا فسَلهُمُ الجِزيةَ»، ثمّ «فإن هُم أبَوا فاستَعِنْ باللهِ وقاتِلهُم» آخرًا — فهي آخرُ ما يُعرض قبل السيف لا أوّلُ ما يُطلب. ويبقى في اللفظ ثقلٌ لا يرفعه هذا كلُّه — وقد أثبتُّه في صدر الجواب ولم أزعم رفعَه.
-
داعشُ والقاعدةُ يستدلّون بالآيات نفسِها التي تستدلّون بها. فما الذي يجعل قراءتَكم أصحَّ من قراءتهم؟
لن تسمع منّي «هؤلاء لا يمثّلون الإسلام» ثمّ أمضي؛ فتلك جملةٌ «صحيحةٌ في الحكم، وناقصةٌ في وصف الواقعة: الفاعلُ كان يقصد الدينَ قصدًا، وهذا جزءٌ ممّا يجب أن يُفسَّر لا أن يُنفى» ١. وأمّا «أين ينكسر استدلالُهم بالضبط» فالنصُّ نفسُه يسمّي آليّةَ الانحراف بوصفها لا باسم أصحابها: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ﴾ ٢، وشرحُها أنّهم «يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها» بينما الراسخون «يردُّون متشابهه إلى محكمه» ٣ — فذمُّ القراءة بالانتقاء حكمُ النصّ لا حكمُنا. وقد أجرى ابنُ القيّم هذا المِحكَّ على أوّل طائفةٍ من هذا الصنف بلفظٍ يطابق ما تراه في الخبر: «فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم» ٤ — وهو نصُّ العلامة النبويّة في حديثٍ صحيح: «يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم… يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ، ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ» ٥، فالحفظُ الذي احتججتَ به داخلٌ في الوصف لا ناقضٌ له. وموضعُ الكسر خطوتان بأعيانهما: التكفيرُ — ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا﴾ ٦، «ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم» ٧، و«تكفير من لم يكفره الله ورسوله» كبيرةٌ في نفسها ٨ — ثمّ الاستعراضُ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ ٩ وتفسيرُه «قَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ» ١٠. وما لا أُعطيكه فأُصرّح به قبل أن تكتشفه: ترجيحٌ في آيات القتال نفسِها، والكتاب يمتنع في هذا الموضع بعينه صراحةً ١١.
١ ومن قال «هؤلاء لا يمثّلون الدين» يقول شيئًا صحيحًا في الحكم، وناقصًا في وصف الواقعة: الفاعلُ كان يقصد الدينَ قصدًا، وهذا جزءٌ ممّا يجب أن يُفسَّر لا أن يُنفى.
١٧. الدين والحروب · افتح الموضع
٢ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌۭ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَآءَ ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَآءَ تَأْوِيلِهِۦ
سورة آل عمران ٣:٧ · افتح الموضع
٣ فأصحاب القلوب المريضة الزائغة، لسوء قصدهم يتبعون هذه الآيات المتشابهات وحدها؛ ليثيروا الشبهات عند الناس، كي يضلوهم، ولتأويلهم لها على مذاهبهم الباطلة. … ويردُّون متشابهه إلى محكمه
التفسير الميسّر — آل عمران ٣:٧ · افتح الموضع
٤ فكفروهم وخرجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢١٧ · افتح الموضع
٥ بُعِثَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذُهَيبةٍ، فقَسَمَها بينَ أربَعةٍ، وحدَّثَني إسحاقُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبَرَنا سُفيانُ، عن أبيه، عَنِ ابنِ أبي نُعمٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: بَعَثَ عَليٌّ وهو باليَمَنِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذُهَيبةٍ في تُربَتِها، فقَسَمَها بينَ الأقرَعِ بنِ حابِسٍ الحَنظَليِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني مُجاشِعٍ، وبينَ عُيَينةَ بنِ بَدرٍ الفَزاريِّ وبينَ عَلقَمةَ بنِ عُلاثةَ العامِريِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني كِلابٍ وبينَ زَيدِ الخَيلِ الطَّائيِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني نَبهانَ، فتَغَيَّظَت قُرَيشٌ والأنصارُ فقالوا: يُعطيه صَناديدَ أهلِ نَجدٍ ويَدَعُنا، قال: إنَّما أتَألَّفُهم، فأقبَلَ رَجُلٌ غائِرُ العَينَينِ، ناتِئُ الجَبينِ، كَثُّ اللِّحيةِ، مُشرِفُ الوجنَتَينِ، مَحلوقُ الرَّأسِ، فقال: يا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فمَن يُطيعُ اللهَ إذا عَصَيتُه؟! فيَأمَنُني على أهلِ الأرضِ ولا تَأمَنوني! فسَألَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ قَتْلَه، أُراه خالِدَ بنَ الوليدِ، فمَنَعَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا ولَّى قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ مِن ضِئضِئِ هذا قَومًا يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ مِنَ الإسلامِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّميَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ، ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لَئِن أدرَكتُهم لَأقتُلَنَّهم قَتلَ عادٍ. .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 7432 · صحيح
٦ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا
سورة النساء ٤:٩٤ · افتح الموضع
٧ ولا تنفوا الإيمان عمن بدا منه شيء من علامات الإسلام ولم يقاتلكم؛ لاحتمال أن يكون مؤمنًا يخفي إيمانه
التفسير الميسّر — النساء ٤:٩٤ · افتح الموضع
٨ فمن الكبائر تكفير من لم يكفره الله ورسوله، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أمر بقتال الخوارج وأخبر أنهم شر قتلى تحت أديم السماء وأنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ودينهم تكفير المسلمين بالذنوب
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٣٠٧ · افتح الموضع
٩ وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟
سورة البقرة ٢:١٩٠ · افتح الموضع
١٠ ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم
التفسير الميسّر — البقرة ٢:١٩٠ · افتح الموضع
١١ ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه. والذي أقوله جازمًا شيءٌ واحدٌ خارجَ محلّ النزاع: أنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، ولا أعلم له قولًا معتبَرًا يُسنده — وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١٢ فإذا انقضت الأشهر الأربعة التي أمَّنتم فيها المشركين، فأعلنوا الحرب على أعداء الله حيث كانوا، واقصدوهم بالحصار في معاقلهم، وترصدوا لهم في طرقهم
التفسير الميسّر — التوبة ٩:٥ · افتح الموضع
١٣ وأخرج ابن سعد من طريق عكرمة عن ابن عباس أن علي بن أبي طالب أرسله إلى الخوارج فقال اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنة
جلال الدين السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٤٠٩ · افتح الموضع
١٤ والخوارج من أصدق الناس لهجة، وقد كذبوا على الله ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنهم صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنونه من أصدق الصدق.
ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٢٩٣ · افتح الموضع
بُعِثَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذُهَيبةٍ، فقَسَمَها بينَ أربَعةٍ، وحدَّثَني إسحاقُ بنُ نَصرٍ، حَدَّثَنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبَرَنا سُفيانُ، عن أبيه، عَنِ ابنِ أبي نُعمٍ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: بَعَثَ عَليٌّ وهو باليَمَنِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بذُهَيبةٍ في تُربَتِها، فقَسَمَها بينَ الأقرَعِ بنِ حابِسٍ الحَنظَليِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني مُجاشِعٍ، وبينَ عُيَينةَ بنِ بَدرٍ الفَزاريِّ وبينَ عَلقَمةَ بنِ عُلاثةَ العامِريِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني كِلابٍ وبينَ زَيدِ الخَيلِ الطَّائيِّ، ثُمَّ أحَدِ بَني نَبهانَ، فتَغَيَّظَت قُرَيشٌ والأنصارُ فقالوا: يُعطيه صَناديدَ أهلِ نَجدٍ ويَدَعُنا، قال: إنَّما أتَألَّفُهم، فأقبَلَ رَجُلٌ غائِرُ العَينَينِ، ناتِئُ الجَبينِ، كَثُّ اللِّحيةِ، مُشرِفُ الوجنَتَينِ، مَحلوقُ الرَّأسِ، فقال: يا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ، فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فمَن يُطيعُ اللهَ إذا عَصَيتُه؟! فيَأمَنُني على أهلِ الأرضِ ولا تَأمَنوني! فسَألَ رَجُلٌ مِنَ القَومِ قَتْلَه، أُراه خالِدَ بنَ الوليدِ، فمَنَعَه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فلَمَّا ولَّى قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّ مِن ضِئضِئِ هذا قَومًا يَقرَؤونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهم، يَمرُقونَ مِنَ الإسلامِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّميَّةِ، يَقتُلونَ أهلَ الإسلامِ، ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، لَئِن أدرَكتُهم لَأقتُلَنَّهم قَتلَ عادٍ. .
أبو سعيد الخدري · البخاري · صحيح البخاري 7432 صحيح
بعَثَ عليٌّ وهو باليَمنِ بذُهَيْبَةٍ بتُرْبَتِها إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَسَمَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بينَ أربعةِ نفَرٍ؛ الأقرعِ بنِ حابسٍ الحَنْظليِّ، وعُيَيْنَةَ بنِ بدرٍ الفَزاريِّ، وعَلْقمةَ بنِ عُلاثةَ العامِريِّ، ثمَّ أحَدِ بَني كِلابٍ، وزَيدٍ الطائيِّ، ثمَّ أحدِ بَني نَبْهانَ؛ فغضِبَتْ قُرَيشٌ، وقال مرَّةً أخرى: صَناديدُ قريشٍ، فقالوا: تُعْطي صَناديدَ نَجْدُ وتَدَعُنا؟ قال: إنَّما فعَلْتُ ذلك لِأَتألَّفَهم، فجاءَ رجُلٌّ كَثُّ اللِّحيةِ، مُشرِفُ الوَجْنَتَيْنِ، غائِرُ العينَيْنِ، ناتِئُ الجَبينِ، مَحلوقُ الرأسِ، فقال: اتَّقِ اللهَ يا مُحمَّدُ، قال: فمَنْ يُطِعِ اللهَ عزَّ وجلَّ إنْ عصيْتُه؟! أيَأْمَنُني على أهلِ الأرضِ، ولا تَأْمَنوني؟! ثمَّ أدبَرَ الرَّجُلُ؛ فاستأذَنَ رجُلٌ مِنَ القَومِ في قتْلِه -يَرَوْنَ أنَّه خالدُ بنُ الوَليدِ-، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ مِن ضِئْضِئِ هذا قومًا يَقرؤونَ القرآنَ، لا يُجاوِزُ حناجِرَهم، يَقتلونَ أهلَ الإسلامِ، ويَدَعونَ أهلَ الأوثانِ، يَمْرُقونَ مِنَ الإسلامِ كما يَمْرُقُ السَّهمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أدرَكْتُهم لَأَقْتُلَنَّهم قَتْلَ عادٍ. .
أبو سعيد الخدري · الألباني · صحيح النسائي 2577 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
وهذا انتقاءٌ مضادٌّ لا نقض. اخترتَ ٤:٩٤ و٢:١٩٠ وسكتَّ عن ٩:٥ — وهي آيتُهم لا آيتُك، وتفسيرُكم نفسُه لا يذكر فيها قيدًا. وابنُ القيّم ليس حَكَمًا بيني وبينهم بل خصمٌ في النزاع: كلُّ فرقةٍ تسمّي ما وافقها محكمًا وما خالفها متشابهًا، فمن يفصل؟ ثمّ إنّ إخلاصَهم وحفظَهم يقولان إنّهم قرأوا كتابَكم كما هو، لا أنّهم «مرضى قلوب» — والوصفُ الذي تسوقه علامةً يصلح لكلّ مخالفٍ فلا يميّز أحدًا.
صادقٌ في شطره الأوّل، ولذلك لا أزيّف لك جوابًا فيه: نصُّ الميسّر على ٩:٥ «فأعلنوا الحرب على أعداء الله حيث كانوا، واقصدوهم بالحصار في معاقلهم» — لا قيدَ فيه، ووضعُ ٩:٦ تحته لتخرج بأنّها تقيّده ترتيبٌ منّا لا نقلٌ عن مفسِّر ١٢. وموقفُ الكتاب معلَنٌ بحروفه بتحفُّظه: «ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه… أنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، ولا أعلم له قولًا معتبَرًا يُسنده — وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب» ١١. وأمّا «من يفصل؟» فاعتراضُك عُمل به قبل أن يُسأل: أرسل عليٌّ ابنَ عبّاسٍ إليهم فقال «اذهب إليهم فخاصمهم ولا تحاجهم بالقرآن فإنه ذو وجوه ولكن خاصمهم بالسنة» ١٣ — أي أنّ رميَ الآية بالآية لا يفصل، وهي شكواك نفسُها مقولةً من داخل الملّة لا من خارجها. وأمّا الإخلاصُ فليس في الميزان أصلًا، وأهلُ العلم قالوها فيهم لا فيك: «والخوارج من أصدق الناس لهجة، وقد كذبوا على الله ورسوله… وهم يظنون أنهم صادقون غير كاذبين» ١٤ — فالعلامةُ الفارقةُ ليست دعوى نيّةٍ بل فعلٌ يُطابَق: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ٥.
-
يقال إنّ ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ منسوخةٌ بآية التوبة. فهل تحتجّون بآيةٍ ملغاة؟
لا. الآيةُ ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ ١ ليس فيها إجماعُ نسخٍ نُخفيه عنك، بل خلافٌ مسجَّلٌ في كتب النسخ نفسِها — «اختلف العلماء هل هذا القدر من الآية محكم أومنسوخ» — وعلى إحكامها ابنُ عبّاسٍ ومجاهدٌ وقتادة ٢. وأسوق لك الطرفَ الآخر بأصحابه لا ألفّه: الضحّاك والسُّدّيُّ وابنُ زيدٍ قالوا بنسخها، والسُّدّيُّ عيّن الناسخَ ببراءةَ كما تقول أنت، ومستندُهم أنّها «نزلت قبل الأمر بالقتال» ٣. وهذا المستندُ يسقط بسبب نزولها هي: ابنُ عبّاسٍ يجعلها في إجلاء بني النضير ٤، وابنُ القيّم يقطع أنّ النضيرَ «كانت بعد أحد» ٥ — فهي نازلةٌ والقتالُ قائم، لا قبل الأمر به. وأمّا أنّا لا نعمل بها: عمرُ بن الخطّاب — وهو يلي «أمانة المسلمين» — عرض الإسلامَ على مملوكه وَشَقٍ الروميّ فأبى، فقال «لا إكراه في الدين» ثمّ أعتقه وقال «اذهب حيث شئت» ٦، وأبو عبيدٍ ساق ذلك ثمّ قضى بإحكامها ٧. وفي براءةَ نفسِها — السورةِ المدَّعى أنّها ألغتها — بعد آية السيف بآيةٍ واحدة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ ٨ — يسمع ثمّ «أَعِدْه من حيث أتى آمنًا»، و«فربما اختاروه إذا زال الجهل عنهم» ٩: فخروجُه سالمًا غيرُ معلَّقٍ على إسلامه.
١ لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
٢ اختلف العلماء هل هذا القدر من الآية محكم أومنسوخ. … أحدهما: أنه من العام المخصوص وأنه خص منه أهل الكتاب فإنهم لا يكرهون على الإسلام بل يخيرون بينه وبين أداء الجزية وهذا المعنى مروي عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٩٦ · افتح الموضع
٣ والقول الثاني: أنه منسوخ، (لأن هذه الآية) 4 نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف، وهذا قول الضحاك والسدي وابن زيد. … عن إسماعيل السدي فأسنده إلى من فوقه {لا إكراه في الدين} قال نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في براءة.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٩٨ · افتح الموضع
٤ عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت المرأة من نساء الأنصار تكون مقلاة فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده، فلما أجليت النضير كان فيهم من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي}
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٨٢ · افتح الموضع
٥ وزعم محمد بن شهاب الزهري أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك فيه أنها كانت بعد أحد، والتي كانت بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٢٢ · افتح الموضع
٦ عن وشق الرومي (2) قال: كنت مملوكا لعمر بن الخطاب فقال لي: يا وشق أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فإني لا أستعين عليهم بمن ليس منهم قال: فأبيت فقال: لا إكراه في الدين قال: ثم أعتقني وقال: اذهب حيث شئت
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ ص٢٨١ · افتح الموضع
٧ قال أبو عبيد: وهذا وجه هذه الآية- إن شاء الله- أن تكون في أهل الذمة لأدائهم الجزية أو يكونوا مماليك فأما أهل الحرب فلا يكون لهم
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ ص٢٨١ · افتح الموضع
٨ وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ
سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
٩ وإذا طلب أحد من المشركين الذين استبيحت دماؤهم وأموالهم الدخول في جوارك -أيها الرسول- ورغب في الأمان، فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا؛ وذلك لإقامة الحجة عليه؛ ذلك بسبب أن الكفار قوم جاهلون بحقائق الإسلام، فربما اختاروه إذا زال الجهل عنهم.
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
١٠ لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
١١ ٣. أعمل به المخاطَبون الأوّلون بعد زوال الواقعة، أم وقفوه عليها؟ فعملُ الجيل الذي شهد الواقعة قرينةٌ قويّةٌ على أيّهما فهم. ٤. أيُقرأ متّصلًا بما قبله وبعده فيتغيّر معناه؟ فقطعُ الجملة من موضعها يصنع حكمًا لم يقله أحد — وهذا يقع من المعترض ومن المدافع سواء.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١٢ وقال ابن العربي كل ما في القرآن من الصفح عن الكفار والتولي والإعراض والكف عنهم فهو منسوخ بآية السيف وهي فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين الآية نسخت مائة وأربعا وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٦٣ · افتح الموضع
١٣ إذا عملت ذلك فقد خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير مع آيات الصفح والعفو إن قلنا إن آية السيف لم تنسخها وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير وقد أفردته بأدلته في تأليف لطيف وها أنا أورده هنا محررا
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٥٩ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
انتقيتَ من الخلاف طرفَك، ثمّ لم تقل لنا ماذا يقول طرفُك حقًّا. أبو عبيدٍ الذي احتججتَ به يقصر الآيةَ على أهل الذمّة والمماليك ويصرّح: «فأما أهل الحرب فلا يكون لهم» [[7]]، والتفسيرُ الذي تنشره أنت على موقعك يقيّدها «لمن تُقبل منهم الجزية» [[10]]. فالذي عندكم ليس «لا إكراه في الدين»، بل: لا إكراه بعد أن تُهزم وتؤدّي. وهذه هي الواجهةُ بعينها — كلُّ ما فعلتَه أنّك نقلتَها من باب النسخ إلى باب التخصيص.
شطرُه صحيحٌ وأُقرّه بلا تلطيف: من أحكم الآيةَ لم يقرأها إعلانَ حرّيةِ معتقدٍ بالمعنى الحديث، وقيدُه مكتوبٌ بحروفه ٧ ١٠، ومن ساقها إليك على أنّها المادّةُ الثامنةَ عشرةَ من الإعلان العالميّ غشّك. لكنّ سؤالك كان: أهي ملغاة؟ والجوابُ لا — والفرقُ بين «مقيَّدة» و«ملغاة» ليس لفظيًّا: المقيَّدةُ يُحكم بها في مداها، وقد حُكم بها فعلًا في مملوكٍ رفض الإسلام فخرج حرًّا ٦. وأمّا تهمةُ الانتقاء فالميزانُ معلَنٌ عندي مكتوبٌ قبل هذه المسألة: «أعمل به المخاطَبون الأوّلون بعد زوال الواقعة، أم وقفوه عليها؟ فعملُ الجيل الذي شهد الواقعة قرينةٌ قويّةٌ على أيّهما فهم» و«أيُقرأ متّصلًا بما قبله وبعده فيتغيّر معناه؟» ١١ — فبالأوّل يترجّح عملُ عمر ٦، وبالثاني موضعُ الآية في براءةَ نفسِها ٨. وأزيدك ما يثقل عليّ لا عليك: دعوى النسخ بآية السيف بلغت عند ابن العربيّ «مائة وأربعا وعشرين آية ثم نسخ آخرها أولها» ١٢ — وهي التي لم تصمد عند السيوطيّ إذ «خرج من الآيات التي أوردها المكثرون الجم الغفير… وبقي مما يصلح لذلك عدد يسير» ١٣. فاتّساعُ دعوى النسخ هو المتّهم، لا احتجاجُنا بالآية.
-
لماذا لم يقل القرآنُ صراحةً: لا رِقَّ بعد اليوم؟
نعم، وليس في المصحف سطرٌ يقول «لا رِقَّ بعد اليوم»؛ ومقدّمةُ سؤالك صحيحة، والكتاب يقرّرها في أصعب فصوله: من ينتظر ذلك «يسأل سؤالًا وجيهًا»، وأجوبةُ أهل العلم فيها «ما يُقنع وما لا يُقنع»، ولا يزعم أنّ المسألة محسومة ١. والذي في اللفظ يُعرف على حدة: آيةُ الأسرى تسمّي في نصّها وجهين لا ثالثَ لهما ﴿فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً﴾ ٢، والاسترقاقُ يدخل من قراءة المفسِّر لا من الآية — فالتفسير الميسّر يزيد على الاثنين: «وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا» ٣. وفي الجهة المقابلة سهمٌ ثابتٌ من الزكاة المفروضة ﴿وَفِى ٱلرِّقَابِ﴾ ٤ يُصرف «في عتق رقاب الأرقاء والمكاتبين» ٥، وعتقُ رقبةٍ كفّارةٌ فيما يقع للناس كلَّ يوم كاليمين المحنوثة ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ﴾ ٦، وللمملوك أن يطلب عقدًا يشتري به نفسَه ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ٧. وأثقلُ ما يُقال على هذا — وأقوله ولا أُخفيه — أنّ هذا المخرجَ الأخير ليس مُلزِمًا عند الشافعيّ: «فأحب إلي لسيده: أن يكاتبه»، ولا يَبين له أن يُجبَر السيّدُ عليه، لاحتمال الآيةِ الإرشادَ أو الإباحةَ لا الحتمَ ٨. وأمّا خاتمةُ سؤالك فلا تُدفع بجدال، والذي يُقال بلا نزاعٍ أنّ البابَ «أُغلق عمليًّا في العالم كلِّه»، وأنّ من حاول إحياءه من الجماعات المسلّحة اليوم «قوبل بإنكارٍ واسعٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم» ٩.
١ وهنا موضعُ الإشكال، وأقولها بلا تلطيف: من يقول «كنتُ أنتظر من نصٍّ إلهيٍّ أن يقول: لا رقَّ بعد اليوم» يسأل سؤالًا وجيهًا. وأجوبةُ أهل العلم عنه متفاوتة: منها ما يتكلّم عن التدرّج في نظامٍ يقوم عليه اقتصادُ العالم كلِّه، ومنها ما يتكلّم عن أنّ إغلاقَ المداخل يبلغ الغايةَ بلا هدمٍ مفاجئ. وفيها ما يُقنع وما لا يُقنع، ولا أزعم لك أنّ المسألة محسومةٌ عندي ولا عندهم.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة — رابعًا: أصعبُ ما في الباب — الرقّ، ولا أتهرّب منه · افتح الموضع
٢ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا…
سورة محمد ٤٧:٤ · افتح الموضع
٣ فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل، وكسرتم شوكتهم، فأحكموا قيد الأسرى: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.…
التفسير الميسّر · سورة محمد ٤٧:٤ · افتح الموضع
٤ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱلْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَٱلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَٱلْغَٰرِمِينَ وَفِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ ۖ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ…
سورة التوبة ٩:٦٠ · افتح الموضع
٥ إنما تعطى الزكوات الواجبة للمحتاجين الذين لا يملكون شيئًا، وللمساكين الذين لا يملكون كفايتهم، وللسعاة الذين يجمعونها، وللذين تؤلِّفون قلوبهم بها ممن يُرْجَى إسلامه أو قوة إيمانه أو نفعه للمسلمين، أو تدفعون بها شرَّ أحد عن المسلمين، وتعطى في عتق رقاب الأرقاء والمكاتبين،…
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٦٠ · افتح الموضع
٦ لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِىٓ أَيْمَٰنِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلْأَيْمَٰنَ ۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ…
سورة المائدة ٥:٨٩ · افتح الموضع
٧ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ…
سورة النور ٢٤:٣٣ · افتح الموضع
٨ قال الشافعي «3» : «وإذا جمع القوة على الاكتساب، والأمانة-: فأحب إلي لسيده: أن يكاتبه «4» . ولا ببين لي: أن «5» يجبر عليه لأن الآية محتملة: أن يكون «6» : إرشادا، أو «7» إباحة [لا: حتما «8» ] . وقد ذهب هذا المذهب، عدد: ممن لقيت من أهل العلم «9» .» .
الشافعي (جمعه البيهقي) · أحكام القرآن للشافعي ص١٦٩ · افتح الموضع
٩ وما يمكن قولُه بلا نزاع: أنّ البابَ أُغلق عمليًّا في العالم كلِّه، وأنّ من حاول إحياءه من الجماعات المسلّحة في زماننا قوبل بإنكارٍ واسعٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة — رابعًا: أصعبُ ما في الباب — الرقّ، ولا أتهرّب منه · افتح الموضع
١٠ عبد الله بن صالح حدثنا عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن (1) في الأرض (2) قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى فإما منا بعد وإما فداء (3) فجعل الله عز وجل النبي- صلى الله عليه- والمؤمنين في الأسارى بالخيار إن شاءوا قتلوهم وإن شاءوا فادوهم وإن شاءوا استعبدوهم، شك أبو عبيد في استعبدوهم (4).
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ص٢٠٨ · افتح الموضع
١١ روي عن ابن عباس ومجاهد في آخرين أن هذه الآية منسوخة بقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} 2 وليس للنسخ وجه لأن غزاة بدر كانت وفي المسلمين قلة، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزلت الآية الأخرى، ويبين هذا قوله: {حتى يثخن في الأرض}.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٤٥٤ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سقتَه إدارةٌ للرِّقّ لا إبطالٌ له: كفّارةٌ تُشترى فيها رقبةٌ من سوقٍ قائم، وسهمُ زكاةٍ يُدفع ثمنًا لبشرٍ إلى مالكه، ومكاتبةٌ يقول إمامُكم نفسُه إنّها لا تُجبر — وثلاثتُها تُقرّ الملكيّة وتشتغل داخلها. بل قولُك «الآيةُ تسمّي وجهين» يهدمه ما في كتبكم أنتم: ابنُ عبّاسٍ يجعل الخيار أن يُقتَلوا أو يُفادَوا أو يُستعبَدوا. فليس عندك مانعٌ، وإنّما عندك ترغيبٌ يُخالَف بلا إثم — ولذلك دام ثلاثةَ عشرَ قرنًا حتى أُلغي بضغطٍ من خارج دياركم.
صحيحٌ في أكثره، ولا أدفعه. والذي أزيده اثنان: أنّ الروايةَ التي تحتجّ بها يحمل ناقلُها الشكَّ في الكلمة الفارقة نفسِها — «وإن شاءوا استعبدوهم، شك أبو عبيد في استعبدوهم» ١٠؛ وأنّ حكمَ الأسرى موضعُ نزاعٍ قديمٍ لم يستقرّ، حتى إنّ ابنَ الجوزي يردّ دعوى النسخ في الباب ويقول «وليس للنسخ وجه» ١١. وليس واحدٌ منهما مانعًا صريحًا، ولا أدّعي أنّه كذلك؛ والكتابُ الذي أُحيلك عليه يقول هذا بعينه: الأجوبةُ فيها «ما يُقنع وما لا يُقنع»، والمسألةُ غيرُ محسومة عنده ولا عندهم ١.
-
﴿فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا﴾ — أعقوبةٌ بدنيةٌ دائمةٌ على السرقة؟
لا. يدُ الجائع لا تُقطع، وهذا حكمٌ مسطورٌ في كتب الفقه لا اعتذارٌ يُصنع اليوم: عمرُ بن الخطاب أسقط القطعَ عن السارق في عام المجاعة، وسُئل أحمدُ بن حنبل: «إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة» ١. وأصرحُ منها قضيّةُ غلمان حاطب: سرقوا ناقةً وأقرّوا على أنفسهم، فأمر عمرُ بقطع أيديهم ثمّ ردّهم وقال لسيّدهم: «لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم … لقطعت أيديهم»، ثمّ غرّمه ضعفَ ثمن الناقة — أربعُ مئةٍ ثمنُها فأمر له بثماني مئة ٢؛ فنزلت العقوبةُ بمن أجاع لا بمن جاع. وابنُ القيّم يجعل الحاجةَ «شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء» ٣. ثمّ إنّ عمومَ الآية مقيَّدٌ في أصل التشريع لا في الاعتذار عنه: «لا تُقطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فما فوقَه» ٤، ولا قطعَ إلا فيما أُخرج من حرزٍ حتى إنّ الثمرَ والكثرَ لا قطعَ فيهما «لكونهما غير محرزين» ٥. والنصُّ نفسُه ﴿فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ﴾ ٦ موضوعُه الزجرُ لا استيفاءُ المال: «عقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما» ٧.
١ المثال الثالث: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أسقط القطع عن السارق في عام المجاعة، قال السعدي: … قال السعدي: سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: العذق النخلة، وعام سنة: المجاعة، فقلت لأحمد: تقول به؟ فقال: إي لعمري، قلت: إن سرق في مجاعة لا تقطعه؟ فقال: لا، إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة.
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٦ · افتح الموضع
٢ أن غلمة لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتى بهم عمر، فأقروا، فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم، فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى إن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم، وايم الله إذا لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك، ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربع مائة، قال عمر: اذهب فأعطه ثماني مائة.
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٦ · افتح الموضع
٣ وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء … وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج والمضطرون، ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره، فاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه، فدرئ. نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع.
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٧ · افتح الموضع
٤ لا تُقطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فما فوقَه. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 1684 · صحيح
٥ وذكر الشافعي رحمه الله في أمثال هذه الآية: آية الوضوء، وورود السنة بالمسح على الخفين، وآية السرقة وورود السنة بأن لا قطع في ثمر ولا كثر لكونهما غير محرزين وأن لا يقطع إلا من بلغت سرقته ربع دينار.
البيهقي · أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي ص٢٦ · افتح الموضع
٦ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا۟ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءًۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلًۭا مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌۭ
سورة المائدة ٥:٣٨ · افتح الموضع
٧ والسارق والسارقة فاقطعوا -يا ولاة الأمر- أيديهما بمقتضى الشرع، مجازاة لهما على أَخْذهما أموال الناس بغير حق، وعقوبةً يمنع الله بها غيرهما أن يصنع مثل صنيعهما. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٣٨ · افتح الموضع
٨ ٢. العقوبات. وههنا أكثرُ ما يقع فيه الخلطُ بين الخانات الأربع: ففرقٌ بين نصٍّ فيه عقوبةٌ مقدَّرة، وبين شروطِ إثباتٍ جعلها أهلُ العلم من الشدّة بحيث لا تكاد العقوبةُ تقع، وبين تطبيقِ دولةٍ تُنزلها بلا شرطٍ ولا نظر. ومن ناقش الأولى في صورة الثالثة ناقش شيئًا لم يُشرَّع. وهذا تفكيكٌ صحيحٌ ولا أقدّمه جوابًا كاملًا: يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
لا تُقطَعُ اليَدُ إلَّا في رُبعِ دينارٍ فما فوقَه. .
عائشة أم المؤمنين · مسلم · صحيح مسلم 1684 صحيح
تُقطَعُ اليَدُ في رُبُعِ دينارٍ فصاعِدًا. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 6789 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ ما سقتَه تضييقٌ لا نقض. الآيةُ قائمةٌ تأمر بالقطع، وابنُ القيّم الذي احتججتَ به يختم البابَ بقوله: «نعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع» — فالبترُ الدائمُ لم يسقط، إنّما نُقل من الجائع إلى الشبعان. وأنا لم أسأل عن الجائع وحدَه: سألتُ كيف يكون قطعُ عضوٍ لا يعود عقوبةَ مالٍ يُردّ. ومن أجابني بالشروط أجابني عن غير سؤالي، وسمّى التضييقَ جوابًا.
الشقُّ الأوّل صحيحٌ ولا أُداريه: ابنُ القيّم يقول ذلك بلفظه ٣، والكتاب يُقرّ بالحدّ نفسِه قبل أن يُقال له — يسمّي التفريقَ بين النصّ وشروطِ إثباته وتطبيقِ دولةٍ «تفكيكٌ صحيحٌ ولا أقدّمه جوابًا كاملًا: يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه» ٨. لكنّ سؤالك لم يُطرح في جنس العقوبة، طُرح في صورةٍ بعينها — جائعٌ ورغيف — وهي بعينها الصورةُ التي يُدرأ فيها القطع ١، فمن جادل بها «ناقش شيئًا لم يُشرَّع» ٨. والباقي بعد تصحيح الصورة سؤالٌ عن غير الجائع: من نقب حرزًا وأخذ ربعَ دينارٍ فصاعدًا وهو مستغنٍ ٤ — وموضوعُ الآية فيه الزجرُ لا استيفاءُ المال ٧. وذاك سؤالٌ قائمٌ لا أزعم أنّي أنهيتُه؛ وإنّما أنهيتُ الصورةَ التي بُني عليها.
-
ما الجهادُ في النصّ: قتالٌ أم جهادُ النفس؟ وهل «الجهادُ الأكبر» ثابت؟
صدقتَ في الحديث وأخطأتَ في الاستنتاج. حديثُ «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» ضعيفٌ فعلًا، والقائلُ بذلك ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» — لا معتذِرٌ اليوم: يرويه مرفوعًا من حديث جابر «بإسناد ضعيف»، وينسب اللفظَ إلى إبراهيم بن أبي علقمة لا إلى النبيّ ١. لكنّ المعنى لا يقوم على هذا الضعيف: «المجاهدُ مَن جاهَد نفسَه في اللهِ» صحّحه ابنُ حبّان ٢، وعليه بنى ابنُ القيّم أنّ «جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج، وأصلا له» ٣، وقسّم الجهادَ أربعَ مراتبَ — النفس والشيطان والكفّار والمنافقين — وجهادُ النفس وحده أربعُ مراتب: تعلُّمُ الحقّ، ثمّ العملُ به، ثمّ الدعوةُ إليه، ثمّ الصبرُ على أذى الخلق فيه ٤، حتى بلغت ثلاثَ عشرةَ مرتبة ٥. وأمّا أنّ اللفظَ قتالٌ محضٌ في أصله فيردُّه القرآنُ نفسُه: ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا﴾ ٦، والتفسيرُ الميسَّر يقرؤها «وجاهد الكافرين بهذا القرآن جهادًا كبيرًا، لا يخالطه فتور» ٧، وابنُ القيّم يقول عنها «فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن» ٨. وفي لفظ النبيّ نفسِه جهادٌ منصوصٌ «لا قتالَ فيهِ»: الحجُّ والعمرة ٩. وأمّا كتبُ الفقه فأنت صادقٌ ولا نكابر: البابُ معقودٌ «في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث» ٨، وابنُ القيّم نفسُه يكتب «وجهاد الكفار أخص باليد» ٥ — فالمصطلحُ الفقهيُّ قتال، واللفظُ في لسان الشارع أوسعُ منه، والمعنيان مكتوبان في الكتاب الواحد لقارئٍ مسلمٍ لا لك.
١ وقال إبراهيم بن أبي علقمة لقوم جاءوا من الغزو: قد جئتم من الجهاد الأصغر، فما فعلتم في الجهاد الأكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد القلب. ويروى هذا مرفوعا من حديث جابر بإسناد ضعيف، ولفظه: «قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: " مجاهدة العبد لهواه»
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٤٨٨ · افتح الموضع
٢ المجاهدُ مَن جاهَد نفسَه في اللهِ .
فضالة بن عبيد · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4706 · صحيح
٣ كان جهاد النفس مقدما على جهاد العدو في الخارج، وأصلا له، فإنه ما لم يجاهد نفسه أولا لتفعل ما أمرت به وتترك ما نهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج … بل لا يمكنه الخروج إلى عدوه حتى يجاهد نفسه على الخروج.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٥ · افتح الموضع
٤ فصل مراتب جهاد النفس … إذا عرف هذا فالجهاد أربع مراتب: جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين. فجهاد النفس أربع مراتب أيضا: إحداها: أن يجاهدها على تعلم الهدى ودين الحق … الثانية: أن يجاهدها على العمل به بعد علمه … الثالثة: أن يجاهدها على الدعوة إليه، وتعليمه من لا يعلمه … الرابعة: أن يجاهدها على الصبر على مشاق الدعوة إلى الله وأذى الخلق، ويتحمل ذلك كله لله.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٨ · افتح الموضع
٥ وأما جهاد الكفار والمنافقين فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان. … فهذه ثلاثة عشر مرتبة من الجهاد، و ( «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق» )
ابن القيّم · زاد المعاد ص٩ · افتح الموضع
٦ فَلَا تُطِعِ ٱلْكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدْهُم بِهِۦ جِهَادًۭا كَبِيرًۭا
سورة الفرقان ٢٥:٥٢ · افتح الموضع
٧ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا، يدعوهم إلى الله عز وجل، وينذرهم عذابه، ولكنا جعلناك - أيها الرسول - مبعوثًا إلى جميع أهل الأرض، وأمرناك أن تبلغهم هذا القرآن، فلا تطع الكافرين في ترك شيء مما أرسلتَ به، بل ابذل جهدك في تبليغ الرسالة، وجاهد الكافرين بهذا القرآن جهادًا كبيرًا، لا يخالطه فتور.
التفسير الميسّر · الفرقان ٢٥:٥٢ · افتح الموضع
٨ [فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الجهاد والمغازي والسرايا والبعوث] … فجاهد في الله حق جهاده بالقلب والجنان والدعوة والبيان والسيف والسنان، وكانت ساعاته موقوفة على الجهاد بقلبه ولسانه ويده. … فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين إنما هو بتبليغ الحجة
ابن القيّم · زاد المعاد ص٤٣٥ · افتح الموضع
٩ يا رسولَ اللَّهِ على النِّساءِ جِهادٌ؟ قالَ: نعَم، عليهنَّ جِهادٌ، لا قتالَ فيهِ: الحجُّ والعُمرَةُ .
عائشة أم المؤمنين · الألباني · صحيح ابن ماجه 2362 · صحيح
١٠ وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ ۚ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍۢ
سورة الحج ٢٢:٧٨ · افتح الموضع
١١ وجاهدوا أنفسكم، وقوموا قيامًا تامًّا بأمر الله، وادعوا الخلق إلى سبيله، وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، مخلصين فيه النية لله عز وجل، مسلمين له قلوبكم وجوارحكم
التفسير الميسّر · الحج ٢٢:٧٨ · افتح الموضع
المجاهدُ مَن جاهَد نفسَه في اللهِ .
فضالة بن عبيد · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4706 صحيح
يا رسولَ اللَّهِ على النِّساءِ جِهادٌ؟ قالَ: نعَم، عليهنَّ جِهادٌ، لا قتالَ فيهِ: الحجُّ والعُمرَةُ .
عائشة أم المؤمنين · الألباني · صحيح ابن ماجه 2362 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا انتقالٌ عن السؤال لا جوابٌ عنه. سلّمتَ بأنّ حديثَ «الأكبر» ضعيف، ثمّ عوّضتَه بحديثٍ آخرَ وبآيةٍ مكّيةٍ سبقت الإذنَ بالقتال فلا حجّةَ فيها على ما استقرّ. والذي يحكم في الواقع ليس المعجمَ بل المؤسّسةَ الفقهية: الصفحةُ التي استشهدتَ بها هي نفسُها التي تقول «وجهاد الكفار أخص باليد»، وتسوق «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق». فسعةُ اللفظ زينةٌ للتصدير، والعملُ سيفٌ وغنيمةٌ وأسرى.
شقُّك الأوّل مسلَّم، ومنقولٌ من مصدره بلفظه لا مسكوتٌ عنه ٥. والمنازَعُ فيه دعوى الازدواج وحدَها: الرجلُ الذي كتب «أخص باليد» و«من مات ولم يغز» ٥ هو نفسُه الذي كتب في الكتاب عينِه أنّ جهادَ النفس «أصلا له» ومقدَّمٌ عليه ٣، وجعل أوّلَ مراتبه تعلُّمَ الحقّ والعملَ به والدعوةَ إليه والصبرَ على أذى الخلق ٤ — في مصنَّفٍ عربيٍّ لأهل الإسلام، لا في نشرةٍ تُوزَّع عليك. وأمّا المكّيّةُ فلم تُساق لتُعارض حكمًا مستقرًّا، بل لتُثبت أنّ اللفظَ حين نزل أُريد به «الحجة والبيان وتبليغ القرآن» بنصّ ابن القيّم ٨ وبالتفسير الميسَّر ٧ وبلفظ الآية ٦. ولو كان اللفظُ في لسان الشارع قتالًا لما استقام «عليهنَّ جِهادٌ، لا قتالَ فيهِ» ٩، ولا فُسّر ﴿وَجَٰهِدُوا۟ فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦ﴾ ١٠ بـ«وجاهدوا أنفسكم … وجاهدوا بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم» ١١. ويبقى أنّ بابَ الفقه قتال — وذاك سؤالٌ عن أحكام الحرب يُسأل على حدة، لا شاهدٌ على ازدواج خطاب.
-
لو حكم الإسلامُ بلدي، أأُحاكَم بشريعتكم وأنا لستُ منكم؟
لا في أكثر ما سألتَ عنه، ونعم في موضعين محدَّدين — والحدُّ مرسومٌ في النصّ لا في مجاملة. القرآنُ يخيّر النبيَّ نفسَه في الحكم بين غير المسلمين: ﴿فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ١ — «فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم» ٢ — ويأمر أهلَ الإنجيل أن يحكموا هم بما أُنزل فيه ٣. وكنيستُك وأسقفُك وأحكامُ ملّتك منصوصةٌ في كتاب النبي لأهل نجران: «وأن لا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته» ٤. وخمرُك مالُك لا مالُنا: بلغ عمرَ أنّ عمّالَه يأخذون الخمر والخنازير في الخراج فنهاهم وأمرهم أن يولّوا أهلَ الذمة بيعَها بأنفسهم «لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالا للمسلمين» ٥. وموضعا «نعم» اثنان لا ثالثَ لهما في هذه المصادر: أن ترفع خصومتَك باختيارك إلى قاضٍ مسلم فيُحكم بينكم بحكم الإسلام ٦، وأن تكون الخصومةُ بينك وبين مسلم ٧ — وأمّا دمُك فتحت وعيدٍ صريح: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ» ٨. وأمّا دعوى أنّ القانون «من عند الله فلا يُصوَّت عليه»، فابنُ القيّم يعقد في «إعلام الموقعين» فصلًا في تغيُّر الفتوى بتغيُّر الأزمنة والأمكنة والعوائد، ويقرّر فيه أنّ «كل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور... فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل» ٩.
١ سَمَّٰعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحْتِ ۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ۖ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْـًۭٔا ۖ وَإِنْ حَكَمْتَ فَٱحْكُم بَيْنَهُم بِٱلْقِسْطِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
سورة المائدة ٥:٤٢ · افتح الموضع
٢ هؤلاء اليهود يجمعون بين استماع الكذب وأكل الحرام، فإن جاؤوك يتحاكمون إليك فاقض بينهم، أو اتركهم، فإن لم تحكم بينهم فلن يقدروا على أن يضروك بشيء، وإن حكمت فاحكم بينهم بالعدل. إن الله يحب العادلين.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٤٢ · افتح الموضع
٣ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ ٱلْإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ
سورة المائدة ٥:٤٧ · افتح الموضع
٤ ولنجران وحسبها جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وتبعهم، وأن لا يغيروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا وافه عن وفهيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يحشرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين... وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم
ابن القيّم · زاد المعاد ص٥٥٤ · افتح الموضع
٥ قال أبو عبيد: يريد أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزية رؤوسهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فهذا الذي أنكره بلال، ونهى عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها؛ لأن الخمر والخنازير مال من أموال أهل الذمة، ولا تكون مالا للمسلمين.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٦٧٦ · افتح الموضع
٦ وتضمنت هذه الحكومة أن أهل الذمة إذا تحاكموا إلينا لا نحكم بينهم إلا بحكم الإسلام.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٣٢ · افتح الموضع
٧ ومنها: الحكم على أهل الذمة بحكم الإسلام، وإن لم يتحاكموا إلينا إذا كان الحكم بينهم وبين المسلمين.
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٠ · افتح الموضع
٨ مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 · صحيح
٩ فصل في تغيير الفتوى، واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد … فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها؛ فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى البعث؛ فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص١٠ · افتح الموضع
١٠ الوجه الأربعون: أن الشروط المضروبة على أهل الذمة تضمنت تمييزهم عن المسلمين في اللباس والشعور والمراكب وغيرها لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم، فسدت هذه الذريعة بإلزامهم التميز عن المسلمين.
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص١١٥ · افتح الموضع
١١ وعند أبي داود: «كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانمائة دينار، وثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم، فلما كان عمر رفع دية المسلمين وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية» .
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٢٧٦ · افتح الموضع
١٢ ٢. العقوبات. وههنا أكثرُ ما يقع فيه الخلطُ بين الخانات الأربع: ففرقٌ بين نصٍّ فيه عقوبةٌ مقدَّرة، وبين شروطِ إثباتٍ جعلها أهلُ العلم من الشدّة بحيث لا تكاد العقوبةُ تقع، وبين تطبيقِ دولةٍ تُنزلها بلا شرطٍ ولا نظر. ومن ناقش الأولى في صورة الثالثة ناقش شيئًا لم يُشرَّع. وهذا تفكيكٌ صحيحٌ ولا أقدّمه جوابًا كاملًا: يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذه عقودُ قرنٍ سابعٍ مع أقوامٍ بأعيانهم، ومضمونُها أنّي أُترك على ديني ثمنًا لجزيةٍ ووضعٍ أدنى — أمانُ تابعٍ لا حقُّ مواطن. وتفسيرُكم المعتمد نفسُه لا يجعل ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ حرّيةً مطلقة، بل يقيّدها: «لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية» [[10]] — أي أنّ عدم الإكراه ثمرةُ عقدٍ ماليّ لا اعترافٌ بي. وكتبُكم المعتمدة نفسُها تقرّر إلزامي بالتمييز عنكم في اللباس والمراكب «لئلا تفضي مشابهتهم إلى أن يعامل الكافر معاملة المسلم» [[11]]، وتنقل أنّ ديتي نصفُ دية المسلم وأنّ عمر رفع ديةَ المسلمين وترك ديتي حيث هي [[12]]. فأنت لم تُجب سؤالي الأخير أصلًا: ما وزنُ صوتي في نظامٍ رُتّبت درجاتُه قبل أن أُولد؟
الفارقان اللذان ذكرتَهما ليسا آيةً ولا حديثًا: أوّلُهما «شروطٌ مضروبة» يسوقها ابن القيّم في باب سدّ الذرائع ١٠، والثاني خبرٌ ينقله عن أبي داود ويحكي فيه فعلَ عمر ١١ — أي فقهُ دولةٍ في زمانها، لا نصٌّ مُنزَل. والمِحكُّ الذي يُحاكَمان إليه من داخل الكتاب نفسِه لا من خارجه: «فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور... فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل»، في فصلٍ موضوعُه أنّ الفتوى تتغيّر بتغيّر الأزمنة والأمكنة والعوائد ٩. وأمّا الحدودُ على بدنك فلا أُهوّنها ولا أملك لك فيها جوابًا كاملًا؛ والكتاب يفرّق بين النصّ وشروط الإثبات و«تطبيقِ دولةٍ تُنزلها بلا شرطٍ ولا نظر»، ثمّ يقول بلفظه إنّ بعد هذا التفكيك «سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه» ١٢ — فقد قيل لك إنّ الباب مفتوحٌ قبل أن تسأل. وأمّا أنّه أمانُ تابع: شرطُه في كتاب نجران مكتوبٌ في آخره — «ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم» ٤ — وهو شرطُ كفٍّ عن الظلم لا شرطُ إيمان، ومقابلُه أنّ قتلَك يحرم قاتلَك رائحةَ الجنّة ٨.
-
هل عقوبةُ من ترك الإسلام القتل؟ وكيف يجتمع ذلك مع ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾؟
لا؛ القرآنُ يذكر الردّةَ باسمها ولا يجعل لها في الدنيا عقوبةً واحدة: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ﴾ وجزاؤُها حبوطُ العمل والنار، لا سيف ٢، والتفسيرُ الميسّر يقف حيث وقفت هي: «فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة» ٣. و﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ ١ نزلت في مسألتك بعينها: ابنا أنصاريٍّ تنصّرا وخرجا إلى الشام فأخبر أبوهما النبيَّ ﷺ فنزلت الآية ٤، وفي روايةٍ ثانيةٍ اختصموا إليه ﷺ فنزلت «فخلى سبيلهما» ٥ — أي أنّ أوّلَ ما فعلته الآيةُ أن نزعت من أبٍ حقَّ إرجاع ابنيه. وعمرُ بن الخطّاب — وهو الخليفةُ لا الواعظ — عرض الإسلامَ على مملوكٍ له فأبى، فقال «لا إكراه في الدين» ثمّ «أعتقني وقال: اذهب حيث شئت» ٦. وأمّا لفظُ السنّة فمركَّبٌ لا مفرد: «التَّاركُ لدِينِه المفارقُ الجماعةَ» ٧، وابنُ رجبٍ يورد لفظًا آخرَ للحديث نفسِه — «رجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله» — ويقول عنه: «وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة» ٨. وهو يقرّر أنّه ليس عقوبةً على ماضٍ أصلًا: «وأما المرتد، فإنما قتل لوصف قائم به في الحال… فتزول إباحة دمه» إذا رجع ٩ — فالبابُ الذي تصفه مغلقًا يُفتح بكلمةٍ في أيّ لحظة، وهذا وحدَه يفرّقه عندهم عن حدّ الزاني والقاتل.
١ لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
٢ …وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌۭ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۖ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ
سورة البقرة ٢:٢١٧ · افتح الموضع
٣ …ومن أطاعهم منكم -أيها المسلمون- وارتدَّ عن دينه فمات على الكفر، فقد ذهب عمله في الدنيا والآخرة، وصار من الملازمين لنار جهنم لا يخرج منها أبدًا.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٢١٧ · افتح الموضع
٤ …وقال السدي: نزلت في رجل من الأنصار يكنى أبا الحصين، وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة يحملون الزيت، فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانية فتنصرا وخرجا إلى الشام فأخبر أبو الحصين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اطلبهما" فأنزل الله - عز وجل - {لا إكراه في الدين} فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أبعدهما الله هما أول من كفر"؛ قال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله: {لا إكراه في الدين} وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٨٣ · افتح الموضع
٥ …يسلما فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله أيدخل بعض النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله - عز وجل - {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي} فخلى سبيلهما.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٨٤ · افتح الموضع
٦ أخبرنا علي قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الرحمن عن شريك عن أبي هلال الطائي (1) عن وشق الرومي (2) قال: كنت مملوكا لعمر بن الخطاب فقال لي: يا وشق أسلم فإنك إن أسلمت استعنت بك على أمانة المسلمين فإني لا أستعين عليهم بمن ليس منهم قال: فأبيت فقال: لا إكراه في الدين قال: ثم أعتقني وقال: اذهب حيث شئت (3).
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ص٢٨١ · افتح الموضع
٧ لا يحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني والنَّفسُ بالنَّفسِ والتَّاركُ لدِينِه المفارقُ الجماعةَ .
عبدالله بن مسعود · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4408 · صحيح
٨ فإن قيل: فقد خرج النسائي من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال: زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام حارب الله ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض» وهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٨ · افتح الموضع
٩ وأما المرتد، فإنما قتل لوصف قائم به في الحال، وهو ترك دينه ومفارقة الجماعة، فإذا عاد إلى دينه، وإلى موافقة الجماعة، فالوصف الذي أبيح به دمه قد انتفى، فتزول إباحة دمه، والله أعلم.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٨ · افتح الموضع
١٠ وأيضا فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة، وهو مقر بالشهادتين، ويدعي الإسلام، كما إذا جحد شيئا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك، وفي " صحيح البخاري " عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من بدل دينه فاقتلوه» .
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٧ · افتح الموضع
١١ لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال.…
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
١٢ قال أبو عبيد: وهذا وجه هذه الآية- إن شاء الله- أن تكون في أهل الذمة لأدائهم الجزية أو يكونوا مماليك فأما أهل الحرب فلا يكون لهم (4).
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ص٢٨١ · افتح الموضع
١٣ وهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين، خير الإمام فيه مطلقا، كما يقوله علماء أهل المدينة مالك وغيره، والرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام خروجه عن أحكام الإسلام، وقد تحمل على ظاهرها، ويستدل بذلك من يقول: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب، فعل به ما في الآية، ومن حارب من غير ردة، أقيمت عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة، وهذا رواية عن أحمد لكنها غير مشهورة عنه، وكذا قال طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، منهم أبو قلابة وغيره.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٩ · افتح الموضع
١٤ ولن أتركك بلا موضعٍ تبدأ منه، فأبدأ بنا. التُّهَمُ القائمةُ على تقليدنا معروفةٌ ومعدودة، وهذه ثلاثٌ منها بأسمائها: القتالُ ومن يُقاتَل ولماذا · ملكُ اليمين · حدُّ المرتدّ. خذ واحدةً، ثمّ أجرِ المعيار على أربع خطوات: ما اللفظُ الذي يستند إليه المسيء؟ وهل يستند إليه مجرَّدًا أم بشروطٍ في سياقه أسقطها؟ وهل خالفه في ذلك أهلُه أنفسُهم، ومتى بدأ الخلاف — أبعد أن صار التقليدُ محرَجًا، أم قبله بقرون؟…
إلى من يقول: أرني نصًّا يُختبر · افتح الموضع
لا يحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ يشهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ إلَّا بإحدى ثلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّاني والنَّفسُ بالنَّفسِ والتَّاركُ لدِينِه المفارقُ الجماعةَ .
عبدالله بن مسعود · ابن حبان · صحيح ابن حبان 4408 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا انتقاء. ففي صحيح البخاري «من بدل دينه فاقتلوه» — لفظٌ مفردٌ صريحٌ لا «مفارقةَ جماعةٍ» فيه ولا محاربة، وناقلُه هو ابنُ رجبٍ نفسُه في الصفحة السابقة مباشرةً للصفحة التي تحتجّ بها. وآيتُك أضعفُ ممّا صوّرت: التفسيرُ الميسّر الذي تنقل عنه يحصرها فيمن «تُقبل منهم الجزية»، وأبو عبيدٍ يعقّب على أثر عمرَ في السطر التالي له بأنّها في أهل الذمّة والمماليك «فأما أهل الحرب فلا يكون لهم»، والسدّيُّ في الصفحة التي أخذتَ منها سببَ النزول يقول «ثم نسخ قوله: {لا إكراه في الدين}». فأنت تسوق مصادرَ تنقضك حيث تقف فيها.
«من بدل دينه فاقتلوه» في البخاري، ولا أُخفيه: ناقلُه في جوابي هو ابنُ رجبٍ نفسُه ١٠. لكنّ مداه متنازَعٌ عند ناقليه لا عند خصومهم: يذكر ابنُ رجبٍ أنّ «طائفة من السلف» قالوا «إن آية المحاربة تختص بالمرتدين» — منهم أبو قلابة — وأنّ «من حارب من غير ردة، أقيمت عليه أحكام المسلمين» ١٣، فالوصفُ المُعتبَر عندهم مركَّبٌ لا مفرد. وأمّا التضييق فقولان لصاحبيهما لا نصّان: الميسّرُ ١١ وأبو عبيدٍ الذي يقدّم قولَه بـ«وهذا وجه هذه الآية- إن شاء الله-» ١٢ — وهما يقفان بإزاء ما رواه أبو عبيدٍ نفسُه عن عمر وهو في مملوكٍ لا في ذمّيّ ٦، وبإزاء سبب النزول: ابنا أنصاريٍّ لا أهلُ ذمّة ٤. ودعوى النسخ تنقض نفسَها بلفظها: نُسخت — بزعمه — بـ«قتال أهل الكتاب في سورة براءة» ٤، أي في بابِ حربٍ بين طوائف، لا في بابِ رجلٍ غيّر رأيَه في بيته؛ ولا تمسّ ٢:٢١٧ وهي نصُّ القرآن في الردّة بعينها وليس فيها عقوبةٌ دنيوية ٢. والكتاب يعدّ «حدَّ المرتدّ» واحدةً من ثلاثِ تُهَمٍ قائمةٍ على المسلمين ويعطي مِحكَّها بدل أن يجيب عنها: «وهل يستند إليه مجرَّدًا أم بشروطٍ في سياقه أسقطها؟» ١٤.
-
«مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ» — هل أباح النصُّ وطءَ المملوكة بغير عقدٍ ولا رضًا؟
نعم — أباح النصُّ وطءَ المسبيّة بالملك، ولا يُدفع ذلك بتأويل: ﴿وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ١، ومعناها في التفسير الميسّر: «ويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة» ٢. وسببُ نزولها هو الواقعةُ التي تصفها بعينها، ينقلها كتابُ أسباب النزول بلا تلطيف: «أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام فنزلت … فاستحللناهن» ٣. والقيدُ الذي وضعته السنّة استبراءُ الرحم — «لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تَحيضَ حَيْضةً» ٤ — وهو حفظُ نسبٍ لا اشتراطُ رضًا، ومن قدّمه جوابًا عن سؤالك فقد أجاب عن غيره. لكنّ ما يخالف تصويرَك المسألةَ ملكًا مطلقًا موجودٌ في كتب الفقه لا خارجَها: «أن من مثل بعبده عتق عليه … وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة؛ فإن الوطء يجري مجرى الجناية» ٥ — فالإكراهُ عندهم جنايةٌ تُوجب العتق، لا حقٌّ يقرّه الملك. وفعلُ النبيّ في أشهر سباياه كان عقدًا برضًا مسموع: قالت جويرية بنت الحارث وقد جاءته تستعينه في فكّ مكاتبتها، فقال: «أقضي عنك كتابتك وأتزوجك» قالت: «نعم»، «فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق» ٦؛ وأعتق صفيةَ «وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة» ٧.
١ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ
سورة النساء ٤:٢٤ · افتح الموضع
٢ ويحرم عليكم نكاح المتزوجات من النساء، إلا مَنْ سَبَيْتُم منهن في الجهاد، فإنه يحل لكم نكاحهن، بعد استبراء أرحامهن بحيضة
التفسير الميسّر · النساء ٤:٢٤ · افتح الموضع
٣ عن أبي سعيد الخدري قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا النبي عليه الصلاة والسلام فنزلت: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} فاستحللناهن.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص١٤٧ · افتح الموضع
٤ قالَ في سَبايا أَوْطاسٍ: لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تَحيضَ حَيْضةً. .
أبو سعيد الخدري · الحاكم · المستدرك على الصحيحين 2829 · صحيح
٥ والأصل الثالث: أن من مثل بعبده عتق عليه … وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مثلة؛ فإن الوطء يجري مجرى الجناية، ولهذا لا يخلو عن عقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة … قال شيخنا: ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه، ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه، وضمنها بمثلها، إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠ · افتح الموضع
٦ فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه … فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستعينه على كتابتي قال: " فهل لك في خير من ذلك " قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: " أقضي عنك كتابتك وأتزوجك " قالت: نعم قال: " فقد فعلت " … قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فلا نعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها
الطحاوي · أحكام القرآن الكريم ص٢١٥٥ · افتح الموضع
٧ وكانت قد صارت له من الصفي أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجته بذلك
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٠٨ · افتح الموضع
٨ ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام … فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٠٢ · افتح الموضع
٩ فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد الله بن أبي رأس المنافقين كان له إماء يكرههن على البغاء، وليس هذا استكراها للأمة على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلة التمثيل بها، وذاك إلزام لها بأن تذهب هي فتزني
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢١ · افتح الموضع
١٠ ولا يجوز لكم إكراه جواريكم على الزنى طلبًا للمال، وكيف يقع منكم ذلك وهن يُرِدْن العفة وأنتم تأبونها؟ وفي هذا غاية التشنيع لفعلهم القبيح. ومن يكرههنَّ على الزنى فإن الله تعالى من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، والإثم على مَن أكْرههن.
التفسير الميسّر · النور ٢٤:٣٣ · افتح الموضع
قالَ في سَبايا أَوْطاسٍ: لا تُوطَأُ حامِلٌ حتَّى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتَّى تَحيضَ حَيْضةً. .
أبو سعيد الخدري · الحاكم · المستدرك على الصحيحين 2829 صحيح
أنَّه قالَ في سَبايا أوطاسٍ: لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيضةً. .
· تخريج سنن أبي داود 2157 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا ترقيعٌ. الاستبراءُ حفظُ نسبٍ للمالك لا حقٌّ لها — قلتَها بنفسك. وصفيةُ وجويريةُ تفضُّلُ رجلٍ على من أعجبته، لا شرطٌ عليه ولا على غيره؛ ولو كان الرضا شرطًا لسقط الحكمُ كلُّه لا أن يُروى فضلًا. والقاعدةُ الباقيةُ بعد كلّ استثناءٍ سُقتَه: يحلّ الفرجُ بالملك وحدَه، بلا عقدٍ ولا وليٍّ ولا كلمةٍ منها. وكتبُكم تقولها بلا مواربة: كانوا يطؤونهنّ بعد الاستبراء لا يشترطون إسلامًا ولا سؤالًا. وأمّا «الإكراهُ مُثلة» فأرِني فيه نصًّا واحدًا في أمَتِه هو التي يملكها — فتلك هي المسألة كلُّها، وما سواها استطراد.
الشقّان الأوّلان صحيحان ولا أنازع فيهما، والروايةُ التي تحتجّ بها في كتبنا نحن بلفظها: «ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطئونهن بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام … فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام» ٨. وسؤالُك الأخيرُ في محلِّه، وجوابي أنّي لم أجده: الموضعُ نفسُه يُجري القاعدة على «عبده» و«أمة امرأته» و«أمة الغير» ويسكت عن أمَتِه هو — «ولو استكره عبده على الفاحشة عتق عليه، ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه، وضمنها بمثلها» ٥. وآيةُ النور لا تسدّ الثغرةَ أيضًا، والتصريحُ بذلك في «إعلام الموقعين»: النهيُ «عن إكراههن على كسب المال بالبغاء»، و«ليس هذا استكراها للأمة على أن يزني بها هو» ٩ — وإن كان في لفظ الآية اعتبارُ إرادتِها صريحًا: «ولا يجوز لكم إكراه جواريكم على الزنى طلبًا للمال، وكيف يقع منكم ذلك وهن يُرِدْن العفة وأنتم تأبونها؟» ١٠. فالحاصل: الإباحةُ ثابتةٌ بالنصّ، والقيودُ الموجودةُ قيودُ نسبٍ وجنايةٍ لا قيدُ رضًا منصوص، ومن أعطاك في هذا الموضع جوابًا مريحًا فقد أعطاك ما ليس عنده.
-
أما انتشر الإسلامُ بالسيف؟
نعم، كانت الفتوحُ حروبًا بجيوشٍ ورايات، ولا يُنكر ذلك أحد؛ والنزاعُ في ماذا كانت تطلب: كان أميرُ السريّة يدعو عدوَّه قبل القتال إلى إحدى ثلاث — الإسلام مع الهجرة، أو الإسلام دون هجرة، أو بذلُ الجزية، «فإن هم أجابوا إليه، قبل منهم» ١ — والثالثةُ بقاءٌ على الدين بثمنٍ مقرَّر، فالمطلوبُ خضوعُ الدار لا تبديلُ الاعتقاد. ولا أُخفي أثقلَ ما في الباب: القرآنُ يقول ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾ ٢، ويقرؤها التفسيرُ الميسّر «حتى يدفعوا الجزية التي تفرضونها عليهم بأيديهم خاضعين أذلاء» ٣ — فهذا إخضاعٌ سياسيٌّ مقصودٌ لا يُلطَّف. لكنّ الاعتقادَ نفسَه ممنوعٌ إكراهُه: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ ٤ نزلت في آباءٍ من الأنصار تهوّد أبناؤهم «وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام» فمُنعوا ٥، ومضى الأبناءُ على دينهم: «فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام» ٦. وفي سورة براءةَ نفسِها — وهي التي يُحتجّ بها — ﴿وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ ٧، وتفسيرُها: «فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا» ٨. وأثرُ ذلك بنيويٌّ لا خطابيّ: أُخذت الجزيةُ من المجوس ومن أهل الكتاب ومن النصارى، «وبعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة» ٩ — أي وضعٌ قانونيٌّ دائمٌ لمن بقي على دينه، وفي بقائه عليه مصلحةٌ لخزانة الدولة لا خسارة.
١ وكان يأمر أمير سريته أن يدعو عدوه قبل القتال إما إلى الإسلام والهجرة، أو إلى الإسلام دون الهجرة، ويكونون كأعراب المسلمين، ليس لهم في الفيء نصيب، أو بذل الجزية، فإن هم أجابوا إليه، قبل منهم، وإلا استعان بالله وقاتلهم.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٩٠ · افتح الموضع
٢ قَٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ
سورة التوبة ٩:٢٩ · افتح الموضع
٣ أيها المسلمون قاتلوا الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يجتنبون ما نهى الله عنه ورسوله، ولا يلتزمون أحكام شريعة الإسلام من اليهود والنصارى، حتى يدفعوا الجزية التي تفرضونها عليهم بأيديهم خاضعين أذلاء.
التفسير الميسّر · التوبة ٩:٢٩ · افتح الموضع
٤ لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
سورة البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
٥ وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين}
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٤١ · افتح الموضع
٦ … فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من أبناء الأنصار فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين} قال سعيد بن جبير: فمن شاء لحق بهم ومن شاء دخل في الإسلام.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٨٣ · افتح الموضع
٧ وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ
سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
٨ وإذا طلب أحد من المشركين الذين استبيحت دماؤهم وأموالهم الدخول في جوارك -أيها الرسول- ورغب في الأمان، فأجبه إلى طلبه حتى يسمع القرآن الكريم ويطَّلع على هدايته، ثم أَعِدْه من حيث أتى آمنًا؛ وذلك لإقامة الحجة عليه؛ ذلك بسبب أن الكفار قوم جاهلون بحقائق الإسلام، فربما اختاروه إذا زال الجهل عنهم.
التفسير الميسّر · التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
٩ وأما هديه في عقد الذمة وأخذ الجزية، فإنه لم يأخذ من أحد من الكفار جزية إلا بعد نزول (سورة براءة) في السنة الثامنة من الهجرة، فلما نزلت آية الجزية، أخذها من المجوس، وأخذها من أهل الكتاب، وأخذها من النصارى، وبعث معاذا رضي الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة، وضرب عليهم الجزية
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٣٦ · افتح الموضع
١٠ لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية، فالدلائل بينة يتضح بها الحق من الباطل، والهدى من الضلال.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:٢٥٦ · افتح الموضع
١١ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ
سورة يونس ١٠:٩٩ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
كلُّ هذا ترتيبٌ فقهيٌّ يُكتب بعد أن وقعت الفتوح. والواقعُ أنّ من وقف الجيشُ على بابه خُيّر بين أن يبدّل دينه، أو يدفع صاغرًا مدى الدهر، أو يُقتل — وتسميةُ هذا «اختيارًا» عبثٌ باللفظ؛ ولو خُيّرتَ أنت هكذا لسمّيتَه ابتزازًا. بل تفسيرُكم أنتم يقصر ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ على «من تُقبل منهم الجزية»، أي أنّ من لا تُقبل منه يُكره — فالآيةُ التي تُرفع رايةَ حرّيةٍ مقيَّدةٌ في كتبكم بمن اشترى نفسه بمال.
التفسيرُ أنقله كما هو ولا أُلطّفه: «لكمال هذا الدين واتضاح آياته لا يُحتاج إلى الإكراه عليه لمن تُقبل منهم الجزية» ١٠ — وهو قيدٌ حقيقيٌّ، فمن رفع الآيةَ شعارَ حرّيةٍ مطلقةٍ تجاوز نصَّ من فسّرها. والإخضاعُ السياسيُّ واقعٌ لا أنازع فيه ٢٣. لكنّ دعوى السؤال أخصُّ من ذلك: أنّ الاعتقادَ نفسَه أُنتج بالسيف — وهذه تكذّبها بنيةُ ما بُني: من قاتل ليأخذ جزيةً من غير المسلم فبقاؤه على دينه دخلٌ في خزانته لا خسارة ٩، ومن أراد إيمانًا بالإكراه لا يردّ المستجيرَ إلى مأمنه بعد أن يسمع ٧٨. وأحسمُ موضعٍ ما لا جيشَ فيه ولا جزية: أبٌ في المدينة على ابنه، فمُنع ٥٦. والخطابُ للنبيّ نفسِه: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ ١١.
-
الرجمُ حتى الموت في الزنا — أين هو في القرآن؟ ولمَ يُنفَّذ وليس فيه؟
لا رجمَ في المصحف — وهذا صحيح، وهو مقصود. آيةُ النور تجلد مئةً ولا تذكر رجمًا ١، والتفسيرُ الميسّر يقصرها على «اللذان لم يسبق لهما الزواج» ٢، ومستندُ رجم المحصَن حديثٌ أخرجه مسلمٌ وحكمُه صحيح: «الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ؛ جَلدُ مِئةٍ، والرَّجمُ» ٣. وأمّا قولُك «فقد أقررتم بنقصٍ في المصحف» فنحن أوّلُ من نازع فيه: أنكر ابنُ ظفر عدَّ آية الرجم في منسوخ التلاوة «لأنّ خبر الواحد لا يثبت القرآن»، وحكم الزركشيُّ على الملازمة كلِّها بأنّها «مشكلة» ٤. وفي الإتقان أنّ عمرَ طلب كتابتَها فردَّه النبيُّ «لا تستطيع»، وعلّل ابنُ حجر خلوَّ المصحف منها بأنّ «العمل على غير الظاهر من عمومها»، والسيوطيُّ بأنّ فيه «الإشارة إلى ندب الستر» ٥ — فالغيابُ قرارٌ مُعلَّلٌ لا سهوُ جامعين. وأمّا الإعدامُ نفسُه: فمن رجمهم النبيُّ في حياته كلِّها «مضبوطون معدودون… وهم ستة نفر» بعدِّ ابن القيّم ٦، لأنّ الله «غلّظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة؛ سترًا لعباده» وعاقب القاذفَ نفسَه ٧ بثمانين جلدةً وردِّ شهادته أبدًا ٨. حتى إنّ ابن القيّم يعلّم المتَّهمَ كيف يُبطل البيّنةَ عن نفسه ويقول «وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه» ٩.
١ ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا۟ كُلَّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا مِا۟ئَةَ جَلْدَةٍۢ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌۭ فِى دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌۭ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ
سورة النور ٢٤:٢ · افتح الموضع
٢ الزانية والزاني اللذان لم يسبق لهما الزواج، عقوبةُ كل منهما مائة جلدة بالسوط، وثبت في السنة مع هذا الجلد التغريب لمدة عام. ولا تحملكم الرأفة بهما على ترك العقوبة أو تخفيفها، إن كنتم مصدقين بالله واليوم الآخر عاملين بأحكام الإسلام، وليحضر العقوبةَ عدد من المؤمنين؛ تشنيعًا وزجرًا وعظة واعتبارًا.
التفسير الميسّر — سورة النور ٢٤:٢ · افتح الموضع
٣ خُذوا عَنِّي، خُذوا عَنِّي، قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سَبيلًا: البِكرُ بالبِكرِ؛ جَلدُ مِئةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ؛ جَلدُ مِئةٍ، والرَّجمُ. .
عبادة بن الصامت · مسلم · صحيح مسلم 1690 · صحيح
٤ وبالجملة فهذه الملازمة مشكلة ولعله كان يعتقد أنه خبر واحد والقرآن لا يثبت به وإن ثبت الحكم ومن هنا أنكر ابن ظفر في "الينبوع" عد هذا مما نسخ تلاوته قال: لأن خبر الواحد لا يثبت القرآن. … ومنهم من أجاب عن ذلك بأن هذا كان مستفيضا عندهم وأنه كان متلوا من القرآن فأثبتنا الحكم بالاستفاضة وتلاوته غير ثابتة بالاستفاضة
الزركشي · البرهان في علوم القرآن ص٣٥ · افتح الموضع
٥ فقال عمر لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم … قال ابن حجر في شرح المنهاج فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها … وهو أن سببه التخفيف على الأمة بعدم اشتهار تلاوتها وكتابتها في المصحف وإن كان حكمها باقيا لأنه أثقل الأحكام وأشدها وأغلظ الحدود وفيه الإشارة إلى ندب الستر … فقال يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال لا تستطيع
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٦٩ · افتح الموضع
٦ وأيضا؛ فالذين رجمهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزنا مضبوطون معدودون، وقصصهم محفوظة معروفة، وهم ستة نفر : الغامدية ، وماعز ، وصاحبة العسيف ، واليهوديين
ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٨٦ · افتح الموضع
٧ لأن الله - سبحانه وتعالى - غلظ أمر البينة والإقرار في باب الفاحشة؛ سترا لعباده، وشرع عقوبة من قذف … قذف غيره بها دون سائر ما يوجب الحد، وشرع فيها القتل على أغلظ الوجوه وأكرهها للنفوس، فلا يصح إلحاق غيرها بها. والله أعلم.
ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٢٦٤ · افتح الموضع
٨ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا۟ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَٰنِينَ جَلْدَةًۭ وَلَا تَقْبَلُوا۟ لَهُمْ شَهَٰدَةً أَبَدًۭا ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَٰسِقُونَ
سورة النور ٢٤:٤ · افتح الموضع
٩ المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف إن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد؛ فالحيلة في إبطال شهادتهم أن يقر إذا سئل مرة واحدة، ولا يزيد عليها؛ فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرره تمام النصاب … وهذه الحيلة جائزة؛ فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه، وأن يخلد إلى التوبة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة لما فر ماعز من الحد: «هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه» فإذا فر من الحد إلى التوبة فقد أحسن.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٩٥ · افتح الموضع
١٠ ٢. العقوبات. وههنا أكثرُ ما يقع فيه الخلطُ بين الخانات الأربع: ففرقٌ بين نصٍّ فيه عقوبةٌ مقدَّرة، وبين شروطِ إثباتٍ جعلها أهلُ العلم من الشدّة بحيث لا تكاد العقوبةُ تقع، وبين تطبيقِ دولةٍ تُنزلها بلا شرطٍ ولا نظر. ومن ناقش الأولى في صورة الثالثة ناقش شيئًا لم يُشرَّع. وهذا تفكيكٌ صحيحٌ ولا أقدّمه جوابًا كاملًا: يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١١ وأين يفهم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة»
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٨٢ · افتح الموضع
خُذوا عَنِّي، خُذوا عَنِّي، قد جَعَلَ اللهُ لهنَّ سَبيلًا: البِكرُ بالبِكرِ؛ جَلدُ مِئةٍ ونَفيُ سَنةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ؛ جَلدُ مِئةٍ، والرَّجمُ. .
عبادة بن الصامت · مسلم · صحيح مسلم 1690 صحيح
جاءَتِ الغامِدِيَّةُ فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي قد زنَيتُ، وأُريدُ أنْ تُطهِّرَني. فرَدَّها، فلمَّا كان الغَدُ أتَتْه، فقالتْ: يا نبيَّ اللهِ، لمَ تَرُدُّني؛ لعلَّكَ تريدُ أنْ ترُدَّني كما ردَدتَ ماعِزَ بنَ مالكٍ؟ فواللهِ إنِّي لحُبْلى. فقال: إمَّا لا، فاذهَبي حتى تَلِدي. فلمَّا ولَدتْ أتَتْه بالصَّبيِّ في خِرْقةٍ، فقالتْ: هذا ولدْتُه. قال: اذهَبي فأَرضِعيه، حتى تَفطِميه. فلمَّا فطَمتْه، أتَتْه بالصَّبيِّ، وفي يَدِه كِسْرةُ خُبزٍ، فقالتْ: هذا يا نبيَّ اللهِ، قد فطَمتُه، وقد أكَلَ الطعامَ، فدفَعَ الغُلامَ إلى رجُلٍ مِن المسلمينَ، ثمَّ أمَرَ بها، فحفَرَ لها إلى صَدرِها، وأمَرَ الناسَ أنْ يَرْموا، وأقبَلَ خالدُ بنُ الوليدِ فرمَى رأسَها، فتنَضَّحَ الدَّمُ على وَجهِه، فسبَّها، فسمِعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ سبَّه إيِّاها، فقال: مهْلًا يا خالدُ، فوالذي نَفْسي بيَدِه لقد تابتْ تَوبةً لو تابَها صاحبُ مَكْسٍ لغفَرَ اللهُ له. ثمَّ أمَرَ بها فصلَّى عليها، ودُفِنتْ. .
بريدة بن الحصيب الأسلمي · ابن عبدالبر · الاستذكار 6/479 حسن
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه في الشروط، وسؤالي في جنس العقوبة: أرجمُ إنسانٍ حتى يموت حكمُ الله أم لا؟ وأنتم أنفسُكم تقولون إنّ مستندَه خبرٌ لا يثبت به قرآن — فتُنزلون أغلظَ عقوبةٍ بأضعفِ ثبوت. وستةٌ في عهد النبيّ لا تُبرّئ دولةً ترجم اليوم بلا شرطٍ من شروطكم، والغامديّةُ حُفر لها إلى صدرها ورُجمت باعترافها وحدَه بلا شاهدٍ واحد.
الأخيرةُ أصدقُها ولا أدفعها: نصُّ الحديث — وحكمُه حسنٌ عند ابن عبد البرّ — «فحفَرَ لها إلى صَدرِها، وأمَرَ الناسَ أنْ يَرْموا»، وفيه نفسِه أنّه «فرَدَّها» ثمّ أمهلها حتى ولدت ثمّ حتى فطمت، وأنّه زجر خالدًا وصلّى عليها . وقولُك «أضعفُ ثبوت» جوابُه في الموضع الذي نقلتَه منه: «فأثبتنا الحكم بالاستفاضة وتلاوته غير ثابتة بالاستفاضة» ٤ — فالنزاعُ في كونه قرآنًا متلوًّا، لا في كونه حكمًا نقله الناسُ كافّة. وأمّا دولةٌ ترجم بلا شروط فينقضها ما يحتجّ به ابن القيّم: «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة» ١١. وأمّا جنسُ العقوبة فلا أدّعي أنّي أجبتُك، والكتاب يقول نصًّا: «يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه» ١٠.
-
﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ﴾ — أليست غايةً معلنةً بأن يُخضَع العالم؟
لا؛ والسقفُ منصوصٌ في نصف الآية الذي يسقط من الاقتباس عادةً: ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ ١، ومَن يُقاتَل محدودٌ قبلها بثلاث آيات: ﴿ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ ٢. والتفسيرُ الميسّر يقصرها على «المشركين المعتدين» وعلى «فتنة للمسلمين عن دينهم»، ويختمها بـ«فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم» ٣، وسببُ نزولها معيَّنٌ لا مفتوح — صلحُ الحديبية وعمرةُ القضاء، و﴿ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ﴾ «يعني قريشا» ٤. ولا أُخفي ما يُثقل السؤال: ابنُ قتيبة يفسّر «فِتْنَةٌۭ» في هذه الآية بعينها بـ«أي شرك»، فالقراءةُ الواسعةُ لها أصلٌ لا أُنكره — غير أنّه في السطر التالي يفسّر ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟﴾ بـ«أي لا سبيل» ٥، ويفسّر ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ بـ«أي لا تعتدوا على من وادعكم وعاقدكم» ٦. وابنُ القيّم يسوق مراحلَ الأمر فيقول «ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله»، ويذكر فيها مرحلةَ «قتال المشركين حتى يكون الدين كله لله» ٧، ثمّ يقول ما آل إليه الأمرُ بعد تلك المرحلة نصًّا: «فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب» ٨. فالقسمُ الثاني — غيرُ مسلمٍ، آمنٌ، باقٍ على دينه — هو بعينه ما ينفيه سؤالُك، ودمُه محرَّمٌ بنصٍّ صحيح: «مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ» ٩.
١ وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌۭ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَلَا عُدْوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ
سورة البقرة ٢:١٩٣ · افتح الموضع
٢ وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
سورة البقرة ٢:١٩٠ · افتح الموضع
٣ واستمروا- أيها المؤمنون- في قتال المشركين المعتدين، حتى لا تكون فتنة للمسلمين عن دينهم ولا شرك بالله، ويبقى الدين لله وحده خالصًا لا يُعْبَد معه غيره. فإن كفُّوا عن الكفر والقتال فكُفُّوا عنهم؛ فالعقوبة لا تكون إلا على المستمرين على كفرهم وعدوانهم.
التفسير الميسّر · البقرة ٢:١٩٣ · افتح الموضع
٤ قال الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس: نزلت هذه الآيات في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما صد عن البيت هو وأصحابه، نحر الهدي بالحديبية… فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، في الحرام فأنزل الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} يعني قريشا.
الواحدي · أسباب نزول القرآن ص٥٤ · افتح الموضع
٥ وكذلك قوله: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} (1) أي شرك (2) . وقوله: {فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} أي لا سبيل. وأصل العدوان الظلم. وأراد بالعدوان الجزاء. يقول: لا جزاء ظلم إلا على ظالم.
ابن قتيبة · غريب القرآن ص٧٦ · افتح الموضع
٦ {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} أي لا تعتدوا على من وادعكم وعاقدكم.
ابن قتيبة · غريب القرآن ص٧٥ · افتح الموضع
٧ ثم أذن له في الهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده.
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٤٢ · افتح الموضع
٨ فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول (براءة) على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب.
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٤٤ · افتح الموضع
٩ مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 · صحيح
١٠ قلت: وهذا القول الذي قالوا إنما أخذوه من دليل الخطاب (إنما هو) 1 حجة ما لم يعارضه دليل أقوى منه وقد عارضه ما هو أقوى منه كآية السيف وغيرها مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلوا.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٤٧ · افتح الموضع
١١ والخامس: لا تعتدوا بقتال من وادعكم وعاقدكم. قاله ابن قتيبة4 والظاهر إحكام الآية كلها ويبعد ادعاء النسخ فيها5.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٤٨ · افتح الموضع
١٢ …فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا
سورة النساء ٤:٩٠ · افتح الموضع
١٣ ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ .
[بعض الصحابة] · الألباني · صحيح أبي داود 3052 · صحيح
١٤ ٣. القتال. وهو الذي مسّه القسمُ الثالث بعلامة «الحكاية والحكم»، ولا أزعم أنّ تلك العلامةَ تستوعبه. فالقولُ إنّ بعضَ النصوص خبرٌ عن وقائع بأعيانها صحيحٌ في بعضها، ودعوى تحتاج بيانًا في بعضها الآخر — وثمّ ما هو حكمٌ عامٌّ في نظر الحرب والسلم اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 صحيح
ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ .
[بعض الصحابة] · الألباني · صحيح أبي داود 3052 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
انتقاءٌ صريح. تفسيرُكم الذي احتججتم به يقول بنفسه «فإن كفُّوا عن الكفر والقتال» — عن الكفر، لا عن القتال وحدَه؛ فشرطُ الكفّ عندكم تركُ الدين لا تركُ الحرب، وقد اقتطعتم نصفَ الجملة كما اتّهمتموني بالاقتطاع. وابنُ قتيبة، وهو لغويُّكم لا لغويّي، يقول «أي شرك» بلا تأويل: فالغايةُ المعلنةُ إزالةُ الشرك من الأرض. وأمّا «الذين يقاتلونكم» فقد ردَّه ابنُ الجوزي نفسُه: مفهومُ الآية عارضته آيةُ السيف «مما يقتضي إطلاق قتل الكفار، قاتلوا أو لم يقاتلوا». وأقسامُ ابن القيّم الثلاثة ليست سقفًا بل حصيلةَ ما لم يُبلَغ: «خائف محارب» وصفُ من لم يُخضَع بعدُ، و«مسالم له آمن» من قَبِل الجزيةَ صاغرًا. فما سمّيتموه سقفًا هو أرضيّةُ خضوع، والفرقُ بين المشروعين مدَى القدرة لا مدَى النصّ.
ثلاثةٌ تفصل. الأولى: نقلُك عن ابن الجوزي صحيحٌ في لفظه ناقصٌ في سَوقه — هو يقول ذلك في ردّ مفهوم الآية ١٠، ثمّ ينتهي في الصفحة التالية إلى «والظاهر إحكام الآية كلها ويبعد ادعاء النسخ فيها»، ويسوق من معاني ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ «لا تعتدوا بقتال من وادعكم وعاقدكم» ١١؛ فالقيدُ عنده محكمٌ لا منسوخ، وشاهدُك يشهد عليك في السطر الذي بعده. والثانية: أنّ «المسالم» خاضعٌ لا آمن دعوى يكذّبها النصُّ صراحةً: ﴿فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا﴾ ١٢ — نفيُ السبيل مطلقٌ، ومناطُه الاعتزالُ وإلقاءُ السلم لا دفعُ مال. والحمايةُ ليست عدمَ القتل فحسب حتى تُسمّى خضوعًا: «ألا مَن ظلمَ مُعاهدًا، أوِ انتقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغَيرِ طيبِ نفسٍ، فأَنا حَجيجُهُ يومَ القيامةِ» ١٣ — وهذا نقيضُ أرضيّة الخضوع لا صورتُها. والثالثة، وهي لك: شقٌّ من اعتراضك لا يُدفع، والكتاب يقرّ به ولا يرجّح فيه — «وثمّ ما هو حكمٌ عامٌّ في نظر الحرب والسلم اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه» ١٤. فالذي يسقط من دعواك قولُك «مكتوبٌ بصريح العبارة»: ما كان صريحًا لا يختلف فيه أهلُه اثني عشر قرنًا. ويبقى لك أن تسأل عن مناط الحكم — وهو سؤالٌ قائمٌ، غيرُ سؤالِ «مشروعِ سيطرةٍ عالميّة».
-
﴿أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ﴾ — صلبٌ وتقطيعٌ من خلاف؟
لا، ولن أقول لك إنّها رحمة؛ لكنّ ما تصفه بـ«لائحة تعذيب» ليس ما قرأه في الآية من قرأها قبل داعشَ بألفِ عام. موضوعُها معيَّنٌ بفعلٍ يقع لا باعتقادٍ يُعتقَد — «من شهر السلاح وأخاف السبيل» — والحكمُ فيه إلى «إمام المسلمين» ١، بعد أن نُسخ أن يقتصّ أحدٌ لنفسه بنفسه من غير مرافعةٍ إلى السلطان ٢. و«أو» في الآية ٣ لم تُقرأ عند «كثيرٍ من أهل العلم» تخييرًا بين ألوان العذاب بل «مراتبَ بعضها بعد بعض» ٤: قَتَل وأخذ المالَ فقُتل وصُلب، وقَتَل ولم يأخذ فقُتل بلا صلب، وأخذ ولم يقتل فالقطع ٥ — والنفيُ إخراجٌ إلى بلدٍ آخرَ وحبسٌ فيه «حتى تَظهر توبتُهم» ٦. ثمّ تأتي الآيةُ التي تليها فتُسقط ذلك كلَّه عمّن تاب قبل أن يُقدَر عليه ٧ ٨، وهو الموضعُ الذي استدلّ به ابنُ القيّم على أنّ «الحدود لا تقام على تائب» ٩. وأمّا المُثلةُ فمنهيٌّ عنها بنصّ البخاريّ ١٠، وما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم «قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم» ١١. وهذا كلُّه تفكيكٌ صحيحٌ لا يصلح جوابًا كاملًا: يبقى بعده «سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها» — يُقرّ به الكتاب ولا يفصل فيه ١٢.
١ من شهر السلاح وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله، وإن شاء صلبه، وإن شاء قطع يده ورجله
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ص١٤١ (تفسيرُ ابن عباس للآية) · افتح الموضع
٢ أنه كان في أول الأمر إذا اعتدي على الإنسان فله أن يقتص لنفسه بنفسه من غير مرافعة إلى سلطان المسلمين ثم نسخ ذلك بوجوب الرجوع إلى السلطان في إقامة الحدود والقصاص.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٥٦ · افتح الموضع
٣ إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا۟ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا۟ أَوْ يُصَلَّبُوٓا۟ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَٰفٍ أَوْ يُنفَوْا۟ مِنَ ٱلْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌۭ فِى ٱلدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ
سورة المائدة ٥:٣٣ · افتح الموضع
٤ كما قال عز وجل في قطاع الطريق: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} ، فلم يكن ذلك عند كثير من أهل العلم على التخيير، بل كان على مراتب بعضها بعد بعض
الطحاوي · أحكام القرآن الكريم ص١٧٧٩ · افتح الموضع
٥ عن ابن عباس- في قطاع الطريق-: إذا قتلوا وأخذوا المال: قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال: قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا: قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف
البيهقي · أحكام القرآن للشافعي ص٣١٢ · افتح الموضع
٦ أن يُقَتَّلوا، أو يُصَلَّبوا مع القتل (والصلب: أن يُشَدَّ الجاني على خشبة) أو تُقْطَع يدُ المحارب اليمنى ورجله اليسرى، فإن لم يَتُبْ تُقطعْ يدُه اليسرى ورجلُه اليمنى، أو يُنفَوا إلى بلد غير بلدهم، ويُحبسوا في سجن ذلك البلد حتى تَظهر توبتُهم.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٣٣ · افتح الموضع
٧ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا۟ عَلَيْهِمْ ۖ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ
سورة المائدة ٥:٣٤ · افتح الموضع
٨ لكن مَن أتى من المحاربين من قبل أن تقدروا عليهم وجاء طائعًا نادمًا فإنه يسقط عنه ما كان لله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله غفور لعباده، رحيم بهم.
التفسير الميسّر · المائدة ٥:٣٤ · افتح الموضع
٩ وإذا كان الله لا يعذب تائبا فهكذا الحدود لا تقام على تائب، وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم
ابن القيّم · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٤ · افتح الموضع
١٠ وخرج البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، «عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن المثلة» . وخرج الإمام أحمد من حديث يعلى بن مرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: لا تمثلوا بعبادي»
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣٨٣ · افتح الموضع
١١ أنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، ولا أعلم له قولًا معتبَرًا يُسنده — وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١٢ ففرقٌ بين نصٍّ فيه عقوبةٌ مقدَّرة، وبين شروطِ إثباتٍ جعلها أهلُ العلم من الشدّة بحيث لا تكاد العقوبةُ تقع، وبين تطبيقِ دولةٍ تُنزلها بلا شرطٍ ولا نظر. ومن ناقش الأولى في صورة الثالثة ناقش شيئًا لم يُشرَّع. وهذا تفكيكٌ صحيحٌ ولا أقدّمه جوابًا كاملًا: يبقى بعده سؤالٌ في جنس العقوبة نفسِها لا في شروطها، وهو سؤالٌ قائمٌ لا أُنكره ولا أفصل فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
١٣ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَطَعَ العُرَنيِّينَ ولَم يَحسِمْهم حتَّى ماتوا. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 6803 · صحيح
١٤ عن قتادة عن ابن سيرين قال: كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود
أبو عبيد القاسم بن سلّام · الناسخ والمنسوخ في القرآن العزيز ص١٤٠ · افتح الموضع
١٥ وأنه يفعل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة، ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، والحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها.
ابن القيّم · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٢٥٤ · افتح الموضع
أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَطَعَ العُرَنيِّينَ ولَم يَحسِمْهم حتَّى ماتوا. .
أنس بن مالك · البخاري · صحيح البخاري 6803 صحيح
مَن حَمَلَ علينا السِّلاحَ فليسَ مِنَّا. .
عبدالله بن عمر · البخاري · صحيح البخاري 6874 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
هذا ترتيبٌ فقهيٌّ صُنع بعد الواقعة ليُلطّف نصًّا فظًّا. فأوّلُ تطبيقٍ نبويٍّ لهذه الآية — بشهادة البخاريّ لا بشهادة خصومكم — كان قطعَ أيدي العرنيّين وأرجلهم وسملَ أعينهم وتركَهم في الحرّة حتى ماتوا. فأيُّ «مراتب» وأيُّ «نهيٍ عن المُثلة»؟ الصورةُ التي تقولون إنّها ممنوعةٌ هي بعينها الصورةُ الأولى، وداعشُ لم تفعل أكثرَ من أن قرأت السطرَ الأوّل.
الواقعةُ ثابتةٌ ولا أُنكرها: «قَطَعَ العُرَنيِّينَ ولَم يَحسِمْهم حتَّى ماتوا» ١٣ — وهي واقعةُ قومٍ سملوا عينَ الراعي أوّلًا ١٥. وفيها لأهل العلم قولان لا قولٌ واحد: قال ابنُ سيرين «كان أمر العرنيين قبل أن تنزل الحدود» ١٤، وردَّ ابنُ القيّم كونَها منسوخةً وعلّل سملَ الأعين بأنّه فعلٌ بالجاني كما فعل: «فإنهم لما سملوا عين الراعي سمل أعينهم» ١٥. وعلى الوجهين معًا لا تخرج منها رخصةٌ مفتوحة: على الأوّل هي سابقةٌ لنزول الحدّ، وعلى الثاني هي مقيسةٌ على ما فعلوه هم لا مُطلَقة — والنهيُ عن المُثلة في البخاريّ قائمٌ ١٠، والقرارُ في الحرابة إلى إمام المسلمين لا إلى جماعةٍ تُنصّب نفسَها ١ ٢. وأصرحُ ما أقوله: هذا يهدم الاستدلالَ بالواقعة على الإطلاق، ولا يرفع ثقلَ السؤال عن جنس العقوبة — وذاك ما لم يُدَّعَ رفعُه أصلًا ١٢.
-
«أُمرتُ أن أقاتل الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله» — أليس هذا إعلانَ حربٍ على البشرية حتى تُسلم؟
لا. والحديثُ ينتهي في لفظه إلى «فإذا قالوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فحِسابُهم على اللهِ» ١ — فغايتُه رفعُ السيف عند كلمةٍ تُقال، لا تفتيشُ قلب. وهو بعينه المثالُ الذي ضربه أهلُ الأصول على أنّ عمومَ السنّة يُخصَّص: آيةُ ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ﴾ خصّت عمومَ «الناس» فيه ٢ — فلم يُقرأ على عمومه في يومٍ من الأيام. وابنُ القيّم يقرنه بقوله ﷺ «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» ويخلص إلى «فاكتفى منهم بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله»، ويذكر أنّ سيرتَه في المنافقين كانت قبولَ ظاهر إسلامهم ٣ — ومن كانت غايتُه الاعتقادَ لم يقبل ظاهرًا يعلم أنّه كذب. والنبيُّ ﷺ ختم هذا الحديثَ نفسَه في رواية مسلم عن جابرٍ بتلاوة ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ٤ ٥، ومعناها في التفسير الميسّر: «ليس عليك إكراههم على الإيمان» ٦؛ ولفظُ سؤالك نفسُه مرفوعٌ عنه في القرآن بحروفه: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾ ٧. و﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ لم تنزل في خصمٍ بعيد: نزلت في أنصارٍ أرادوا إكراهَ أبنائهم المتهوّدين على الإسلام فمُنعوا ٨، ومن قتل معاهدًا باقيًا على دينه «لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ» ٩.
١ أمِرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذا قالوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فحِسابُهم على اللهِ عزَّ وجلَّ. .
أبو هريرة · شعيب الأرناؤوط · تخريج المسند لشعيب 10822 · صحيح
٢ من خاص القرآن ما كان مخصصا لعموم السنة وهو عزيز ومن أمثلته قوله تعالى حتى يعطوا الجزية خص عموم قوله صلى الله عليه وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله )
السيوطي · الإتقان في علوم القرآن ص٤٥ · افتح الموضع
٣ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم» وقد قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» فاكتفى منهم بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى الله … وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر إسلامهم، ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٨١ · افتح الموضع
٤ وخرجه مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد في آخره: ثم قرأ {فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 21]
ابن رجب · جامع العلوم والحكم ص٢٢٦ · افتح الموضع
٥ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
سورة الغاشية ٨٨:٢٢ · افتح الموضع
٦ فعِظْ -أيها الرسول- المعرضين بما أُرْسِلْتَ به إليهم، ولا تحزن على إعراضهم، إنما أنت واعظ لهم، ليس عليك إكراههم على الإيمان.
التفسير الميسّر · سورة الغاشية ٨٨:٢٢ · افتح الموضع
٧ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَءَامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ
سورة يونس ١٠:٩٩ · افتح الموضع
٨ ولم يفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا خلفاؤه في الجزية بين العرب والعجم، بل أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم من نصارى العرب، وأخذها من مجوس هجر، وكانوا عربا … وقد ثبت في السير والمغازي، أن من الأنصار من تهود أبناؤهم بعد النسخ بشريعة عيسى، وأراد آباؤهم إكراههم على الإسلام، فأنزل الله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256]
ابن القيّم · زاد المعاد ص١٤١ · افتح الموضع
٩ مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 · صحيح
١٠ أيها المسلمون قاتلوا الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يجتنبون ما نهى الله عنه ورسوله، ولا يلتزمون أحكام شريعة الإسلام من اليهود والنصارى، حتى يدفعوا الجزية التي تفرضونها عليهم بأيديهم خاضعين أذلاء.
التفسير الميسّر · سورة التوبة ٩:٢٩ · افتح الموضع
١١ إنما الدين هو المعتقد بالقلب، وهذا قول أبي بكر بن الأنباري … والقول الثاني: أنه منسوخ … نزلت قبل الأمر بالقتال ثم نسخت بآية السيف، وهذا قول الضحاك والسدي وابن زيد.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٩٨ · افتح الموضع
١٢ وَإِنْ أَحَدٌۭ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌۭ لَّا يَعْلَمُونَ
سورة التوبة ٩:٦ · افتح الموضع
١٣ ٣. القتال. وهو الذي مسّه القسمُ الثالث بعلامة «الحكاية والحكم»، ولا أزعم أنّ تلك العلامةَ تستوعبه. فالقولُ إنّ بعضَ النصوص خبرٌ عن وقائع بأعيانها صحيحٌ في بعضها، ودعوى تحتاج بيانًا في بعضها الآخر — وثمّ ما هو حكمٌ عامٌّ في نظر الحرب والسلم اختلف أهلُ العلم في تحرير مناطه اختلافًا قديمًا معروفًا. ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
أمِرتُ أنْ أقاتِلَ النَّاسَ حتى يَقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فإذا قالوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ؛ فحِسابُهم على اللهِ عزَّ وجلَّ. .
· تخريج المسند لشعيب 10822 صحيح
مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
وهذا ترقيعٌ لا يمسّ العظم. فالتخصيصُ الذي تحتجّ به لا يُخرج أحدًا من دائرة القتال، وإنّما يبدّل ثمنَ النجاة: كلمةٌ لأهل الأوثان، وجزيةٌ لأهل الكتاب. والشافعيُّ يقولها في الصفحة التي نقلتَ عنها بلا مواربة: «ففرض على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا» [[10]]، والقرآنُ يفرض القتالَ على أهل الكتاب ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍۢ وَهُمْ صَٰغِرُونَ﴾ [[11]] ويفسّرها الميسّرُ «خاضعين أذلاء» [[12]]. ثمّ إنّ ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ التي تسوقها قال جماعةٌ من السلف إنّها منسوخةٌ بآية السيف [[13]]. فأين الحرّيةُ في «أسلِمْ، أو ادفعْ صاغرًا، أو قاتِلْ»؟
الاعتراضُ صحيحٌ في نصفه، ولا أدفع نصفَه الصحيح: الفقهُ الكلاسيكيُّ لم يُخرج المسألةَ إلى «لكلٍّ دينُه ولا شأنَ لنا»، بل رتّبها مراتبَ فيها الجزيةُ والصَّغار، ونصُّ الميسّر ما ذكرتَ حرفًا ١٠. والذي يبقى بعد الإقرار به ليس صغيرًا: ليست نهايةُ القتال في صورةٍ من الصور هي الاعتقاد. وابنُ الجوزيّ يسوق النسخَ قولًا من قولين لا إجماعًا، ويسوق في مقابله عن ابن الأنباري أنّ «الدين هو المعتقد بالقلب» — أي أنّ محلَّ الإكراه غيرُ محلّ الدين أصلًا ١١. والمشركُ الذي استُبيح دمُه في سورة براءة إن طلب الأمانَ أُجير حتى يسمع، ثمّ ﴿أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُۥ﴾ — يعود إلى مأمنه مشركًا كما جاء ١٢. وقسمتُك «عربٌ يُسلمون وعجمٌ يدفعون» لا تثبت: ابنُ القيّم يذكر أنّه ﷺ أخذ الجزيةَ من نصارى العرب ومن مجوس هجر «وكانوا عربا» ٨. وما بقي بعد ذلك محلُّ خلافٍ قديمٍ لم يُحسم، والكتاب يقولها عن نصوص القتال: «ولا أُقدّم لك ترجيحًا فيه» ١٣ — ومن باعك في هذا الباب فيصلًا قاطعًا باعك ما لا يملك.
-
﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ﴾ — أهو أمرٌ بقطع الرؤوس؟
لا. الأمرُ في الآية معلَّقٌ بلقاء المقاتِلين في ساحة الحرب، لا توجيهٌ في هيئة إعدامِ رجلٍ موثَق ٢. ونصُّها لا يقف عند الضرب: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ١ — والأسرُ عند الزجّاج يقع بعد اشتداد القتال لا قبله ٤، وشدُّ الوثاق عند النحّاس ليُمنع الأسيرُ من الهرب ٣. وأمّا تسميةُ الرقبة بعينها فساقها ابنُ رجب في بابِ الإحسان في القتل، على أنّ ضربَ العنق أسهلُ وجوه إزهاق النفس وأسرعُها «من غير زيادة في التعذيب» ٥ — أي أنّ الآية تسمّي الأخفَّ لا الأشدّ. والذي في المقطع الذي رأيتَه هو المَثْلَةُ بعينها، وهي منهيٌّ عنها في وصيّة النبيّ لكلّ سريّةٍ يبعثها: «لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» ٦. ولا أزعم أنّ هذا يُنهي الخلافَ في أحكام الحرب — فهو خلافٌ قديمٌ مسمًّى أصحابُه ٧ — لكنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم ٨.
١ فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّۢا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ۚ ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَا۟ بَعْضَكُم بِبَعْضٍۢ ۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَٰلَهُمْ
سورة محمد ٤٧:٤ · افتح الموضع
٢ فإذا لقيتم- أيها المؤمنون- الذين كفروا في ساحات الحرب فاصدقوهم القتال، واضربوا منهم الأعناق، حتى إذا أضعفتموهم بكثرة القتل، وكسرتم شوكتهم، فأحكموا قيد الأسرى: فإما أن تَمُنُّوا عليهم بفك أسرهم بغير عوض، وإما أن يفادوا أنفسهم بالمال أو غيره، وإما أن يُسْتَرَقُّوا أو يُقْتَلوا، واستمِرُّوا على ذلك حتى تنتهي الحرب.
التفسير الميسّر · سورة محمد ٤٧:٤ · افتح الموضع
٣ فضرب الرقاب مصدر. أي فاضربوا الرقاب ضربا … حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق أي لئلا يهربوا أو يلحقكم منهم مكروه. والإثخان المبالغة بالضرب مشتق من قولهم: شيء ثخين أي متكاثف.
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص١١٧ · افتح الموضع
٤ (أثخنتموهم) أكثرتم فيهم القتل، كما قال: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، فالأسر بعد المبالغة في القتل.
الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٥ · افتح الموضع
٥ والإحسان في قتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأوحاها من غير زيادة في التعذيب، فإنه إيلام لا حاجة إليه … وأسهل وجوه قتل الآدمي ضربه بالسيف على العنق، قال الله تعالى في حق الكفار: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد: 4]
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣٨١ · افتح الموضع
٦ «وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم: لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» … وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين وسمرة بن جندب «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن المثلة» .
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣٨٢ · افتح الموضع
٧ أحدهما: أنها محكمة، وأن حكم المن والفداء باق لم ينسخ، وهذا مذهب ابن عمر والحسن وابن سيرين، ومجاهد، وأحمد، والشافعي … والثاني: أن المن والفداء نسخ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} وهذا مذهب ابن جريج والسدي، وأبي حنيفة.
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٥٨١ · افتح الموضع
٨ ٣. القتال. وهو الذي مسّه القسمُ الثالث بعلامة «الحكاية والحكم»، ولا أزعم أنّ تلك العلامةَ تستوعبه … والذي أقوله جازمًا شيءٌ واحدٌ خارجَ محلّ النزاع: أنّ ما تفعله الجماعاتُ المسلّحة اليوم قوبل بإنكارٍ من أهل العلم على اختلاف مذاهبهم، ولا أعلم له قولًا معتبَرًا يُسنده — وهذا ما أعلمه، لا مسحًا استوعبتُ به كلَّ من كتب.
٢٠. النصوصُ المُشكِلة · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا كلُّه لا يمسّ حرفَ الآية: هي تأمر بضرب الأعناق، وابنُ رجبٍ نفسُه ساقها دليلًا على أنّ ضربَ العنق بالسيف هو وجهُ قتلِ الآدميّ — فأنتم لم تنفوا الذبح، إنّما اشترطتم أن يكون سريعًا. ثمّ إنّ تفسيرَكم الذي احتججتم به يجعل في الأسير خيارَ القتل نصًّا، فأين الفرقُ بين ما في مصحفكم وما في المقطع؟
الفرقُ في موضعين يقولهما النصُّ لا أنا. الأوّل الحال: الأمرُ معلَّقٌ بـ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ﴾ أي مواجهةِ مقاتلٍ في ساحة الحرب ٢، والموثَقُ خرج من هذه الحال بنصّ الآية نفسِها ﴿فَشُدُّوا۟ ٱلْوَثَاقَ﴾ ١. والثاني الجهة: خيارُ القتل الذي في التفسير مذكورٌ في سياق حكمِ الأسرى في حربٍ قائمة ٢، وهو محلُّ خلافٍ قديمٍ بين مَن قال ببقاء المنّ والفداء — ابنِ عمر والحسن وابن سيرين ومجاهد وأحمد والشافعيّ — ومَن قال بنسخهما ٧، لا إذنٌ لآحاد الناس. وأمّا احتجاجُ ابن رجب بالآية فهو في بابٍ موضوعُه منعُ «الزيادة في التعذيب» ٥، والمقطعُ المصوَّر تعذيبٌ وعرضٌ، وهو المَثْلَةُ التي خرّج ابنُ رجب النهيَ عنها ٦. ولا أعطيك أكثرَ من هذا: يبقى في تحرير مناط أحكام الحرب خلافٌ لا أفصل فيه ٨.
-
ما حكمُ قتل المدنيّين والنساء والأطفال في نصوصكم؟
نعم، عندنا نهيٌ بلفظه لا استنباطٌ من عموم: «ولا تقتلوا وليدا» — بندٌ في الوصيّة التي تُقال للسريّة قبل خروجها ١، ومعه «وكان ينهى عن قتل النساء والولدان» ٢. وفي القرآن ﴿وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ ٣، وشرحُها في التفسير الميسّر: «ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم» ٤. وهذا التخصيصُ ليس اعتذارًا صُنع اليوم: النحّاسُ يكتب في ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ «لا تقتلوا من لم تؤمروا بقتله ويدخل في الأمر بهذا النساء والصبيان» ٥، وابنُ الجوزي لا ينسبه إلى نفسه بل يرويه عن ابن عبّاسٍ ومجاهد ٦. وأمّا شقُّك الثاني فلن أُجيبه بـ«هؤلاء ليسوا منّا»، وهذا نصُّ ما يقوله الكتاب: «ولا أقول «هؤلاء ليسوا منّا» وأمضي — بل أقول إنّ آليةَ إنتاجهم معروفةٌ وقابلةٌ للوصف، وإنّ من أنتجها من أهل الدين مسؤولٌ عنها» ٧.
١ وكان إذا بعث سرية يوصيهم بتقوى الله، ويقول: سيروا بسم الله، وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٩٠ · افتح الموضع
٢ وكان ينهى عن قتل النساء والولدان وكان ينظر في المقاتلة، فمن رآه أنبت قتله، ومن لم ينبت استحياه.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٨٩ · افتح الموضع
٣ وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ
سورة البقرة ٢:١٩٠ · افتح الموضع
٤ وقاتلوا -أيها المؤمنون- لنصرة دين الله الذين يقاتلونكم، ولا ترتكبوا المناهي من المُثْلة، والغُلول، وقَتْلِ من لا يحل قتله من النساء والصبيان والشيوخ، ومن في حكمهم. إن الله لا يحب الذين يجاوزون حدوده، فيستحلون ما حرَّم الله ورسوله.
التفسير الميسّر · سورة البقرة ٢:١٩٠ · افتح الموضع
٥ ولا تعتدوا لا تقتلوا من لم تؤمروا بقتله ويدخل في الأمر بهذا النساء والصبيان
أبو جعفر النحّاس · إعراب القرآن ص٩٨ · افتح الموضع
٦ لا تعتدوا بقتل النساء والولدان، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد
ابن الجوزي · نواسخ القرآن ص٢٤٧ · افتح الموضع
٧ ولا أقول «هؤلاء ليسوا منّا» وأمضي — بل أقول إنّ آليةَ إنتاجهم معروفةٌ وقابلةٌ للوصف، وإنّ من أنتجها من أهل الدين مسؤولٌ عنها.
١٧. الدين والحروب · افتح الموضع
٨ وقيل لا تعتدوا: أي لا تجاوزوا إلى قتل النساء والأطفال.
الزجّاج · معاني القرآن وإعرابه ص٢٦٢ · افتح الموضع
٩ وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية تغزوا في سبيل الله قال لهم: لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣٨٢ · افتح الموضع
١٠ وسئل - صلى الله عليه وسلم - عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من ذراريهم ونسائهم، فقال هم منهم» حديث صحيح، ومراده - صلى الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٠٦ · افتح الموضع
١١ مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣٨٥ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تفسيرٌ ألبستَه ثوبَ النصّ. ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟﴾ كلمتان عامّتان في آيةِ أمرٍ بالقتال، ومن حشا فيهما «النساء والصبيان» مفسِّرٌ يقول رأيَه. وأخطرُ من ذلك أنّ في كتبكم نفسِها ما ينقض ما نقلتَ: سُئل نبيُّكم عن تبييت ديارِ المشركين ليلًا «فيصاب من ذراريهم ونسائهم» فقال: «هم منهم». فالنهيُ عندكم يسقط عند أوّل ضرورةٍ عسكريّة — وهذه بعينها حجّةُ كلِّ من قتل طفلًا باسمه.
الأولى تسقط بالتاريخ: الزجّاجُ يكتب في الآية نفسِها «وقيل لا تعتدوا: أي لا تجاوزوا إلى قتل النساء والأطفال» ٨، وابنُ الجوزي يسنده إلى «ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد» ٦ — فهي قراءةُ الطبقة الأولى لا صياغةَ متأخّر. ولفظُ الوصيّة نفسُه يرد عند مؤلِّفٍ آخر في كتابٍ آخر: «لا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا» ٩. وأمّا الثانية فهي في كتبنا كما قلتَ ولا أُخفيها، لكنّ قيدَها ملازمٌ لها في الموضع نفسِه — ابنُ القيّم ينقلها ثمّ يقول: «ومراده - صلى الله عليه وسلم - بكونهم منهم التبعية في أحكام الدنيا وعدم الضمان» ١٠ — أي رفعُ الدِّية عمّن أصاب من حيث لا يقصد. والحكمُ نفسُه يبقى مقرَّرًا عنده في كتابٍ ثانٍ: «نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية» ١١. فأين في «عدم الضمان» إذنٌ بأن يُقصد الطفلُ بالقتل؟
-
لماذا يُقتل من سبّ النبيَّ أو رسم كاريكاتيرًا؟
الأمرُ على خلاف ما يُشاع، والنصُّ الذي تُحاكموننا إليه يقول عكسَه: القرآن يذكر الخوضَ في آياته والاستهزاءَ بها، فيكون الأمرُ الموجَّه إلى النبيّ نفسِه هو الانصرافَ عن المجلس ١ — «فابتعد عنهم حتى يأخذوا في حديث آخر» ٢. ويأمر المؤمنين أن يسمعوا الطعنَ في دينهم صابرين ويسمّي الصبرَ عليه «مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ» ٣ ٤، وحيث نصَّ على أذى الله ورسوله بالأقوال كان الجزاءُ المذكورُ لعنةً في الدنيا والآخرة وعذابًا مهينًا ٥ ٦. وصاحبُ الدعوة نفسُه «ما انتَقَمَ لنَفسِه في شيءٍ يُؤتى إليه قَطُّ» ٧، ودخل عليه قومٌ فقالوا «السَّامُ عليك» فردّ بكلمةٍ واحدة، ثمّ عاتب عائشةَ على حدّتها لا الشاتمَ ٨. وابنُ القيّم — وهو من أشدّ من كتب في قتل السابّ — يَعُدّ من واجهوه بالتنقّص فلم يُمسّوا، ويروي ردَّه عمرَ عن قتل عبد الله بن أبيّ بـ«لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ٩، ويقرّر أنّ الأمر كان موازنةً لا حكمًا آليًّا: «فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة» ١٠. وكعبُ بن الأشرف الذي يُساق مثلًا على قتل شاعرٍ إنّما ذهب بعد بدرٍ إلى مكة «وجعل يؤلب على رسول الله … وعلى المؤمنين» ١١.
١ وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيْطَٰنُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ ٱلذِّكْرَىٰ مَعَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّٰلِمِينَ
سورة الأنعام ٦:٦٨ · افتح الموضع
٢ وإذا رأيت -أيها الرسول- المشركين الذين يتكلمون في آيات القرآن بالباطل والاستهزاء، فابتعد عنهم حتى يأخذوا في حديث آخر، وإن أنساك الشيطان هذا الأمر فلا تقعد بعد تذكرك مع القوم المعتدين، الذين تكلموا في آيات الله بالباطل.
التفسير الميسّر · الأنعام ٦:٦٨ · افتح الموضع
٣ ۞ لَتُبْلَوُنَّ فِىٓ أَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوٓا۟ أَذًۭى كَثِيرًۭا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ
سورة آل عمران ٣:١٨٦ · افتح الموضع
٤ … ولتَسمعُنَّ من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذي أسماعكم من ألفاظ الشرك والطعن في دينكم. وإن تصبروا -أيها المؤمنون- على ذلك كله، وتتقوا الله بلزوم طاعته واجتناب معصيته، فإن ذلك من الأمور التي يُعزم عليها، وينافس فيها.
التفسير الميسّر · آل عمران ٣:١٨٦ · افتح الموضع
٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًۭا مُّهِينًۭا
سورة الأحزاب ٣٣:٥٧ · افتح الموضع
٦ إن الذين يؤذون الله بالشرك أو غيره من المعاصي، ويؤذون رسول الله بالأقوال أو الأفعال، أبعدهم الله وطردهم مِن كل خير في الدنيا والآخرة، وأعدَّ لهم في الآخرة عذابًا يذلهم ويهينهم.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٥٧ · افتح الموضع
٧ ما خُيِّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أمرَينِ إلَّا اختارَ أيسَرَهما ما لم يَأثَمْ، فإذا كان الإثمُ كان أبعَدَهما منه، واللهِ ما انتَقَمَ لنَفسِه في شيءٍ يُؤتى إليه قَطُّ، حتَّى تُنتَهَكَ حُرُماتُ اللهِ، فيَنتَقِمُ للَّهِ. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 6786 · صحيح
٨ استَأذَنَ رَهطٌ مِنَ اليَهودِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: السَّامُ عليك، فقُلتُ: بَل عليكمُ السَّامُ واللَّعنةُ، فقال: يا عائِشةُ، إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه، قُلتُ: أوَلم تَسمَعْ ما قالوا؟ قال: قُلتُ: وعليكم. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 6927 · صحيح
٩ فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل عبد الله بن أبي، وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي، وقد قال له: اعدل فإنك لم تعدل … قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه … كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته، زالت بعد موته، من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه لنفروا، وقد أشار إلى هذا بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: ( «لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه» ) .
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٣٨٦ · افتح الموضع
١٠ ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه، كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه، ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدا قتل الساب كما فعل بكعب بن الأشرف، فإنه جاهر بالعداوة والسب، فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قتل ابن خطل، ومقيس والجاريتين وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه لم يكن لهم أن يسقطوا حقه.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٣٨٧ · افتح الموضع
١١ وكان رجلا من اليهود، وأمه من بني النضير، وكان شديد الأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يشبب في أشعاره بنساء الصحابة، فلما كانت وقعة بدر ذهب إلى مكة، وجعل يؤلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، ثم رجع إلى المدينة على تلك الحال.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص١٧٠ · افتح الموضع
١٢ وفيها: تعيين قتل الساب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأن قتله حد لا بد من استيفائه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤمن مقيس بن صبابة، وابن خطل، والجاريتين اللتين كانتا تغنيان بهجائه، مع أن نساء أهل الحرب لا يقتلن كما لا تقتل الذرية، وقد أمر بقتل هاتين الجاريتين
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٣٨٥ · افتح الموضع
١٣ فإن الصديق - رضي الله عنه - قال لأبي برزة الأسلمي وقد هم بقتل من سبه: (لم يكن هذا لأحد غير رسول الله) - صلى الله عليه وسلم -
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٣٨٥ · افتح الموضع
١٤ والآثار عن الصحابة بذلك كثيرة، وحكى غير واحد من الأئمة الإجماع على قتله. قال شيخنا: وهو محمول على إجماع الصدر الأول من …
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد ص٥٤ · افتح الموضع
١٥ وَلَا تَسُبُّوا۟ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّوا۟ ٱللَّهَ عَدْوًۢا بِغَيْرِ عِلْمٍۢ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ
سورة الأنعام ٦:١٠٨ · افتح الموضع
١٦ لئن لم يكفَّ الذين يضمرون الكفر ويظهرون الإيمان والذين في قلوبهم شك وريبة، والذين ينشرون الأخبار الكاذبة في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم عن قبائحهم وشرورهم، لنسلِّطنَّك عليهم، ثم لا يسكنون معك فيها إلا زمنًا قليلا. مطرودين من رحمة الله، في أي مكان وُجِدوا فيه أُسِروا وقُتِّلوا تقتيلا ما داموا مقيمين على النفاق ونشر الأخبار الكاذبة بين المسلمين بغرض الفتنة والفساد.
التفسير الميسّر · الأحزاب ٣٣:٦٠–٦١ · افتح الموضع
ما خُيِّرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بينَ أمرَينِ إلَّا اختارَ أيسَرَهما ما لم يَأثَمْ، فإذا كان الإثمُ كان أبعَدَهما منه، واللهِ ما انتَقَمَ لنَفسِه في شيءٍ يُؤتى إليه قَطُّ، حتَّى تُنتَهَكَ حُرُماتُ اللهِ، فيَنتَقِمُ للَّهِ. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 6786 صحيح
استَأذَنَ رَهطٌ مِنَ اليَهودِ على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالوا: السَّامُ عليك، فقُلتُ: بَل عليكمُ السَّامُ واللَّعنةُ، فقال: يا عائِشةُ، إنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كُلِّه، قُلتُ: أوَلم تَسمَعْ ما قالوا؟ قال: قُلتُ: وعليكم. .
عائشة أم المؤمنين · البخاري · صحيح البخاري 6927 صحيح
وأقوى ما يُعترض به
انتقاء. فابنُ القيّم الذي تنقلون عنه يقول بلفظه إنّ قتلَ السابّ حدٌّ لا بدّ من استيفائه، ويستدلّ بأنّ النبيَّ أمر يوم الفتح بقتل جاريتين كانتا تُغنّيان بهجائه — امرأتين، والنساءُ لا يُقتلن في الحرب — ويحكي إجماعَ الخلفاء الراشدين بلا مخالف. فالرحمةُ التي سُقتُم أدلّتها استثناءٌ في زمن ضعف، والسيفُ هو الحكم؛ وكتبُ فقهائكم تقولها صراحةً بينما تقولون لنا هنا غيرَها.
الشطرُ الأوّل صحيحٌ ولا أُنكره: هذا نصُّ ابن القيّم بحروفه، والجاريتان في استدلاله ١٢، والخلافُ في المسألة قديمٌ قائمٌ لا أدّعي أنّه محسوم. لكنّ ثلاثةً في كلامه نفسِه تنقض ما يُبنى عليه اليوم: الإجماعُ المحكيُّ قيّده شيخُه ابن تيمية بأنّه «محمول على إجماع الصدر الأول» ١٤ — حكايةُ عصرٍ لا إطباقُ أمّة؛ والاستيفاءُ عنده ينتقل «إلى نوابه وخلفائه» ١٠، أي إلى سلطةٍ تقضي لا إلى فردٍ يقتل في شارع؛ وأبو بكر ردّ أبا برزة عن قتل من سبّه هو فقال: «لم يكن هذا لأحد غير رسول الله» ١٣ — أوّلُ رئيس دولةٍ في الإسلام رفض الحصانةَ لنفسه. والقرآنُ ينهى المسلمين أن يسبّوا معبوداتِ غيرهم لئلّا يُسبَّ الله ١٥، فقاعدتُه كفُّ اللسان من الجهتين لا حراستُه بالسلاح من جهة. وأقربُ ما فيه إلى عقوبةٍ على الكلام آيةُ المرجفين في المدينة، وتفسيرُها أنّهم «ينشرون الأخبار الكاذبة … بغرض الفتنة والفساد» في حال حرب ١٦ — وذاك إرجافٌ لا رسمٌ ولا رواية. فمن قتل رسّامًا يستند إلى قولٍ قائلٍ في كتب الفقه، لكنّه يستند إليه مجرَّدًا من شرطه ومن سلطته، ويترك خلفَ ظهره النصَّ الأعلى وفعلَ الرجل الذي يزعم أنّه ينتصر له.
-
أهلُ الذمّة: أمواطنون أم رعايا من درجةٍ ثانية؟
نعم، التفاوتُ في الأحكام واقعٌ ولا يُذهبه اسمُ الحماية — لكنّ بنودَك ليست شيئًا واحدًا، وأثقلُها كان محلَّ نزاعٍ داخل المنظومة نفسِها لا حكمًا مجمَعًا عليه. ففي الدم: الجمهورُ لا يقتلون المسلمَ بالذمّيّ، وأبو حنيفةَ وفقهاءُ الكوفة يقتلونه به، ومالكٌ وأهلُ المدينة يقتلونه في قتل الغِيلة ١؛ وعمرُ وعثمانُ ضاعفا الديةَ على قاتله عمدًا وإليه ذهب أحمد ٢ — فهي عندهم جنايةٌ مغلَّظةٌ لا مخفَّفة. وفي الشهادة: القرآنُ يُجيز ﴿ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ على وصيّة المسلم في السفر ٣، وعدَّه ابنُ القيّم قبولَ شهادةِ الكفّار على المسلمين في آخر سورةٍ نزلت «ولم ينسخها شيء ألبتة» ٤، وقصره أحمدُ على هذا الموضع وحدَه ٥ — فالنزاعُ في المدى لا في أصل الأهليّة. وأمّا مضمونُ العهد نفسِه فنصُّ كتاب النبيّ لأهل نجران: ألّا تُهدم بِيعةٌ، ولا يُخرَج قسٌّ، ولا يُفتنوا عن دينهم ٦، وحارسُه أنّ قاتلَ المعاهَد لا يجد ريحَ الجنّة ٧، وأنّ ظالمَه أو منتقِصَه أو مكلِّفَه فوق طاقته خصمُه النبيُّ يوم القيامة ٨. وأصلُ الباب أنّ اللهَ لم ينهَ عن برِّ من لم يقاتل والإقساط إليه ٩ ١٠ وأنّ بُغضَ قومٍ لا يُبيح تركَ العدل ١١؛ وأحدُّ شاهدٍ عليه واقعةٌ بعينها: سرق أنصاريٌّ درعًا وخبّأها عند يهوديّ ورماه بها، فهمَّ النبيُّ أن يفعل وكان هواه معهم وأن يعاقبَ اليهوديَّ — حتى نزلت ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ ١٢ ١٣.
١ ومنها أن يقتل المسلم كافرا، فإن كان حربيا، لم يقتل به بغير خلاف… وإن كان ذميا أو معاهدا، فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا، وفي " صحيح البخاري " عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل مسلم بكافر». وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يقتل به… وهذا مذهب مالك وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم بالكافر
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٦ · افتح الموضع
٢ وكذلك قاتل الذمي عمدا أضعف عليه عمر وعثمان ديته، وذهب إليه أحمد وغيره.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢٢ · افتح الموضع
٣ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ
سورة المائدة ٥:١٠٦ · افتح الموضع
٤ بل قد نبه الله تعالى على القبول في مثل هذه الصورة بقبول شهادة الكفار على المسلمين في السفر في الوصية في آخر سورة أنزلت في القرآن، ولم ينسخها شيء ألبتة، ولا نسخ هذا الحكم كتاب ولا سنة ولا أجمعت الأمة على خلافه، ولا يليق بالشريعة سواه.
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص١٥٠ · افتح الموضع
٥ قال صالح بن أحمد: قال أبي: لا تجوز شهادة أهل الذمة إلا في موضع في السفر الذي قال الله تعالى: {أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: 106] فأجازها أبو موسى الأشعري ، وقد روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أو آخران من غيركم من أهل الكتاب" ، وهذا موضع ضرورة؛ لأنه في سفر، ولا يجد من يشهد من المسلمين، وإنما جاءت في هذا المعنى
ابن قيّم الجوزية · الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص٢٩٥ · افتح الموضع
٦ وصالح أهل نجران من النصارى على ألفي حلة… على ألا تهدم لهم بيعة، ولا يخرج لهم قس، ولا يفتنوا عن دينهم ما لم يحدثوا حدثا أو يأكلوا الربا
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص١٤٠ · افتح الموضع
٧ مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 · صحيح
٨ ألا من ظلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ .
عدة آباء من أصحاب النبي · ابن حجر العسقلاني · هداية الرواة 4/100 · حسن
٩ لَّا يَنْهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوٓا۟ إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ
سورة الممتحنة ٦٠:٨ · افتح الموضع
١٠ لا ينهاكم الله -أيها المؤمنون- عن الذين… لم يقاتلوكم من الكفار بسبب الدين، ولم يخرجوكم من دياركم أن تكرموهم بالخير، وتعدلوا فيهم بإحسانكم إليهم وبرِّكم بهم. إن الله يحب الذين يعدلون في أقوالهم وأفعالهم.
التفسير الميسّر — الممتحنة ٦٠:٨ · افتح الموضع
١١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ
سورة المائدة ٥:٨ · افتح الموضع
١٢ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًۭا
سورة النساء ٤:١٠٥ · افتح الموضع
١٣ وذلك أن رجلا من الأنصار يقال له: طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر بن الحارث سرق درعا من جار له يقال له: قتادة بن النعمان… ثم خبأها عند رجل من اليهود يقال له: زيد بن السمين… فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: انطلقوا بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكلموه في ذلك، فسألوه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي، فهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل، وكان هواه معهم وأن يعاقب اليهودي، حتى أنزل الله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق} الآية كلها
الواحدي النيسابوري · أسباب نزول القرآن ص١٨٠ · افتح الموضع
١٤ والله - سبحانه وتعالى - قد سوى بين الكفار كلهم في إدخالهم نار جهنم، وفي قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين، وفي عدم التوارث بينهم وبين المسلمين، وفي منع قبول شهادتهم على المسلمين، وغير ذلك، وقطع المساواة بين المسلمين والكفار
ابن قيّم الجوزية · إعلام الموقعين عن ربّ العالمين ص٢١٠ · افتح الموضع
١٥ صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام، وإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطريق» ) لكن قد قيل: إن هذا كان في قضية خاصة لما ساروا إلى بني قريظة قال: ( «لا تبدءوهم بالسلام» ) فهل هذا حكم عام لأهل الذمة مطلقا، أو يختص بمن كانت حاله بمثل حال أولئك؟ هذا موضع نظر، ولكن قد روى مسلم في " صحيحه " من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( «لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه» ) والظاهر أن هذا حكم عام.
ابن قيّم الجوزية · زاد المعاد في هدي خير العباد ص٣٨٧ · افتح الموضع
١٦ ومنها: أن يقتل الحر عبدا، فالأكثرون على أنه لا يقتل به، وقد وردت في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال وقيل: يقتل بعبد غيره دون عبده، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٥ · افتح الموضع
مَن قَتَلَ مُعاهَدًا لم يَرِحْ رائِحةَ الجَنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجَدُ مِن مَسيرةِ أربَعينَ عامًا. .
عبدالله بن عمرو · البخاري · صحيح البخاري 3166 صحيح
ألا من ظلمَ معاهَدًا أوِ انتقصَهُ أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نفسٍ فأنا حجيجُهُ يومَ القيامةِ .
عدة آباء من أصحاب النبي · ابن حجر العسقلاني · هداية الرواة 4/100 حسن
وأقوى ما يُعترض به
انتقاءٌ. الذي حكم المحاكمَ قرونًا هو قولُ الجمهور لا قولُ أبي حنيفة، وابنُ القيّم نفسُه يعدّ منعَ قبول شهادتهم على المسلمين في سياق ما «فرّق الله» بينه — أي أصلًا في الباب لا استثناءً فيه [[14]]. وفي صحيح مسلم: لا تبدؤوهم بالسلام واضطرّوهم إلى أضيق الطريق، ورجّح ابنُ القيّم أنّه «حكمٌ عامّ» [[15]]. فعجزُك عن تسنيد البناء والولاية ليس هو المشكلة؛ المشكلةُ أنّ ما سنّدتَه يُثبت التمييزَ لا ينفيه.
صحيحٌ في شطره الأوّل ولا أُنكره: قولُ الجمهور هو ما ساد، ومنعُ الشهادة على المسلم مذهبُ الأكثر ١٤. وثلاثةٌ تُغيّر معناه لا تُلغيه: أنّ بنيةَ المكافأة في الدم ليست دينيّةً في أصلها — فالحرُّ لا يُقتل بالعبد عند الأكثرين، وأبو حنيفةَ يفرّق فيه كما فرّق في الذمّيّ ١٦ — فالسؤالُ سؤالٌ عن نظام القصاص كلِّه لا عن الذمّيّ وحده؛ وأنّ عمرَ وعثمانَ لم يُخفّفا عن قاتله بل ضاعفا عليه ٢، فالعصمةُ قائمةٌ وإن اختلف طريقُ استيفائها؛ وأنّ حديثَ أضيق الطريق ذكر ابنُ القيّم أنّه قيل إنّه في قضيّةٍ خاصّة وسمّاه «موضع نظر» قبل أن يرجّح العموم ١٥ — فهو محلُّ نزاعٍ عندهم لا نصٌّ محكم. ويبقى الأهمّ: ما وعد به العهدُ — البِيعةُ والقسُّ وعدمُ الفتنة عن الدين ٦ — عصمةُ دمٍ ومالٍ ومعبد، وليس هو المواطنةَ الحديثة، ولا يُقال إنّه هي.
-
«لا يُقتل مسلمٌ بكافر» — أدمُ غير المسلم أرخص؟
لا إجماعَ فيما تعرضه إجماعًا — والخلافُ مكتوبٌ في الكتب نفسِها التي احتججتَ بها. ففي القصاص: الجمهورُ لا يقتلون المسلمَ بالذمّيّ، وأبو حنيفة وجماعةُ فقهاء الكوفة يقتلونه به، ومالكٌ وأهلُ المدينة يقتلونه به في القتل غيلةً ١. وفي الدية أربعةُ أقوالٍ لا قولٌ واحد: نصفٌ عند مالك، وثلثٌ عند الشافعيّ، ومثلُ دية المسلم عند أبي حنيفة في العمد والخطأ، ومثلُها عند أحمد في العمد ٢ — والشقّان مسألةٌ واحدةٌ عند من ردّهما إلى أصل: أبو حنيفة سوّى الديتين لأنّ القصاصَ يجري بينهما عنده ٣. والقرآنُ حين نصّ على قتل رجلٍ من قومٍ بينهم وبين المسلمين ميثاقٌ أوجب ﴿فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ﴾ ولم يذكر فيها نقصًا ٤، ويقرؤها الميسّرُ: «فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه» ٥. والحديثُ الذي تحتجّ به يحمل قيدَه في متنه: «ولا ذو عهد في عهده» — زِيدت، يقول ابن القيّم، لرفع توهُّمِ «إهدار دم الكافر، وأنه لا حرمة له» ٦.
١ وإن كان ذميا أو معاهدا، فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا، وفي " صحيح البخاري " عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقتل مسلم بكافر» . … وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يقتل به … وهذا مذهب مالك وأهل المدينة أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم بالكافر
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٣١٦ · افتح الموضع
٢ وقد روى أهل السنن الأربعة عنه صلى الله عليه وسلم: ( «دية المعاهد نصف دية الحر» ) . … واختلف الفقهاء في ذلك، فقال مالك: ديتهم نصف دية المسلمين في الخطأ والعمد، وقال الشافعي: ثلثها في الخطأ والعمد. وقال أبو حنيفة: بل كدية المسلم في الخطأ والعمد. وقال الإمام أحمد: مثل دية المسلم في العمد.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٤ · افتح الموضع
٣ وأخذ أبو حنيفة بما هو أصله من جريان القصاص بينهما، فتتساوى ديتهما.
ابن القيّم · زاد المعاد ص٢٥ · افتح الموضع
٤ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ
سورة النساء ٤:٩٢ · افتح الموضع
٥ وإن كان من قوم بينكم وبينهم عهد وميثاق، فعلى قاتله دية تسلم إلى أوليائه وعتق رقبة مؤمنة
التفسير الميسّر · النساء ٤:٩٢ · افتح الموضع
٦ كقوله «لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده» فإنه لما نفى قتل المسلم بالكافر أوهم ذلك إهدار دم الكافر، وأنه لا حرمة له، فرفع هذا الوهم بقوله «ولا ذو عهد في عهده» ولما كان الاقتصار على قوله: " ولا ذو عهد " يوهم أنه لا يقتل إذا ثبت له العهد من حيث الجملة رفع هذا الوهم بقوله " في عهده "
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٢٦٠ · افتح الموضع
٧ «وقضى «4» عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (رضي الله عنهما) - في دية اليهودي، والنصراني-: بثلث دية المسلم وقضى عمر (رضي الله عنه) - في دية المجوسي-: بثمانمائة درهم
البيهقي · أحكام القرآن للشافعي ص٢٨٣ · افتح الموضع
٨ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ
سورة المائدة ٥:٤٥ · افتح الموضع
٩ الوجه الثاني والأربعون: أنكم رددتم السنة الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «لا يقتل مسلم بكافر» وقوله: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» وقلتم: هذا خلاف ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: {النفس بالنفس} [المائدة: 45]
ابن القيّم · إعلام الموقعين ص٢٣٢ · افتح الموضع
١٠ والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما» خرجه البخاري.
ابن رجب الحنبلي · جامع العلوم والحكم ص٤٨٦–٤٨٧ · افتح الموضع
وأقوى ما يُعترض به
هذا تلفيقٌ بالخلاف. القولُ الذي عمل به جمهورُ الأمّة قرونًا هو الذي وصفتُه: لا قصاصَ على المسلم، والديةُ نصفٌ أو ثلث — وبالثلث قضى عمرُ وعثمانُ نفساهما، لا فقيهٌ متأخّرٌ يُختلف عليه [[7]]. وأن تُخرج لي قولًا مرجوحًا لأبي حنيفة لا يمحو أنّ الشريعةَ في صورتها الغالبة سعّرت دمي بكسرٍ من دمك، وأنّ القاتلَ يُفتدى بالمال حيث يُقتل لو كان القتيلُ منكم.
قضاءُ عمر وعثمان بالثلث ثابتٌ ولا أُنكره ٧ — لكنّ الحنفيّةَ لم يخالفوه بهوًى: احتجّوا بظاهر القرآن ﴿أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ﴾ مطلقةً بلا قيدِ دين ٨، حتى إنّ ابن القيّم عدَّ عليهم ردَّ حديث «لا يقتل مسلم بكافر» بهذا الظاهر وجهًا من وجوه اعتراضه ٩ — فالنزاعُ في تقديم أيّ النصَّين، وهو نزاعٌ داخل النصّ لا تقديرُ أثمانٍ خارجَه ٩. وحدُّ التفاوتِ الديةُ وحدَها؛ أمّا الدمُ فمحرَّمٌ بلا كسر: «والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا … من قتل نفسا معاهدا بغير حقها لم يرح رائحة الجنة» خرّجه البخاريّ ١٠. وتبقى دعواك قائمةً في موضعها الصادق: أنّ القولَ الغالبَ فرَّق في المال، وهو تفريقٌ حقيقيٌّ لا يُنكَر ٢ — غيرَ أنّ وصفَه بأنّه «شريعتكم» بلا خلافٍ هو الذي لا يصمد ١.